الأقل حظًّا

حكاية مصورة: جيل «التهجير» يروي قصص الظلم والقهر في قلب النوبة

في عام 1902 بُني سد أسوان، ارتفع منسوب المياه خلفه فغرقت عشر قرى نوبية. ظن السكان أنها كارثة ومضت، لكنها تكررت.

حدثت التعلية الأولى للسد، أو كما يسميه أهل النوبة «خزان أسوان»، عام 1912 فغرقت قرى أخرى، ثم تعلية تالية عام 1933 أغرقت عشر قرى مجددًا، كأن النيل غضب على سكان النوبة بلا سبب، ورأت الحكومة أن الفاتورة دُفعت بسهولة؛ فقررت جعل النوبيين يدفعونها ثانية.

ظل الأمر بعدها هادئًا لسنوات ثم تقرر بناء السد العالي، لتنتقل باقي قرى النوبة إلى هضبة كوم أمبو أو وادي الجن. كان المشروع مفيدًا للبلد لكنه طمس كل شيء أمامه، غرقت الذكريات و«العنجريبات» ونخيل البلح والحكايات والأجداد والجدات والتماثيل واللهجات والجلاليب والجرجارات والأطباق الخوص و«العرجون» والعادات والتقاليد والمأكولات، كلها أسفل النيل، وصارت المأساة حية دون حل لأن النقل فات أوانه.

صار لي في النوبة أهل وذكريات وحكايات تنشأ على استحياء، قالوا عني في البداية «غرباتي»، أي غريب، ثم صرت من الأهل بعد ذلك، بيوت تُفتح، قصص تُروى، ترسم لي النوبة القديمة كأنها لم تغرق.

هذه رحلة بصرية إلى قلب النوبة في جنوب مصر، حيث يعيش الطيبون الذين عانوا على مدى سنوات، لنتتبع حكايات النوبيين ونستكشف ذكرياتهم حول التهجير، والثمن الذي دفعوه من أجل بناء السد العالي.

(1)

مشاهد من سوق الفسطاط

 ذكريات من شباب بعيد

قبل السفر، قابلته في سوق الفسطاط بالقاهرة ضمن فعالية نوبية. تجاذبت معه أطراف الحديث عن التهجير، أغمض محمد عينيه، تذكر ليلة التهجير التي حضرها بنفسه عام 1963، قال: «كنا نعد العدة للمغادرة لكن لم يمهلنا النيل رغم صداقتنا الطويلة. كنت في العشرين من عمري، وجدنا المياه تسري بين البيوت، حمراء اللون مخضبة بالطمي، حملنا ما يهم وتركنا بيوتنا خلفنا، غادرنا قريتنا (مصمص) متجهين إلى (مصمص الجديدة). تبللت ملابسنا وغرق بعضنا، كانت ليلة كابوسية، وعندما وصلنا إلى القرية الجديدة فوجئنا بأنها لا تمت للقرية القديمة بصلة».

قال «أيمن حماد» من قرية جرف حسين، الذي قابلته في الفعالية ذاتها: «لم يكن هناك نظام محدد للتهجير، الحيوان بجانب الإنسان، قطعان وأطفال ونسوة ورجال، كل شيء تم على عجالة ، كان الأمر شاقًّا فمات أغلب الأطفال والعجائز فور التهجير، لكن لم تكن تلك هي المشكلة. كنا مزارعين، الجميع يعملون بالزراعة ولكل قرية أرضها، انتظرنا خمس سنوات عقب التهجير حتى وُزِّعت علينا أراضٍ جديدة، كانت بورًا قاحلة، وكانت فترة الخمس سنوات كفيلة بجعل الناس ينسون الزراعة».

نظر أيمن للأفق قليًلا وكأنه يتذكر شيئًا، ثم أضاف: «يبعد النيل ثلاثة كيلومترات عن قريتي، يلزم أن تسير في الصحراء ثم تصعد جبلًا وتسير بعدها مجددًا حتى تصل إليه. الجيل الجديد لا يفقه شيئًا عن الزراعة، ولم نتحول كذلك إلى مجتمع صناعي؛ لذا هاجر كثيرون إلى القاهرة والإسكندرية، أو الخليج وأوروبا».

 (2)

الطريق إلى أسوان

قرى غرب أسوان: أمام النيل ننسى كل شيء

بدأتُ الرحلة بالمرور على قرى غرب أسوان التي لم يُهجَّر أهلها، عبرنا للجانب الآخر من المدينة، هنا الأشجار والنخيل والمزروعات تجاور النيل في مشهد أجمل من أن يكون حقيقيًّا.

قابلت أحد المزارعين، نوبي من قبيلة «الكنوز». ينقسم النوبيون إلى قبيلتين؛ «الكنوز» و«الفاجيكات». قال لي وهو يخط خطوطًا في الطين: «وجودنا على الضفة الأخرى من أسوان يجعلنا نستطيع تصريف أمورنا بشكل أو بآخر، لسنا كأقراننا في قرى التهجير»، أكمل عمله فساد الصمت إلا من صوت حركة جذوع النخيل، ثم عاد يضيف: «لو سرت قليًلا إلى الأمام وجلست على النيل ستنسى كل شيء، هذا ما يجعلنا أكثر رضًا عن حالنا الاقتصادي الصعب، نلجأ للنيل وللنخيل».

أحمد، مراهق من قرى غرب أسوان، قال ونحن متوقفان على الطريق الذي يربط القرى ببعضها: «أنا كنزي، لكن لا أستطيع أن أتحدث اللهجة الكنزية، ولا أفقه شيئًا عن لهجة النوبيين الفاجيكات. أحب قريتي، لكني أدرك أنني ذات يوم سأغادر للبحث عن عمل في القاهرة البعيدة، لا أعرف الكثير عن التهجير لأننا نجونا منه، لكني أدرك أنه سيطولنا بشكل أو بآخر. أَوَليست هجرتي الإجبارية للقاهرة من أجل العمل تهجيرًا أيضًا؟ ».

تنتشر البيوت الملونة بألوان زاهية في قرى غرب أسوان، التي ما زالت تحتفظ بطابع نوبي معماري لم يطله التهجير. الأبواب غالبًا ما تحمل تصاميم مختلفة، تعلوها تجاويف لتسهيل دخول الهواء، وأمامها مصاطب من الطوب اللبن، كما أن مساحة البيوت واسعة، ويلزم وجود غرفة للضيوف.

خلال مشيي في أزقة تلك القرى، شعرت أن الجدران تكاد تلتصق راقصةً على صوت نوبي حزين يضرب الدفوف. ممرات ملونة بأزرق أو أصفر أو أي لون زاهٍ، بيوت تحتضن قصصًا لا تنتهي، صامتة كأن أحدًا لا يسكنها، ومن بعيد يطل النيل برائحته المميزة حتى لو لم يكن ظاهرًا. أستمع إلى أغانٍ تدور في رأسي، أكُفٌّ تصفق، سيدات يتحدثن النوبية، رجال يتشاجرون، أطفال يركضون، صوت أحمد منيب يغني «في دايرة الرحلة».

قرى التهجير: أشياء لن تعود كما كانت أبدًا

في طريقنا لقرى التهجير في النوبة قابلت عبدُه. كان يسير بمحاذاتي في الحقول الواسعة التي تطل على قرية «الجعافرة» في الناحية الأخرى. جعفري هو (ينتمي لقبيلة الجعافرة العربية)، عربي بملامح إفريقية، تزوج جده العربي الأول فتاة نوبية؛ ليُنتج ذلك المزيج الأنثروبولوجي المميز لجعافرة أسوان. قال: «نأتي أنا ورفاقي وقت الفجر لنشاهد شروق الشمس، وأحيانًا نرعى حقول أهلنا».

«قسطل»

كان يلعب جوار دار الضيافة في قرية «قسطل»، إحدى قرى التهجير النوبية. استطعت من ملامحه تمييز أنه نوبي من «الفاجيكات»، كأنه خرج لتوه من جدارية فرعونية تصور توت عنخ آمون وهو يداعب زوجته. لا يعرف شيئًا عن «قسطل» القديمة ولا التهجير، رغم أنه يتحدث قليلًا من اللهجة الفاجيكية. قال لي وهو يودعني: «إيكادولي»، وتعني «أحبك» باللغة النوبية.

قابلتهن وقت الغروب أمام منزل إحداهن، يتحدثن بصوت خافت. قالت أكبرهن سنًّا، التي ترتدي زيًّا برتقالي اللون: «نحن من الفاجيكات كأغلب سكان قسطل. ما زلت أتذكر قسطل القديمة، كنت في العشرينات حينها، حملت أشقائي الصغار وسرت مع عائلتي حتى وصلنا إلى هنا، ظللت فترة طويلة أحيا على أمل العودة. مات أغلب من في سني، لم نعد، مع التقدم في العمر، ندرك أن هناك أشياء لن تعود كما كانت أبدًا. أحيانًا لا أصدق أنني كنت هناك».

قبيل الشروق توجهت لجبل «قسطل» المطل على القرية. الجو شديد البرودة بسبب الصحراء، الصمت يغلف البيوت، صعدنا الجبل وكان المشهد من علٍ جميلًا وحزينًا، البيوت التي وزَّعها عبد الناصر على أهل القرية متلاصقة، منها الثلاثات (مكونة من 3 غرف كما يشير اسمها)، والأربعات (4 غرف). حاولت العثور على طيف «قسطل» القديمة الغارقة فلم أجد، شعرت بسكون كل شيء فسكنت نفسي.

خلال حفل في النادي الاجتماعي بالقرية كنت ألتقط صورة لأحد الأطفال. على الجدار رأيت صورة معلَّقة لرجل نوبي يعزف على العود، وسيدة ترتدي الثياب القديمة وتحمل صينية عليها شموع. هذا هو الماضي النوبي البعيد، تكاد ترى صوره في كل جانب من هذه القرى الحديثة. 

طفل «كنزي» من قرية «عنيبة» يستعد للحفل، يرتدي الثياب التقليدية التي لم يعد أحد يلبسها الآن. أنشبت الحداثة أظفارها في لحظات قرى النوبة، ابتعدتْ القرى القديمة بنخيلها، وبقيت القرى الجديدة بلا ذكرى.

عُرس نوبي

استضافني عم رشاد، وهو سائق نوبي تعرفت إليه في أسوان، على عرس أحد أقربائه. ذهبت إلى استوديو التصوير منتظرًا العروسين، وصلا من إحدى قرى التهجير إلى أسوان لعقد العُرس في قاعة أفراح. تحلَّق الجميع حول الاستوديو والتقطوا الصور، الفتيات الصغيرات يرتدين زي العرس، وأخريات يلتقطن السيلفي. لا يختلف الأمر شيئًا عن عُرس قاهري حديث، هل هذا ذنب التهجير أم ذنب الحداثة؟

عرس نوبي حديثتوجه العروسان إلى فندق خمس نجوم في أسوان، حيث التقط مصور محترف الصور. في الماضي لم يكن هناك تصوير، وكانت الدفوف لا تتوقف والشعريَّة تُوزَّع على الضيوف. هل اختفى كل ذلك فعًلا؟

رقص في العرس النوبيبعد التقاط الصور بدأ الفرح. كان العريس يرقص مع أحد أقاربه ممسكين بالعُصي. المظهر النوبي الوحيد المتبقي هو الحِنَّاء في يد العريس، والأقمشة الحمراء المعلقة على ذراع المدعوين. كانت الفرحة بادية، ومطرب نوبي يغني، وعدوى الفرح تسري، لكنني كنت بصدد المقارنة بأفراح ما قبل التهجير، وهذا ما جعل فرحتي ناقصة.

نساء في عرس نوبي

جانب من السيدات اللاتي حضرن العُرس، يرتدين جلاليب أشبه بالتي يلبسها الخليجيات. الملمح الوحيد الباقي من الأعراس النوبية هو الحناء على الأيدي

«أرمنَّا»

صار لنا في قرية أرمنَّا أهل وأحباب. قابلت العم رمضان ذات يوم هناك، فاجيكي نوبي، قال إن القرية تعاني من البطالة والفراغ، لا شيء يجذب السياحة: «تعرضنا لأكبر عملية تهميش في التاريخ المصري، رأيت التهجير بعيني، الفيضان يجرف كل شيء، ورأيت بيتي وهو يختفي في المياه ، أشعر وكأنني أحيا حياتين؛ رمضان القديم ورمضان الجديد. مَن مثلنا الآن يشعرون بحزن في أعماقهم؛ لأنهم يدركون أنه بعد خمس سنوات سيكون أغلبهم تحت التراب، وستنسى الأجيال الجديدة كل شيء. كانت أرمنَّا القديمة شديدة الجمال، ما زلت أتذكر الغَزَل تحت النخيل، ولهونا بالمراكب في النيل».

استضافتنا السيدة علية وزوجها حلمي الكاشف على العشاء. زوجان من «الفاجيكات»، ولكن للسيد حلمي أصول تركية. عائلة الكاشف تنتمي للكشاف المماليك الأتراك الذين كانوا يشرفون على قرى النوبة وقت الدولة العثمانية، بقي أغلبهم هنا وتزوجوا من أهل البلاد خوفًا من العودة للقاهرة بعد مذبحة القلعة.

لاحظت أن التعامل بين الأزواج في النوبة فيه نوع من الندية، تتحدث المرأة كما يحلو لها، وتدير البيت بحرفية، ويصافح الرجال النساء بأريحية ويداعبوهن أمام الأغراب . تعجبت أن المجتمع النوبي غير منغلق، هناك عروق أجنبية دخيلة، وبينما يسود الفكر القبلي في القاهرة التي تتسع لأكثر من مدينة جديدة، تظهر الحضارة في النوبة بشكل أكثر وضوحًا.

جلست على سقف بيت مضيفتنا، الذي يقع على أطراف قرية أرمنَّا بالقرب من الصحراء التي لا نهاية لها. كل شيء صامت وقت الفجر كما كان صامتًا عند الغروب، تتوقف الحياة في شتاء قرى النوبة ما بين غروب الشمس وشروقها، وتبدأ بتكاسل في حدود السابعة صباحًا، أما في الصيف فتتوقف تمامًا بين الشروق والغروب، ولا يتحرك الناس سوى ليلًا.

قالت ناهد: «لا نملك سوى النوم في ليل الشتاء شديد البرودة ونهار الصيف قائظ الحرارة. تحكي الجدات أنه في قرى النوبة القديمة كان الجو أكثر اعتدالًا، كان النيل هو الجار والآن صارت الصحراء، لكن لا أخفي عليك، هناك كسل فطري فينا، لعلنا مثل النيل لا نثور إلا قليلًا، وقت ثورة يناير لم نتأثر بشيء».

سيدة نوبية
بعد فراغها من جلسة نسائية لغسيل الصحون، وقفت هذه السيدة «الفاجيكات» أمام الجدارية تستعد لالتقاط الصورة. زيها المميز يسمى الجرجار؛ زي نوبي تقليدي تلبسه السيدات فوق الجلباب المنزلي، لكن طالته الحداثة أيضًا فصار يُصنع من أقمشة مستوردة

دعتنا خديجة لزيارة بيت أبيها، أحد أول البيوت التي أقامها عبد الناصر في قرى التهجير. هنا دبَّت الحياة للمرة الأولى في تلك البقعة من وادي الجن، قص علينا أبوها قصة أصول عائلته، عرب حجازيون اختلطوا بالنوبيين «الفاجيكات». كان البيت مزيجًا من ثلاثة ملامح مميزة؛ نوبية خالصة، وعربية خالصة، وخليط نوبي عربي. قال الرجل إن هناك عِرقًا أرمنيًّا أيضًا، هجرة قديمة جاءت للقرية فمنحتها الاسم.

نظرت لطفل يلهو بجانبنا مع قطة، يطعمها شيئُا من الخبز. كان الملمح الإفريقي واضحًا عليه، يأبى اللون الأسمر إلا أن يكون السيد في تلك البلاد الحارة. 

لم يكن هناك أعراب في قرى ما قبل التهجير قديمًا، لكن الآن يوجد الكثير منهم على أطرافها. وجدتُ مجموعة من العرب أمام خيمة يشربون القهوة الجَبَنَة، وهي قهوة بالزنجبيل والحبهان تُصبُّ في فناجين صغيرة. ألقينا عليهم التحية فأصرُّوا على استضافتنا لتناولها.

يسود السلام بين العرب وبين السكان النوبيين، إذ يعيشون في معزل عنهم رغم وجودهم ضمن نطاق القرية الجغرافي. الملامح يغلب عليها الطابع العربي اليمني، يتحدثون بلهجة سريعة لا أكاد أفهمها، وهم رغم فقرهم البادي شديدو الكرم والعزة. لعلَّ مَن موطنه الصحراء لا تهجير يهدده، فهو حر طليق ليس له وطن ثابت.


قادتني قدماي لمقابر قرية أرمنَّا، رأيت صخورًا وصخورًا بلا أسماء أو علامات، لا ندري أيها الكنزي وأيها الفاجيكي. كانت تلك السيدة وابنتها تمران من بين الصخور، ابتسمتْ في وجوهنا، قالت حين سألتها عن القبور: «نميز صخورنا بأنفسنا، ونسير في طريق نعرفها حتى لا نطأ الأحباب الراحلين». لم ينتقل التراث الفرعوني الذي يمجد الموت ويجعل له صروحًا إلى النوبة فيما يبدو، احتفظوا بالبساطة، وأكسبوا الأمر نوعًا من الغموض.

«عنيبة»

في بيت محمود بقرية «عنيبة»، تحدث الرجل عن ثقافة الأبواب النوبية بينما كانت زوجته ناهد تصب الشاي باللبن النوبي الشهير. أخبرني أنه لو كان المفتاح الخشبي موجودًا في الباب فذلك معناه أنه لا أحد في البيت، وأنه غير مسموح بالدخول. لو كان الباب موارَبًا فذلك دليل على إمكان الدخول حتى لو لم يكن أحد بالداخل، وإن كان مفتوحًا على مصراعيه فهو دعوة للدخول، وإعلامٌ بأن أهل البيت فيه.

يقول محمود: «منزلي في عنيبة كان نموذجًا حقيقيًّا للبيت النوبي، صممته بنفسي، كنت أؤمن بمقولة حسن فتحي أن كل فرد يدرك كيف يكون البناء مفيدًا له. بعد التهجير نُقلنا هنا إلى بيوت إسمنتية في الصحراء، لكني قاومت وقاوم غيري؛ كل كراسي المنزل من الخوص، أشرب الشاي باللبن الطبيعي وليس البودرة، لدينا قسم للضيوف تفصله ستارة جانبية عن باحة واسعة، يعقبها جزء يخص أهل المنزل. في كل بيت نوبي باب خلفي، إذا ما جاء ضيف مفاجئ ولا طعام في المنزل، يدخل منه الجيران ليعطوا أهل البيت طعامًا ». 

لبيوت قرية «عنيبة» مساحات واسعة، فقد كانت ما قبل التهجير مقرًا لمملكة «الكنوز» ومركزًا لحكم النوبة، وكذلك مركزًا للتجارة بين أسوان والسودان، والسير فيها يستمر يومًا كاملًا لأنها شديدة الاتساع.

قابلته في أحد شوارع «عنيبة». استطعت أن أميز أنه كنزي، «الكنوز» أشد سُمرة من «الفاجيكات». نظر لي بفضول، كان في حركاته يشبه محمد منير، المطرب النوبي الشهير. انتبه إلى أنني لاحظت ذلك فقال لي: «أنا الكينج». لا يدرك الطفل شيئًا عن التهجير، زِيُّه حديث بالكامل، لا يتحدث النوبية.

علاقة النوبيين بمنير، الفاجيكي الأرمنِّي، ملتبسة؛ البعض متيم به بقوة والبعض يعتب عليه أنه لا يتحدث كثيرًا عن التهجير ، لكنه يبقى شديد الأهمية، وفي صوته الجاف المميز شيء يجعلك ترى بيوت النوبة، والألوان الزاهية، والرجال يرقصون بجلاليب بيض، والسيدات يرتدين الجرجار.

غادرتُ الطفل وسرت في شوارع «عنيبة»، كنت أسمع في خيالي أغنية محمد منير «شتا»، الموسيقى بها لمسة إفريقية واضحة، تعلو الأغنية في مُخيَّلتي فأرى رجلًا عجوزًا يغنيها، يجلس إلى جوار بيته على مصطبة من الطوب اللبن، يتفرج على البيوت ويتذكر القرى القديمة، يغني ويغني، يدرك أن النهاية قادمة لا محالة، وأن الأجيال الجديدة لن تدري شيئًا عما كان، سيصير ذكرى.

, ,