فكر فيها

كلنا نُصاب بالمرض النفسي مرة أو أكثر في حياتنا

الصورة: danm

نسرع بإطلاق صفة «مريض نفسي» على أولئك الذين يُبدون تصرفات غير مقبولة في نظرنا، أو نلاحظ اضطرابًا على شخصياتهم، لذا قد نسمي من يغضب لأسباب نظنها تافهة مريضًا نفسيًّا، وكذلك من ينعزل عن البشر لفترات طويلة، بل ربما نطلق الصفة ذاتها على شاب يتلعثم أمام فتاة جميلة، اعتقادًا منَّا بأن كل هؤلاء استثناءات لقاعدة وهمية تقول إن الجميع يتمتعون بصحة نفسية سليمة.

رسخت في أذهاننا فكرة أن من يعانون الاضطرابات النفسية في مجتمعاتنا قلة ينبغي ببساطة تجنبها أو علاجها، أما نحن، الحمد لله الذي عافانا، فصحاح النفس منسجمون مع ذواتنا. ساعد في رواج هذه الفكرة تأكيد بعض الدراسات أن نسبة المضطربين نفسيًّا تصل إلى 1 من بين كل 5 أشخاص في الولايات المتحدة، ممَّا يعني أنهم قلة في النهاية.

لكن الدراسة الحديثة التي عرضها تقرير لعالم النفس «ديفيد ريتو» على موقع «سايكولوجي توداي» ترى أمرًا آخر، إذ يبدو أننا جميعًا مرضى نفسيون، لفترات قصيرة من الوقت على الأقل.

المرض النفسي في حجمه الحقيقي

ماذا استفادت دراسة دونيدن من متابعة أكثر من ألف شخص طول حياتهم؟

بحسب موقع أكاديمية علم النفس، فالمرض النفسي اضطراب وظيفي في الشخصية، ينتج عن خلل أو تلف أو تغير في السلوك الطبيعي، وتتسبب فيه بالأساس تجارب مؤلمة يمر بها الفرد، مثل الصدمات الانفعالية الحادة، وتظهر له أعراض سلوكية وجسدية تؤثر بدورها على السلوك الاجتماعي للفرد كإنسان سوي.

أغلب الناس يصابون بأمراض نفسية مرة أو اثنتين على الأقل في حياتهم.

كشفت دراسة طويلة المدى بعنوان «دراسة دونيدن متعددة التخصصات للصحة والتنمية» أن نسبة 1 إلى 5 السابقة لا تعبِّر عن عدد المرضى النفسيين الحقيقي، بل فقط عن أولئك الذين لم تظهر عليهم أي أعراض للمرض النفسي وقت فحصهم.

لتجنب هذا النقص، أُجريت دراسة دونيدن لمدة 35 عامًا، وتضمنت تجارب واختبارات على أكثر من ألف مواطن نيوزيلندي، وبدأت بينما لا يتجاوزون الثلاث سنوات عُمرًا. كان غرض الدراسة الأساسي اكتشاف العوامل التي أدت إلى نجاح نسبة منهم في قضاء سنوات دون أي عَرَض للاضطراب النفسي، لكن المفاجأة كانت في قلة عدد هؤلاء.

لم تتجاوز نسبة مَن لم تظهر عليهم أعراض الاضطراب النفسي طَوَال مدة الدراسة 17% فقط، في حين ظهرت بعض الأعراض مرة أو اثنتين على فئة أكبر كثيرًا، وتراوحت هذه الأعراض بين الاكتئاب والقلق وتعاطي المخدرات، لكن معظمها كان مؤقتًا، ويعني هذا أن أغلب الناس يصابون بأمراض نفسية مرة أو اثنتين على الأقل في حياتهم.

ظهر أيضًا أن العوامل التي تؤثر في الإصابة بأعراض الاضطراب النفسي ليست مرتبطة بالثروة أو الصحة البدنية أو الذكاء كما كان متوقعًا، بل بسمات شخصية  تتحدد في مرحلة عمرية مبكرة من حياة الإنسان، بالتحديد عندما يكون عمره ثلاث سنوات، ومن بين تلك السمات الذكاء الاجتماعي والتعاطف مع الغير والقدرة على التحكم في رد الفعل، بينما لم يرتبط الاضطراب النفسي بعوامل وراثية.

اقرأ أيضًا: هل تصنع الجينات شخصياتنا أم نشكلها بأنفسنا؟

لماذا نخشى المرض النفسي؟

رجل وحيد
الصورة: Alex Proimos

يكفي وصم شخص بالمرض النفسي للنفور منه، خصوصًا مع عدم قدرة كثيرين على التفريق بين الاضطراب النفسي و«الجنون».

يجب التخلص من الاعتقاد بأن فئة قليلة وشاذة فقط تُصاب بالاضطرابات النفسية.

بعض الناس يخشى من المرض النفسي جانبه الدوائي، المتمثِّل في عقاقير الاكتئاب والقلق، بسبب آثارها الجانبية أو خطورة إدمانها، لذا تُعَدُّ هذه الإحصائيات مخيفة بالنسبة إليهم.

لم تتطرق دراسة دونيدن مباشرةً إلى مسألة علاج الاضطراب النفسي بالعقاقير، لكن الباحث يعتقد أن معظم أعضاء العينة لم يلجؤوا إليها، إذ سُجِّلت حالات إصابة بالاكتئاب والقلق وعولجت على نحو تلقائي ودون تدخل طبي.

اقرأ أيضًا: مرحبًا، أنا باي بولار: حكايات الاضطراب الوجداني ثنائي القطب

يمكن علاج الوصم الاجتماعي للمرضى النفسيين إذا صُحِّحت نظرة المجتمع إلى مرضى الاضطرابات النفسية، وعُدِّلت إلى نظرة أشمل تعترف بالنِّسب الحقيقية للمصابين، والتخلص من الاعتقاد بأن فئة قليلة وشاذة فقط هي التي تُصاب بها.

يحكي ديفيد ريتو أنه نظر حوله في أحد المؤتمرات العلمية ليجد أن عددًا كبيرًا من الحضور يرتدون نظارات طبية، فحمد الله أن هؤلاء لم يصادفوا من يحاول إقناعهم بالتكتُّم على ضعف إبصارهم والحياة دون تدخل طبي، كما يفعل كثير من الناس مع من يعانون اضطرابات نفسية.

, ,