الأقل حظًّا

لا نقتل النساء: حكايات مَن تعرضن للاغتصاب على سبيل الرأفة

الصورة: Julien Harneis

لم تُخفِ ملامح وجهها السمراء ما تملّكها من رعب. وجدت نفسها تعيش سلسلة من الكوابيس المتلاحقة. «ماري»، البالغة من العمر 27 عامًا، وقفت تنظر إلى وحشين في ملابس عسكرية، قتلا، دون ذرة شفقة، طفليها الذكرين، ثم اغتصبا ابنتها، ولم يطل انتظارها حتى حان دورها هي الأخرى.

عرضت مجلة «تايم» الأمريكية تحقيقًا حول جرائم الاغتصاب التي تقع بالتزامن مع الحروب والنزاعات المسلحة في إفريقيا، واستعرضت خطورتها والآثار السلبية الناتجة عنها، سواءً على النساء المغتصبات أنفسهن أو الرضع الذين يولدون نتيجة تلك الجريمة، وأخيرًا على الرجال الذين قد يكونوا ضحايا وجناة في آن واحد.

لا نقتل النساء، نحن نغتصبهن

الصورة: SSgt. Jocelyn A. Guthrie

كانت ماري قد فرت مع عائلتها، في يونيو 2014، من الحرب الدائرة بين قبيلتي «الدينكا» و«النوير»، والأخيرة تنتمي إليها. تتنافس القبيلتان على حكم جنوب السودان، وكانت ماري وعائلتها ضمن عشرات الآلاف الفارين إلى مدينة بانتيو شمالي البلاد، ليسكنوا معسكرًا أعدته الأمم المتحدة لتأمين المدنيين المتضررين من النزاع المسلح.

تتعجب ماري من أن المتمردين اغتصبوها «داخل معسكر تابع للأمم المتحدة».

لم تسلم ماري وعائلتها حتى بعد هروبهم، إذ حضرت ذات يوم مجموعة من الجنود وأخبروها أنهم يعتبرون أبناء قبيلة النوير الموجودين في المعسكر متمردين، وأنهم قتلوا زوجها وابنيها كي لا يكبران ويصبحان مقاتلين.

وضَّح الجنود لماري أنهم لا يقتلون النساء والفتيات، بل يغتصبوهن فقط. قالوها وكأنهم يُسدون إلى النساء خدمة من نوع ما.

رَوت ماري قصتها بعد أن انتقلت للعيش في أوغندا تحت رعاية منظمة أمريكية تسمى «Make Way Partners»، تقدم السكن والرعاية الصحية للأيتام وضحايا الإتجار بالبشر، ولكن ذكرياتها الأليمة لن يمكن محوها من دماغها أبدًا.

بعد أن قتل الجنود زوجها وأطفالها الذكور، انقض على ماري اثنان منهم وأجبراها أن تشاهد ثلاثة جنود آخرين يتناوبون اغتصاب طفلتها «نايلات»، البالغة من العمر 10 سنوات. وبعد أن انتهوا، لم تستطع ماري تمييز ملامح ابنتها من كثرة الدماء التي كانت تغطي جسدها. ماتت الطفلة بعد بضع ساعات، وحان دور ماري ليفعلوا بها ما فعلوه بابنتها قبل قليل، حتى أنها تمنت الموت هي الأخرى.

تعجبت ماري، التي طلبت عدم الإفصاح عن اسمها الثاني، من أن عملية اغتصابها حدثت رغم أنها كانت تحتمي في معسكر تابع للأمم المتحدة.

هؤلاء الجنود، التي لا تعرف حتى إلى أي جيش ينتمون، استطاعوا التسلل من بين ثغرات في سور المعسكر واغتصاب أي أنثى دون التمييز بين أعمارهن، بدايةً من الفتيات الصغيرات وحتى المسنات، فقد كانوا يتبعون قاعدة واحدة: الاغتصاب سيتم بهدوء إن لم يجدوا مقاومة من الضحية، وإلا سينهالون عليها بالضرب.

جريمة مسكوت عنها، لماذا؟

الصورة: John Owens

جرائم الاغتصاب الجماعي خلال فترات الحروب من الظواهر المعروفة منذ قديم الأزل، لكن السكوت عنها حال دون توثيقها في سجلات التاريخ.

ورغم أن الأمم المتحدة قدرت عدد حالات الاغتصاب للنساء والأطفال خلال الصراعات الأخيرة في الكونغو بنحو مئتي ألف، وآلاف الحالات أيضًا في جنوب السودان، فتلك التقديرات لا تزال غير معبرة عن الواقع، ومعظم ضحايا الاغتصاب لا يتحدثون عن الواقعة، وكثير من المجتمعات يعتبر الاغتصاب وصمة عار تلتصق بالضحية.

تحرك المجتمع الدولي على طريق مكافحة الاغتصاب والتعامل معه كجريمة حرب عام 1998، عندما اعتبرته المحكمة الجنائية الدولية «جريمة ضد الإنسانية».

«جيانا موكونينوا» سيدة كونغولية تبلغ من العمر 28 عامًا، ترى أن الاغتصاب سلاح أقوى من الرصاص والقنابل، فعلى الأقل الرصاص والقنابل تقتل وانتهى الأمر، إلا أن المغتصَبة تعيش وسط مجتمعها منبوذة، لا أحد يريدها ولن تلفت نظر رجل، فالاغتصاب ما هو إلا موت لشخص ما زال على قيد الحياة.

تعرضت موكونينوا إلى جريمة اغتصاب بشعة عام 2004، حين هاجمت مجموعة من الجنود قريتها، وراحو يقتلون ويعذبون الرجال، ثم اختطفوا النساء والفتيات، وكانت موكونينوا بينهن.

ربط الجنود أرجل والنساء أيديهن في الأرض، ثم تناوبوا اغتصابهن، وعندما كانت إحدى الضحايا تفقد وعيها، كان الجنود يسكبون دلو مياه فوق رأسها لتظل مستيقظة طيلة فترة الاغتصاب.

تحرك دولي غير كافٍ

الصورة: USAID in Africa

تحرك المجتمع الدولي لأول مرة على طريق مكافحة الاغتصاب والتعامل معه كجريمة حرب عام 1998، حين اعتبرته المحكمة الجنائية الدولية جريمة ضد الإنسانية، وتزامن هذا القرار مع اكتشاف معسكرات للاغتصاب أسسها جنود الجيش الصربي خلال حرب البوسنة، وإدانة مسؤولين من رواندا بالاغتصاب خلال حروب الإبادة الجماعية التي شهدتها البلاد عام 1994. كل ذلك أدى إلى كسر الصمت، على المستوى الدولي، عن الاغتصاب خلال الحروب.

الأضرار الجسدية التي تتعرض لها المرأة المغتصَبة تترك آثارًا تلازمها مدى الحياة، إلا أن الآثار النفسية التي تلحق بها جراء تلك الجريمة هي الأشد قسوة.

كان للجماعات الإرهابية التي ظهرت في السنوات القليلة الماضية أثر واضح في استفزاز مشاعر المجتمع الدولي، ودفعه نحو مزيد من الإجراءات للوقوف في وجه مرتكبي جرائم الاغتصاب. فعلى سبيل المثال، كان تنظيم «داعش» الإرهابي يبيع النساء الأيزيديات كجواري في سوريا والعراق، وخطفت جماعة «بوكو حرام» في نيجيريا المئات من طالبات المدارس وأجبروهن على الزواج، في فعل لا يختلف كثيرًا عن الاغتصاب الصريح.

لم تكن جهود النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان كافية لإيقاف العنف ضد المرأة والاغتصاب خلال الحروب، فجاءت الخطوة الثانية من الأمم المتحدة بإعداد تصنيف لدول العالم في ما يتعلق بمعدلات الاغتصاب وصلاحية البلاد لحياة كريمة للنساء.

احتلت جمهورية الكونغو صدارة التصنيف كعاصمة الاغتصاب في العالم، وأسوأ مكان يمكن للمرأة أن تعيش فيه على كوكب الأرض. وحددت الأمم المتحدة مناطق بعينها هي الأكثر تضررًا من الحروب، يمكن لتركيز الجهود فيها أن يُسهِم في إعادة تأهيل ضحايا الاغتصاب وتحويل ألمهم إلى قوة نافعة.

اغتصاب ثلاثي الأبعاد

الصورة: Wendyfleury

تقول «نيما روكونغو»، الطبيبة في مستشفى بانزي بمدينة بوكافو الكونغولية، إن الأضرار الجسدية التي تتعرض لها المرأة المغتصَبة تترك آثارًا تلازمها مدى الحياة، إلا أن الآثار النفسية التي تلحق بها جراء تلك الجريمة هي الأشد قسوة. وكذلك، الرجل الذي يُجبَر على مشاهدة زوجته أو ابنته وهي تُغتَصَب سيبقى هذا المشهد في ذاكرته إلى الأبد، ويبقى لديه شعور ملازم لا ينتهي بالذنب.

السيدة «موكونينوا» واحدة من أبرز الأمثلة على الدور الذي يلعبه مستشفى بانزي في جمهورية الكونغو.

دخلت موكونينوا المستشفى وبقيت فيه لمدة سبع سنوات، وكانت في البداية مضطرة إلى الإقامة هناك لتلقي العلاج، لكنها استمرت في المستشفى لأنها لم تجد مكانًا لتذهب إليه. وفي عام 2007، زارت الناشطة الحقوقية الأمريكية «إيف إنسلير» مدينة بوكافو للتعاون مع غيرها من النشطاء في مساعدة الناجيات من حوادث الاغتصاب على استعادة حياتهم الطبيعية، وكانت موكونينوا إحدى من تحدثن عن تجربتهن، وأكدت أنها لم تعد بحاجة إلى علاج، بل مكان آمن تحيا فيه مع نظيراتها اللاتي يدعمنها.

بلغ عدد أبناء حوادث الاغتصاب في شرق الكونغو نحو 50 ألفًا خلال 20 عامًا.

في عام 2011، تعاونت إنسلير مع الناشطة «شولر ديشريفر» لتدشين برنامج للناجين من جرائم الاغتصاب، أطلقتا عليه اسم «مدينة السعادة»، وتريان أنه فرصة عظيمة لتمكين المرأة الضحية.

تقول إنسلير إن «مدينة السعادة» ليست ملجأ، بل مركز للتحول، وترى أن العنف الذي تعرضت له المرأة يمكن من خلال عملية العلاج والحب والتعليم أن يتحول إلى طاقة تصنع قائدات ورائدات.

قررت ماري، بعد فترة من إقامتها في معسكر النازحين بجنوب السودان، أن تنتقل للعيش في العاصمة جوبا، لكنها في تلك الأثناء اكتشفت أنها حامل، ولم تعرف بالتحديد أيٌّ من الرجال الست الذين اغتصبوها والد الجنين الذي بدأ يتحرك في أحشائها.

فكرت في التخلص منه قبل الولادة بشتى الطرق، فهي غير مؤهلة لتحمُّل مسؤولية طفل في الوقت الحالي، لكن إحدى صديقاتها نجحت في إقناعها بالاحتفاظ به، وأكدت لها أنها ستحصل على الدعم اللازم لتنشئته.

لا تتعلق مشكلة حالات الحمل غير المرغوب فيه بالأم فقط، بل بطفل ليس له ذنب، فعدد أبناء حوادث الاغتصاب في شرق الكونغو وحده بلغ نحو 50 ألفًا على مدار العقدين الماضيين.

تنص قوانين عديد من الدول الإفريقية والشرق أوسطية على عدم السماح بإصدار رقم قومي للطفل دون أن يكون له اسم أب، ما يعني أن الطفل دون هذا الاسم سيحرم من حقه في التعليم والرعاية الصحية، فضلًا عن أنه سيعاني تفرقة مجتمعية قاسية.

تتخذ قضية الاغتصاب في أثناء الحروب أبعادًا أخرى، مثل ما حدث في حالة السيدة «آياك»، التي تعرضت قريتها في جنوب السودان إلى هجوم من متمردين حين كانت تبلغ من العمر 17  عامًا. اختُطفت آياك وتعرضت للاغتصاب عدة مرات، وكان أحد مغتصبيها مصابًا بفيروس نقص المناعة المكتسب «HIV»، فنقل لها مرض الإيدز،  وما زاد الأمر سوءًا أنها حملت.

ساعدت منظمة «Make Way Partners» آياك على الانتقال إلى أوغندا لتلقي العلاج، وهناك استعادت ذكرياتها، وقالت لكاتب التحقيق، بابتسامة لا تخلو من ألم، إن جنينها الذي تنتظرة سيكون «كل عائلتها»، فالإصابة بالإيدز في جنوب السودان تعني أن تصبح المصابة منبوذة اجتماعيًّا. تريد آياك زوجًا وعائلة، إلا أن أحدًا لن يرضى بالزواج منها بسبب مرضها الذي لا علاج له حتى الآن.

الاغتصاب: مشكلة تبدأ وتنتهي بالرجل

الصورة: MONUSCO Photos

تبرر الجماعات الإرهابية اغتصاب المرأة خلال الحروب بأسباب دينية، لكنها في الحقيقة تؤمن بهيمنة الرجل على المرأة، وللتخلص من تلك الظاهرة لا بد أولًا أن نتخلص من الفكر ذاته.

سلطت حالة «جوديث نيرانيزا» الضوء على نواحٍ أخرى في ما يتعلق بهذه القضية.

جوديث سيدة متزوجة تعرضت للاغتصاب إثر هجوم على قريتها في الكونغو عام 2007، وحدث حمل نتيجة هذا الحادث، فقرر زوجها «فابين مويرا» هجرها، وبعد ضغوط من عائلته عاد إليها، لكنه لم يستطع أن يخفي كرهه للرضيعة التي جاءت إلى الدنيا نتيجة تلك الجريمة، وعندما كانت تطلب منه نقودًا لإطعام الطفلة أو كسوتها، كان يقول لها: «اطلبي من والدها الحقيقي».

خضع فابين مويرا، ضمن 300 رجل، لبرنامج أعدته منظمة أمريكية غير ربحية تسمى «بروموندو»، تخصصت في التركيز على التوعية بقضايا العنف الأسري، وأطلقت على برنامجها التأهيلي اسم «سلام العيش». يستهدف البرنامج أزواج النساء المغتصبات، وتوعيتهم بخطورة ممارسة العنف ضد زوجاتهم أو هجرهن. وعلى مدار 15 أسبوعًا، نجح القائمون على البرنامج في إقناع الرجال بأن الاغتصاب ليس خطأ المرأة.

يقول مويرا لكاتب التحقيق إنه بعد الانخراط في البرنامج شعر بالخزي، فقد كان يعتقد أنه الوحيد الذي اغتُصبت زوجته، لكنه بمجرد أن عاين آخرين يعانون نفس المشكلة بدأ في تفهم أن الحادث لم يكن ذنبها، ثم راح يتقرب من زوجته شيئًا فشيئًا.

يتوقع القائمون على برنامج التوعية هذا أن يستفيد منه نحو تسعة آلاف رجل في نفس حالة مويرا بحلول عام 2019.

الطبيب النفسي «بينويت روراتوتوي» يرى أن مشكلة الاغتصاب خلال الحروب في الكونغو، مثلها مثل باقي أنحاء العالم، تبدأ وتنتهي بالرجل، ويلقي اللوم على الثقافة الذكورية المتأصلة عبر التاريخ، التي قللت من شأن المرأة، فحتى الجماعات الإرهابية التي تبرر اغتصاب المرأة في الحروب بأسباب دينية، هي في الحقيقة تؤمن بهيمنة الرجل على المرأة، وللتخلص من تلك الظاهرة، لا بد أولًا من التخلص من ذلك الفكر.

رغم الدور الحيوي الذي يلعبه التعليم في مكافحة هذا الفكر، إلا أنه وحده ليس كافيًا، بحسب روراتوتوي، بل ينبغي أن يكون هناك تحرك حكومي، وهو ما اتخذت فيه حكومة الكونغو خطوات عملية حين أدانت 135 جنديًّا بالاغتصاب منذ نهاية الحرب.

سجلت الحكومة انخفاض حالات الاغتصابات من 15 ألفًا في عام 2013 إلى 10 آلاف حالة بحلول 2014. وعلى الرغم من انخفاض العدد، فإنه لا يزال مرتفعًا، فتلك القضايا تستغرق عادةً أكثر من 10 سنوات للبت فيها.

جاء القول الفصل على لسان «زينب بانغورا»، المبعوث الخاص للأمم المتحدة، والمختصة بقضايا العنف الجنسي في مناطق الصراعات، التي تؤكد أن الاغتصاب خلال الحروب ليس مصيرًا نهائيًّا، بل إنه انعكاس لوضع تبعية المرأة في المجتمعات، وستتوقف تلك الجريمة فقط حين تتحسن أوضاعها، وحين يوصمُ بالعار مرتكبوها لا ضحاياها.