الملعب

المتعة المدهوسة تحت أقدامهم: دوافع السويد وإنجلترا للخسارة

التصميم: منشور

الآن، الثانية بعد منتصف الليل، وحدي، مع قدر ضئيل من الشاي في قعر الكوب، وقدر أكثر ضآلة من الكيف في رأسي، وكثير من الكسل والملل: كسلٌ طاغٍ يفرض وجوده على تفاصيل المكان حولي فلا أقدر حتى على المشي للمطبخ لإعداد كوب شاي جديد، ومللٌ طاغٍ يفرض وجوده على تفاصيلي الشخصية فلا أقدر حتى على إسكات الكسل.

يتداخل الشعوران فتفر الأفكار بحلوها وسيئها من رأسي، ثم يدخل الصداع دخلةً أسطوريةً صاخبةً مصحوبةً بطبول ومؤثرات صوتية تُغشي عينيَّ، ساحبًا خلفه الشيء الوحيد الذي يمنعني من النوم: عليَّ أن أكتب عن دوافع السويد وإنجلترا لتجاوز ربع نهائي كأس العالم.

لم تصل إنجلترا إلى النهائي قبل 1966، ولم تفعلها بعدها، فلماذا يصل هذا الجيل بالذات؟ السويد ليست حصانًا أسود حقيقيًّا، ولا يزال اللاعبون والمدرب يحاولون التخلص من إرث زلاتان إبراهيموفيتش، فهل هذا دافع كافٍ للفوز بالكأس؟

في المرة الوحيدة التي وصلت فيها إنجلترا للنهائي، تقدمت ألمانيا الغربية بعد 12 دقيقة فقط، لكن كرة هورست المثيرة للجدل أعادت الإنجليز إلى المباراة، وأهَّلتهم للتفوق في النهاية بأربعة أهداف مقابل اثنين بعد شوطين إضافيين. شاهد الأهداف الستة هنا

***

كأس العالم من دونه لا يساوي شيئًا ربما، إلا أن زلاتان لم يصل بالفريق إلى 2010 و2014، واعتزل منتخب بلاده في 2016 فخسر فرصة المشاركة في 2018.

لكنه قبل أن يرحل كان قد تأكد من أن تتذكره السويد إلى الأبد: أحد أفعال اللغة السويدية اشتُقَّ من اسمه، «زلاتانيرا/Zlatanera»، بمعنى الهيمنة. حين تهيمن أو تسيطر أو تفرض وضعك، فأنت بالسويدية «تُزَلتِن». الرجل صار عَلَمًا، وربما لم يكن يبالغ في الغرور حين قال إنه وضع اسم بلاده على الخريطة.

ماذا نفعل دون زلاتان؟ هل هكذا فكر لاعبو السويد، أم أنهم فكروا: هيا نفعل شيئًا من غير زلاتان؟

في الحالتين، لا يزال إبراهيموفيتش موجودًا مع منتخب السويد. ربما ليس هناك جسدًا، لكنه موجود في غرف الملابس وأماكن إقامة اللاعبين، ينتظرهم قبل كل مباراة في الممر المُفضي إلى الملعب: بعضهم يراه مبتسمًا مشجعًا، يخبطه على كتفه ويبتسم، وبعضهم بالتأكيد يراه عابسًا، يرتكز إلى الحائط على قدم والأخرى خلفها ويعقد يديه، يراه الرائي فيظنه مشجعًا متعصبًا للفريق الآخر. إنه هناك، وربما لا يغادر حتى تفوز السويد بكأس العالم.

لكنها لن تفعل.

***

فيل جونز، غاري كاهيل، جوردان هندرسون، ستيرلنغ، داني ويلبك. 5 أسماء فقط من 23 في تشكيلة إنجلترا كانت موجودة في البرازيل 2014، وشهدت الخروج الحزين من دور المجموعات بنقطة وحيدة. 80% من اللاعبين يجربون مستويات كأس العالم للمرة الأولى. أين نحن من جيل شيرار وبيكهام وجيرارد ولمبارد وأوين وسكولز؟ لحظة: هذا الجيل لم يتجاوز دور الثمانية أصلًا. هل نحن من اخترع كرة القدم؟ أنحن أحفاد مؤسسي اللعبة حقًّا؟

ربما يبني الإنجليز فريقًا جديدًا، هو الثالث في ترتيب أقل معدلات أعمار كأس العالم 2018، لكن هذا يبدو فريقًا لكأس العالم 2022 بإذن الله يعني، بأسماء لاعبيه وأعمارهم وأنديتهم ومديرهم الفني حتى.

ليس هنا، وليس الآن.

***

الآن، الثالثة بعد منتصف الليل، وحدي دون مكيفات، والكسل يمد أطرافه إلى ثنايا قليلة في الغرفة لم يكن قد وصلها بعد، والملل يسرِّب جزيئاته من فتحات الكهرباء إلى الحيطان ويكاد يبلغ جيرانًا أعلم أنهم مثلي لا يهتمون بمباراة السويد وإنجلترا، أتأكد من أن الفريقين لا يستحقان الكتابة عنهما.

بعد لحظات، وعقرب الدقائق يُتم الدقيقة الأولى بعد الساعة الثالثة، يغمرني الشعور بأن إنجلترا والسويد لا يستحقان الفوز أصلًا بكأس العالم.

***

لم يقدم لنا الفريقان مباريات ممتعة في دور الستة عشر، وسمعت أحدهم يقترح أنه ربما لو ألبسوا لاعبي السويد وسويسرا أردية موحدة اللون، الرمادي تحديدًا، سيكون مُعبرًا عن سَير المباراة بشكل أوقع. أما إنجلترا وكولومبيا فلم يكن العاملون في الصحافة الرياضية ليجدوا ما يكتبون عنها لولا 6 تصديات لركلات جزاء وترجيح. في المجموعات سجلت السويد أرقامًا قياسية سلبية في الاستحواذ على الكرة، وفاز الإنجليز على تونس وبنما فقط.

ماذا تتوقع؟ نهائي مبكر؟ مفيش. هذه نسخة حلوة من كأس العالم لا جدال، لكن مباريات أطرافها سويسرا والسويد وكولومبيا وإنجلترا لن تعطيكَ الحلاوة إياها التي تذوقتها مع فرنسا والأرجنتين وكرواتيا وبلجيكا مثلًا.

يشترك الفريقان في الأداء السيئ، لكنهما يتفقان في أمور أخرى كذلك: أشهر مدرب لمنتخب السويد إنجليزي (جورج راينور)، وأشهر مدربي الإنجليز سويدي (سفين يوران إريكسون). عدد مرات وصولهما لكأس العالم متقارب (12 السويد، 15 إنجلترا). مشوارهما يتخلله وصول إلى النهائي ونصف النهائي وربع النهائي، عدا مرة وحيدة فاز فيها الإنجليز بالكأس، على أرضهم، وبالاستعانة بهدف تعادل لا يزال الجميع يشككون في صحته بعد أكثر من 50 عامًا.

في الدقيقة 12 من مباراة النهائي عام 1966، صمت ملعب ويمبلي فجأة. أحرزت ألمانيا هدفًا مبكرًا. عقب ست دقائق فقط سدد «جيف هيرست» كرة ارتطمت بالعارضة ثم الأرض وبعدها عادت إلى الملعب، ومجددًا عمَّ الصخب ويمبلي: صخب اعتراض الألمان، وصخب احتفال الإنجليز. حكم الراية أكد أن الكرة تجاوزت خط المرمى، واحتسب الحكم هدفًا أعاد إنجلترا إلى المباراة سريعًا.

***

الآن، وأذان الفجر يملأ الهواء في الخارج، والأصوات تختلط فلا أستبين هل هي «أكبر» أم «خيرٌ من النوم»، أقول الفريقان أصغر، والنوم خيرٌ من مباراة السويد وإنجلترا. تُصبحون على مباراة أفضل.

, , ,