وجدنا عليه آباءنا

جمع القرآن في روايتي السنة والشيعة

الصورة: Mostafameraji

من أهم حوادث التاريخ الإسلامي التي وقعت في خلافة أبي بكر الصديق، جمع القرآن. وعلى الرغم من الأهمية الكبرى التي تشغلها تلك المسألة في تاريخ الإسلام، فإن هناك خلافًا حادًّا في تفصيل أحداثها بين السرديتين التاريخيتين: السنية والشيعية.

الروايات السنية المتواترة تؤكد أن الخليفة الأول أقدم على جمع القرآن بمشورة من عمر بن الخطاب، وذلك بعد مقتل كثير من حفظة القرآن في حروب الردة عمومًا، وموقعة «اليمامة» على وجه الخصوص. أما الرواية الشيعية فتروي قصة مختلفة. ما هذه القصة بالضبط؟ وكيف يمكن الحكم بين الروايتين بصدق تاريخي؟

استشهاد الحُفَّاظ أم خلاف على الحكم؟

الصورة: Mustafa Bader

ينقل البخاري في صحيحه الرواية التي تتناول مسألة جمع القرآن في عهد أبي بكر. يقول إن «زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وكان ممن يكتب الوحي، قال: أُرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو واللهِ خير. فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري».

تتعامل الرواية الشيعية مع جمع القرآن على أنه كان جهدًا خالصًا من علي بن أبي طالب.

وردت تلك الرواية في كثير من كتب الحديث والتاريخ السنية الأخرى، ومنها على سبيل المثال، مسند أحمد بن حنبل وسنن الترمذي و«السنن الكبرى» للنسائي، وبلغت درجة كبيرة من درجات التواتر والذيوع بين المسلمين.

لكن إذا ما انتقلنا إلى المصادر الشيعية، وجدنا أن هناك سياقًا روائيًّا يختلف تمامًا عن السياق السني الذي تطرق لعملية جمع القرآن.

تورد المصادر الشيعية، ومنها كتاب سليم بن قيس الهلالي و«تاريخ اليعقوبي» و«الاحتجاج» للطبرسي و«بحار الأنوار» لمحمد باقر المجلسي، أن علي بن أبي طالب لما اختلف مع الصحابة حول مسألة الخلافة والحكم، ولما «رأى غدرهم وقلة وفائهم له، لزم بيته وأقبل على الصحف والشظاظ والأيسار والرقاع، فلما جمعه كله وكتبه بيده على تنزيله وتأويله والناسخ منه والمنسوخ، بعث إليه أبو بكر أن اخرج فبايع، فبعث إليه علي: إني مشغول وقد آليت على نفسي يمينًا أن لا أرتدي رداء إلا للصلاة حتى أؤلف القرآن وأجمعه».

فسكتوا عنه أيامًا، فجمعه في ثوب واحد وختمه، ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في المسجد، فنادى علي بأعلى صوته: «يا أيها الناس، إني لم أزل منذ قُبض رسول الله مشغولًا بغسله، ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب الواحد، فلم يُنزل الله تعالى على رسول الله آية إلا وقد جمعتها، وليست منه آية إلا وقد جمعتها، وليست منه آية إلا وقد أقرأنيها رسول الله وعلمني تأويلها».

ثم قال لهم علي: «لئلا تقولوا غدًا إنا كنا عن هذا غافلين. لئلا تقولوا يوم القيامة إني لم أدعكم إلى نصرتي، ولم أُذكركم حقي، ولم أدعكم إلى كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته»، فقال عمر: «ما أغنانا ما معنا من القرآن عما تدعونا إليه». ثم دخل علي بيته.

هناك رواية شيعية أخرى يذكرها المجلسي في «بحار الأنوار»، تقدم لنا صورة مختلفة بعض الشيء عن الصورة السابقة، إذ تقول إن «علي جمع القرآن، وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم كما قد أوصاه بذلك رسول الله، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علي اردده، فلا حاجة لنا فيه. فأخذه علي وانصرف. ثم أحضروا زيد بن ثابت، وكان قاريًا للقرآن، فقال له عمر: إن عليًّا جاءنا بالقرآن، وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك».

الرواية السنية: حفظ القرآن من النسيان

الصورة: Bakhtiar Samadi

تُظهر الروايات السنية تخوُّف أبو بكر من جمع القرآن، لأنه أمر لم يحدث في عهد الرسول.

إذا ما حاولنا تحليل النسقين الروائيين السني والشيعي، وجدنا عددًا من الملاحظات التي تستدعي الاهتمام والتمعن.

النسق السني ظاهره لم يَذكر على الإطلاق أي دور لعلي بن أبي طالب في ما يخص مسألة جمع القرآن، فهو لم يُستدع للمشورة، ولم يُكلف بالعمل في جمع الآيات والسور. بينما السبب والمبرر الذي تستدعيه الرواية لعملية الجمع هو مقتل كثير من القراء في حروب الردة، وهو مبرر تاريخي دنيوي تغلُب عليه صفة الاجتهاد.

أما توقيت عملية الجمع، فرغم عدم استطاعتنا تحديد ميعاد دقيق وتاريخ مؤكد لهذه العملية، فإن الرواية ربطتها بموقعة اليمامة، التي يذكر ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» أنها وقعت في آخر العام الحادي عشر من الهجرة، ما يعني أنه من المرجح أن جمع القرآن حدث في الشهور الأولى من العام الثاني عشر من الهجرة.

من الملاحظات المهمة أيضًا، أن الرواية أظهرت تخوف أبي بكر من جمع القرآن لأنه لم يحدث في عهد الرسول. معنى ذلك أن قرار الجمع اتُّخِذَ بمسؤولية كاملة من جانب الخليفة الأول ومستشاره عمر بن الخطاب، وأن أحدهما لم يدَّعِ أنه ينفذ رغبة الرسول أو أمره.

أما الملاحظة الأخيرة على السياق الروائي السني فتتمثل في أن الطريقة التي تمت بها العملية كانت مرتبطة بمشاركة من عموم المسلمين، إذ اعتمد زيد بن ثابت على جمع الآيات من جميع الحُفَّاظ، وكان شرطًا عدم تدوين أي آية إلا بعد أن تؤخذ من جانب اثنين من الصحابة، فيشهدان على نزولها وأنها من القرآن.

الرواية الشيعية: جهد علي المنفرد

الصورة: Sonia Sevilla

في الجهة المقابلة، يعطي السياق الروائي لجمع القرآن صورة مخالفة بشكل كامل، ليس لمجرد اختلاف مَن أجرى عملية الجمع، بل أيضًا للاختلاف في سبب الجمع وطريقته.

تؤكد الرواية الشيعية أن علي بن أبي طالب كان المسؤول الأول والوحيد عن عملية جمع القرآن. لذلك، فإن طريقة الجمع لم تشهد أي نوع من المشاركة من جانب أيٍّ من المسلمين، فلم تذكر الرواية أن عليًّا سأل أحدهم عن أي آية من الآيات في أثناء عملية الجمع، بل إنه نفذ الأمر منفردًا. وتذكر الرواية السبب في ذلك، وهو قول علي: «وليست منه (القرآن) آية إلا وقد أقرأنيها رسول الله وعلمني تأويلها».

تتوافق تلك الرؤية مع الاعتقاد الشيعي الإمامي، الذي جرى ترسيمه وتقعيده لاحقًا، ويرى عصمة الإمام وحُجِّيته المطلقة، واستغناءه عن رأي عموم المسلمين وإجماعهم.

الملاحظة الثانية أن السبب الذي تذكره الرواية لعملية الجمع إلهي غَيبي، لا يرتبط بالواقع التاريخ، فهو ليس مجرد اجتهاد قابل للصواب والخطأ مثل الرواية السنية. جرت عملية الجمع، بحسب الروايات الشيعية، بناءً على تعليمات وتوصيات مباشرة من الرسول إلى ابن عمه ووصيه وخليفته الشرعي.

يُفهَم من الرواية أن عملية الجمع وقعت في الأيام القليلة الأولى من خلافة أبي بكر، وربما كان ذلك في اليوم الثالث أو الرابع تحديدًا من وفاة الرسول، لأن الرواية تصرح بأن عليًّا انشغل بعملية الجمع منذ الوفاة، ولم يخرج من بيته حتى انتهى تمامًا.

توجد إشكالية كبيرة في ذلك التوقيت، ذلك أن الروايات الشيعية الأخرى التي تناولت كيفية مبايعة علي لأبي بكر أكدت أن عليًّا خرج ليلًا على مدار ثلاث ليال متواصلة منذ وفاة الرسول، في سبيل دعوة المسلمين إلى نصرته وتأييده.

الظاهر من الرواية الشيعية أن عملية الجمع تمت قبل مبايعة علي لأبي بكر. كيف إذًا يمكن التوفيق بين خروج علي لطلب المساعدة والعون، وتأكيد أنه لم يخرج مطلقًا من بيته حتى جمع القرآن؟

لا سبيل للتوفيق بين الروايتين. ورغم أنهما تنتميان إلى السياق الروائي الشيعي التقليدي، الذي يحرص على إظهار مظلومية علي بن أبي طالب وتبيان حقه المغصوب، فإن تلك الخلافات المتعددة في التوقيتات الزمنية في وقوع الأحداث تثبت أن كثيرًا من تلك الروايات جرى تدوينها في مرحلة زمنية متأخرة عن وقوع الحدث، وأن الهدف منها كان التأكيد والتركيز على الموضوع حق علي في الخلافة، حتى لو جرى إغفال البُعد التاريخي (ترتيب الأحداث زمنيًّا وتنظيمها).

ربما كانت رواية المجلسي، التي تكلمت عن عرض علي للقرآن على أبي بكر وعمر ورفضهما له، قد التفتت إلى تلك النقطة تحديدًا، وعرفت الإشكالية المرتبطة بترتيب الأحداث داخل السياق الروائي الشيعي. لذلك نجدها قد حاولت أن تدمج بين الروايتين الشيعية والسنية، فلم تذكر أن القوم طالبوا عليًّا بمبايعة أبي بكر، وبذلك تخلصت من تقييد زمن وقوع الرواية في الأيام الأولى بعد وفاة الرسول، وجعلت جمع القرآن وفق النسق الروائي السني ما هو إلا نتيجة لجمع علي القرآن ورد فعل عليه، فأعطت بذلك أرضية تاريخية لعملية الجمع بحسب ما جاء في الروايات الشيعية.

مسألة جمع القرآن في الروايات الشيعية تماهت وتداخلت بشكل قوي مع مسألة الخلاف والصراع على السلطة والحكم، ويظهر ذلك بشكل واضح في رواية شيعية أخرى يوردها سليم بن قيس في كتابه، جاء فيها قول علي بعدما عرض القرآن على المسلمين: «لئلا تقولوا يوم القيامة أني لم أدعكم إلى نصرتي، ولم أُذكركم حقي».

تشدد الرواية الشيعية على الوراثة الروحية لعلم النبي من ناحية علي بن أبي طالب، الذي يلجأ وحده إلى جمع القرآن من ذاكرته. وتبدو الرواية محاولةً لاستدعاء أصداء مشكلة الخلافة وإدماجها وتوثيقها وربطها بمسألة القرآن وجمعه. فلما كانت الإمامة والخلافة أمرًا وتعيينًا إلهيًّا لا رأي للناس فيه، فقد ربطها الراوي بكلام الله المقدس المحفوظ الذي لا سبيل إلى تغييره أو تبديله.