الأقل حظًّا

المرأة السعودية في عصر الإنترنت: حاضرة رقميًّا.. غائبة جسديًّا

الصورة: Jordan Pix

تمكنت المرأة السعودية من اقتحام عالم الإنترنت، لكن وجودها المتنامي في هذا المجال الافتراضي خلق لديها شعورًا وهميًّا بالحرية، بحسب الدكتور عبد الرحمن الليلي، الأستاذ المساعد في جامعة الملك فيصل وعضو كلية وولفسون بجامعة أوكسفورد، الذي عرض رأيه في مقال كتبه لموقع «يور ميدل إيست».

يرى الليلي أن التكنولوجيا الرقمية كسرت حاجز الفصل بين الجنسين في المجتمع السعودي، فأصبح هناك انفصال مادي واتصال رقمي.

الفصل بين الجنسين في السعودية

تشرف هيئة الأمر بالمعروف على تطبيق الفصل بين الجنسين في الأماكن العامة

لا يُسمح بالتقاء الرجال والنساء من غير الأقارب في أي مكان، فالصداقة والزمالة محظورتان نسبيًّا.

يقسِّم الليلي البنية الاجتماعية السعودية إلى نوعين، الأول هو «البنية الهيكلية الصغيرة» التي تشمل الجامعات والمدارس وحفلات الزفاف وأماكن العمل، وكلها مفصولة إلى أماكن للرجال وأخرى للنساء، ولا يتمكن أي شخص من دخول قسم الجنس الآخر، إذ عادةً ما تشير لافتة على المدخل بوضوح إلى «قسم الرجال» أو «قسم النساء».

في العادة، تكون أقسام النساء خاصة ومعزولة ومحاطة بجدران إسمنتية سميكة دون فتحات، ممَّا يمنع الرجال من الرؤية أو الدخول، ويُنفَّذ هذا الفصل بعناية كي لا يسمح لأي أفراد الجنسين بدخول الأماكن الخاصة بالجنس الآخر في المدارس والجامعات، حتى لو كانوا أقارب أو أرباب عمل أو موظفين.

لا يسمح الفصل في الأماكن بالتقاء الرجال والنساء الذين لا تربطهم صلة قرابة بشكل فردي أو جماعي، فالصداقة والزمالة بين الجنسين محظورة نسبيًّا بحسب الليلي، أما الزيارات والأنشطة الاجتماعية بين الأصدقاء فتكون منفصلة، إذ تنشئ الزوجات صداقات بمفردهن، وكذلك الأزواج بمفردهم.

قد يهمك أيضًا: أين يبحث السعوديون عن الحب؟

درس عديد من الباحثين التغير الذي أحدثته التكنولوجيا في الثقافة السعودية بتجاوز حواجز الفصل على مستوى البنية الهيكلية الصغيرة، أما ما لم يتم التحري عنه في رأي الليلي فهو النوع الثاني من الفصل وفقًا للجنس، الذي يتناوله في مقاله.

نطاق منزلي ونطاق عام

نساء سعوديات يرتدين الحجاب والنقاب ويتمشين في مركز تجاري
الصورة: Tribes of the World

لا يوجد اهتمام بالرياضة والأنشطة الجسدية للنساء لأنه تعليم يرتبط بالنطاق العام.

يتمثل النوع الثاني من الفصل في «البنية الهيكلية الكبيرة»، التي تنقسم إلى نطاق منزلي (داخل المنزل) ونطاق عام (خارج المنزل). وتُعد المرأة مسؤولة عن المجال الأول وتنتمي إليه، أما الرجال فمسؤولون عن كل ما يتعلق بالمجال الثاني.

هذا الفصل واسع الانتشار بحسب الليلي، فعندما تخرج المرأة من منزلها ترتدي العباءة السوداء كمؤشر إلى أنها لا يُفترض بها الوجود في هذا المكان، وينبغي أن يرافقها أحد أقربائها الرجال عند خروجها من المنزل إلى مكان عام. وإذا التقى قريبها هذا صديقًا له مصادفةً في الطريق، فإن الرجلان لا يتحدثان ولا ينظر أحدهما إلى الآخر لوجود قريبة أحدهما برفقته.

يرى الليلي أن قانون النطاق المنزلي ينسحب على المدارس كذلك، حيث تتعلم الفتيات الأمور الخاصة بالأنشطة المنزلية، مثل مادة «الاقتصاد المنزلي»، التي لا يتعلمها الأولاد لأنها علم لا يناسب النطاق العام الذي يمارس فيه الذكور مهامهم، حسب عرف المجتمع.

تنتمي المنشآت الرياضية مثلًا إلى النطاق العام، ولذا فإنها مقصورة على الذكور، ولا يوجد اهتمام بالرياضة والأنشطة الجسدية للنساء لأنه تعليم يرتبط بالنطاق العام.

قيادة السيارة وتشييع الجنائز وزيارة القبور حكر على الرجل لأنها تتم في الأماكن العامة.

إذا نظرنا إلى هندسة النطاق المنزلي (البيت) سنجده منفصلًا ومعزولًا عن النطاق العام، لأن كل منزل يحيط به وبفنائه وحديقته سور عالٍ، ويشير الليلي إلى خصوصية وسرية معلومات الاتصال الخاصة بأفراد المنزل، التي تؤدي إلى وضع النساء أرقام هواتف أقربائهن الذكور عند تعبئة البيانات أو الطلبات الرسمية.

عادةً لا يعرف الرجل أسماء صديقات زوجته أو قريباتها لأن ذلك يُعد أمرًا خاصًّا، وتعتبر تربية الأطفال مهمة تخص المرأة لأنها خاصة بالمنزل، أما إيصال الأطفال من المنزل وإليه فهي مسؤولية الرجل لأن الأمر يتطلب الخروج إلى الأماكن العامة، بحسب الليلي.

كذلك، رغم أن طهو الطعام وترتيب المنزل من المهام المنوطة بالمرأة لأنها ضمن حدود البيت، يُعد شراء احتياجات المنزل من بقالة وخضراوات ضمن مهام الرجل لأنها تجري في الأماكن العامة. وتنطبق القاعدة نفسها على قيادة السيارة، وأداء الصلاة في المساجد، وتشييع الجنائز وزيارة القبور، وكلها حكر على الذكور لأنها تتم في الأماكن العامة.

اقرأ أيضًا: تاريخ نضال المرأة السعودية لقيادة السيارة ينتهي إلى «الغضب الصامت»

ثورة الإنترنت

نساء سعوديات يصورن بهواتف محمولة
الصورة: Tribes of the World

قد لا تتمكن النساء السعوديات من ردم الهوة بين الحرية التي تمنحها التقنية وتلك التي تتحقق في الواقع.

تكونت البنية النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع السعودي في رأي الليلي بناءً على عدم الاختلاط بين الجنسين، ورغم هذا التقسيم القائم بين النطاقين المنزلي والعام، فإن التقنيات الرقمية مكَّنت السعوديات من دخول المجال العام من منازلهن، ممَّا جعلهن في حالة غياب مادي وحضور رقمي،  ويشير الليلي إلى أن أحد الاستبيانات وُزع عشوائيًّا عبر الإنترنت، فشارك فيه 727 شخصًا نصفهم من النساء.

يعتقد الليلي أن هذه الدراسة تبيِّن إسهام التقنيات الحديثة في إنشاء قناة تواصل افتراضي بين النطاقين المنزلي والعام، ممَّا أتاح للنساء الوصول إلى الحوار العام عبر الإنترنت، وأصبح لدى الجنسين شعور بأنهما على قدم المساواة في المشاركة في الحوار العام.

لكن الليلي يلفت انتباهنا إلى أن النساء يشاركن في الحوار العام من داخل منازلهن كذلك، وقد تبدو هذه المشاركة نوعًا من الحرية لكنها حرية مزيفة، فبإمكانهن نظريًّا خوض حوار والتحدث والشعور بذواتهن فقط في العالم الرقمي، لكن ذلك قد لا يعكس حقيقة شخصياتهن في الواقع، وقد لا تكون تلك الحرية هي مطلبهن، وبذلك قد لا يكون صحيحًا أن ما تجلبه التقنية لنا بشكل فردي هو إمكانية اكتشاف ذواتنا، فالتكنولوجيا قد تخدع الأفراد بحيث يظن المرء نفسه شخصًا آخر.

قد لا تتمكن هاته النسوة، في رأي الليلي، من ردم الهوة بين الحرية التي تمنحها التقنية وتلك التي تتحقق في الواقع، فعندما يعيش المرء الحرية في العالم الافتراضي فقط، فإنها تعني له شيئًا وهميًّا أو حُلمًا لا يمكن تحقيقه، وهكذا تعاضدت التقنية وثقافة المجتمع لإرساء مفهوم مشوَّه عن الحرية والهوية وتحقيق مزيد من القمع للإنسان.

حرية زائفة؟

نساء منتقبات
الصورة: Marcello Casal Jr/ABr

التسامح مع استخدام النساء للإنترنت تكنيك لإذاقتهن «طعم» الحرية، في حين لا يُسمح لهن بنيل الحرية الحقيقية.

رغم أن الأمر يبدو كما لو أن في استخدام المرأة السعودية للإنترنت تعبيرًا عن اكتسابها مستوًى معينًا من الحرية، وأن حوارها مع العالم الخارجي سيمكنها من تحطيم جدران العزلة افتراضيًّا ويجعلها قادرة على إيجاد هوية خاصة بها، وأن التكنولوجيا ستأتي بالتالي بتغيرات اجتماعية جوهرية لو تمت بهذا الشكل، فإن حقيقة الأمر ليست كظاهره في رأي الليلي.

يرى الكاتب أن السماح للنساء السعوديات باستخدام الإنترنت أشبه بإعطائهن حرية مزيفة تهدف إلى الحد من الأنشطة المستقبلية لهن خوفًا من تغير اجتماعي جوهري.

يظهر أن هذا التسامح مع الإنترنت ليس إلا تكنيكًا لإذاقة النساء «طعم» الحرية، في حين لا يسمح لهن بنيل الحرية الحقيقية، فهن يشاهدن الحرية عبر الإنترنت دون القدرة على الوصول إليها فعليًّا، أو يعتقدن بأنهن حصلن على الحرية، لكن الواقع أن تلك الحرية الافتراضية هي الوحيدة المتاحة لهن.

من الممكن بالتأكيد استخدام التقنية للتعبير بحرية، لكنها قد تكون وسيلة قمع أيضًا بحسب الليلي، وفي حالة السعودية تلعب التكنولوجيا دورًا في عزل النساء وقمعهن أكثر، لأنها تعمل على إبقائهن في المكان الذي يظن المجتمع أنه أنسب لهن، وتؤمِّن وصولهن إلى الحوار العام رقميًّا فقط.

هكذا تسير التقنية والثقافة جنبًا إلى جنب للتحكم في الإنسان، ورغم أن الحوار السعودي العام لم يعد حكرًا على الرجال مع انضمام النساء افتراضيًّا إليه، فليس للعضوات الجديدات تأثير يمكن أن يؤدي إلى تغييرات سياسية مهمة أو إصلاحات تعمل على هدم الجدار الفاصل بين النطاقين العام والمنزلي، بحسب الكاتب.

قد يعجبك أيضًا: كيف تحيا المرأة السعودية تحت ولاية الرجل؟

وسيلة للترفيه لا للنقاش

تطبيق سنابشات على هاتف آيفون
الصورة: Perzonseo Webbyra

لم يمكِّن الإنترنت وحده النساء السعوديات من الوصول الافتراضي إلى الحوار العام، فهناك تقنيات أخرى يذكرها الليلي، مثل الصحف والراديو والتليفزيون والهاتف، لكن التقنيات السابقة لم تُسهم في تغيرات اجتماعية كبرى، وربما يعود هذا إلى طريقة رؤية المرأة السعودية لهذه التقنيات، فقد نظرت إليها كوسائل ترفيه تعمل على جعل مهامها المنزلية أكثر إمتاعًا أو «تقتل الوقت»،  نظرًا لمحدودية الأنشطة الاجتماعية ضمن المجال المنزلي.

لم ترَ النساء السعوديات في هذه التقنيات وسائلَ لأي إصلاح اجتماعي، فالمفهوم السائد لديهن في رأي الليلي أنها أدوات للراحة لا للتغيير، ويجعلهن استخدام هذا الفضاء الافتراضي أكثر رضًا عن أنفسهن، وربما لا تريد النساء في السعودية أن تسبب اضطرابات سياسية.

تستخدم المرأة السعودية الإنترنت لتنقل العقلية السائدة في النطاق المنزلي إلى الفضاء الافتراضي ليس أكثر.

يلاحظ الكاتب أن النساء السعوديات لا ينشرن عادةً رسائل تتعلق بتغيير اجتماعي جوهري يحلمن به، بل يكررن ما هو متوقع منهن بحسب العقلية والتضييق الذي نشأن عليه، وعندما ينشرن عبر الإنترنت فهن لا يتحدثن عن الجدران التي يُحتجزن خلفها، وإنما يُكرِّسن الثقافة الحالية.

ربما تفعل النساء ذلك خشية أن تكون هذه الأدوات التكنولوجية مراقبة من السلطات أو من أفراد العائلة، والتحدي الأكبر أنه حتى لو كُنَّ يشعرن بالحرية على الإنترنت، فإن المرأة السعودية لم تنشأ مع ذلك لتكون واثقة وتمتلك التفكير النقدي الذي يتساءل عن سبب هذه الممارسات الثقافية في رأي الليلي، لذا يقتصر نشاطها عبر الإنترنت على تبادل الرسائل المملة والمعلومات العادية المكررة، وترويج أفكار سياسية موجودة بالفعل ودعم القضايا الثقافية التقليدية.

قد ترضى المرأة السعودية بواقع يشبه الحرية، لكنها لا ترى أن الإنترنت يقدم لها مجالًا أوسع للعمل على تحقيق حرية واقعية، وربما يؤدي انغماسها في العالم الافتراضي إلى ازدياد ارتفاع الجدار الذي يفصلها عن العالم الواقعي، لتعتاد بمرور الوقت أن الواقع الافتراضي بديل عن الحضور في العالم الحقيقي، وتقبله أمرًا مسلَّمًا دون بحث عن مخرج.

يرى الليلي أن المرأة السعودية في استخدامها للإنترنت تنقل العقلية السائدة في النطاق المنزلي إلى الفضاء الافتراضي ليس أكثر، وتؤمن أن الحرية شيء يتعلق بالسياسة، وبالتالي يخص الرجل وحده.

, ,