وجدنا عليه آباءنا

أن تكون مراهقًا: حكاية طفل وجد نفسه في معسكر

الصورة: Getty/Jasmin Merdan

ماذا يعني لك أن تكون مراهقًا؟ النمو الجسدي، النضوج الجنسي، تلك الخيالات اللذيذة والمشوقة، الانفعالات المفاجئة والتقلبات السريعة. لا، لم تكن المراهقة بهذا المعنى لديَّ، لم تكن مجرد تغير بيولوجي-سيكولوجي، بل كان الأمر أكبر من تلك الترهات واللذات الجديدة، كان سلسلة من السياسات الاجتماعية والاحباطات وتَزَعزُع العلاقات الوثيقة، وتحول جوهرها إلى الجنس.

لقد كان الأمر محبطًا ومثيرًا للهلع.

لم يُثِر هلعي وإحباطي وحيرتي شيء سوى الواقع الاجتماعي الصارم. قد تراها تمردات مراهق يريد لفت الانتباه، لكن ربما لم تلحظ الواقع بعد. الواقع الذي شهدته كان أشبه بالكعك المقطع بصرامة، كل قطعة يجب أن تكون مُجَنسنة يحرسها المجتمع بسياسات تضييق وإرهاب أهلي: الإذعان أو النفي، تلك كانت القاعدة. لا يوجد رفض ولا تكاسل. نحن في معسكر المجتمع، وأنت الجندي الذي تتلقى الأوامر، وكفى.

المراهقة: مستجد في المعسكر المهيب

كانت البداية غير متوقعة ومفاجئة: سيل عارم من التغيرات واللذات والتقلبات التي لم أسايرها وتجاهلتها.

ربما تحمست لامتيازات الرجولة التي لا تقاوَم، لكني رأيت بشكل مفاجئ أمي تداوم على مجادلتي بأهمية أن ألزم مجلس الرجال عندما نكون في بيت الأقارب، وبنات خالاتي اللاتي اعتدت الجلوس معهن يبتعدن بشكل مثير للهلع، وكلما دخلت فزعن كأنهن رأين شبحًا.

فجأة، ابنة خالتي المهووسة بـ«الكيبوب» (K-pop) والدراما التركية بشكل يجعلني أسخر منها دائمًا، القريبة مني، الأكثر انفتاحًا من بقية بنات خالتي، تتجاهلني وكأنني شبح أو أي شيء غير مرئي، ولا تمد يدها لي، وتُلمِّح لأمي بأن وجودي يضايقها.

تزعزعت علاقاتي بخالاتي وبناتهن وكل القريبات، أصبح كل شيء يتمحور حول أن «كائنًا» يجب أن يخرج ويلزم ذاك الفضاء التستوستيروني. كل شيء في هذه المرحلة أصبح جوهرُه ثنائية الذكورة والأنوثة الصارمة. تقلصت كل الأماكن المحايدة، وأصبح كل شيء مذكرًا أو مؤنثًا، وكلما جئت لأحتضن أمي أو أطلب قبلات أصبحت ترفض وتتعلل بأني «كبرت وصرت رجلًا».

أصبحت، حرفيًّا، على قارعة مساحات التستوستيرون والإستروجين. لا أعلم ماذا حدث، جلست في انتظار «مهدي الذكورة»، لكنه رفض المجيء. شعرت بالنفي والكراهية والارتياب.

مراهق جديد: كيف رأيت المعسكر؟

كان كل شيء يتمحور حول كراهية الذات والخوف من الطبيعة الإنسانية. لدينا قاعدة واحدة: هناك ذكر، وهناك أنثى. فلتتذكر ذلكَ الذئابُ التستوستيرونية والنعاج الإستروجينية. يجب أن تنكر ذاتك وترى الآخر من عين التوجس والخوف. جميعنا في فقاعات هرمونية لا يجب أن تُفقأ بالتقاء اثنتين منها.

كان الواقع الاجتماعي أشبه بالكعكة المقطعة، لذلك يصعب على الفرد فهم ما يجري. هناك قطعتان واسعتان للجنسين، وقطعة ضئيلة مثقوبة هي العائلة. بمجرد قبولك هذا الواقع ستقيِّد نفسك بثنائيات صارمة ومَطرقة أبوية فوقك، مستعدة لتحطيمك إذا ابتعدت عن الصراط القويم.

كان واقعًا بائسًا بالنسبة إليَّ، كلنا ترس في يد الأبوية، مجرد جنود في معسكر المجتمع طوال الحياة، نفعل ما يريد ونلعب بقواعده.

كيف تفاعلت معه؟ لا أعلم، لكن مواقع التواصل الاجتماعي جاءت في الوقت المناسب، خلقتْ واقعًا بديلًا يسمح لي بمسايرة المعسكر الواقعي والتماهي الخادع معه، والتعويض عن ذلك الخضوع بساعات من واقع حر لا يتبع عين المعسكر المهيب. أنت هنا الإله، وصانع قواعدك ومعاييرك، لكن من خلف شاشة.

كنت أعيش يومًا رتيبًا من الاستكانة والقبول، لم يكن لي هدف إلا الوصول إلى عرش أُلوهيتي الإلكتروني لكي أنعم بحرية حقيقية دون مطرقة تسحقني. يالها من نعمة عظيمة.

آليات السخط المجتمعي

لم تكن مسايرة صعبة، ولم أتصادم بما فيه الكفاية كي تسحقني المطرقة، وتغضب عليَّ آلهة المعسكر المهيبة. لكن الواقع سيلاحقك مع أي زلة، والمطارق القريبة منك، في حال عدم اهتمام المطرقة الكبرى، ستسحقك.

قبيل بلوغي، كان هناك إلحاح مستمر عليَّ للزوم مجلس الرجال الرتيب البارد. وصدف أن كان خالي موجودًا في تلك اللحظة، وصدف أن نعتني «سميرة» تحقيرًا لي لأني لم أستسغ تلك القواعد، ولأني حِدت عن صراط الأبوية القويم.

كان أثر هذا اللقب في نفسي مؤلمًا ومذلًّا حينها.

البقية، أو الإنسان الناتج عن هذا، نعرفها جيدًا، ولطالما خضعنا لها واستسلمنا للقدر الأبوي. كلنا في المعسكر، والمطارق الأبوية بيننا وفوقنا وتحتنا. إننا نُسحق في المعسكر، أمَا حان وقت الحديث عن أزمات المراهقة التي نتجاهلها؟

, , ,