الأقل حظًّا

أنا نسوي، وذكر، وسعودي

الصورة: Getty/David Turnley - التصميم: منشور

أهناك شيء يدعو إلى الاستغراب؟ قد يرى بعضهم أنها محاولة سخيفة، لكنها فعالة للتقرب من النساء، أو خنوثة وقلة رجولة، أو حتى تقليد للغرب وركوب للموجة، وهذا ما عشته أنا منذ عام 2015.

لكن زيادة أعداد النسويين والداعمين للحراك النسوي من الذكور، خصوصًا في المملكة ومنطقة الخليج، يساعد شيئًا فشيئًا على رؤية هذه الموجة الناشئة، ومَن يعتنقون مبادئها.

هذه تجربتي الذاتية كشاب سعودي نسوي، ربما تدفع الساخرين والمتجاهلين إلى إعادة التفكير، ولو لمرة.

ذكر نسوي سعودي: تجربتي الشخصية

بسبب تربيتي في الكويت، لم أتقبل منع قيادة المرأة السيارة منذ صغري، وكنت أراها قضية مضحكة. ذلك كان مدخلي إلى التيار النسوي.

بدأ كل شيء في صيف 2015، كنت في الرابعة عشرة حينها.

أنشأت حسابًا على تويتر لمواكبة وسائل التواصل الاجتماعي، ولا أخفي فضولي برؤية ماهية هذه المواقع، لكنها كانت تجربة صادمة. واجهت كمية هائلة ومتشعبة من الأفكار التي كانت صادمة وكبيرة بالنسبة إليَّ، أوقدَت في داخلي مشاعر اللانتماء والتشكك التي طالما تجاهلتها.

وجدت الإسلاموية والإسلام الحداثي والليبرالية والعلمانية، والنسوية بالطبع.

كانت هناك حالة معينة من الخصام المعتاد والمتجدد بين التيارين المنفتح والمحافظ في تويتر، لم أعر انتباهي لذلك، واكتفيت بالمتابعة السطحية. لكن وقعتُ ذات يوم على حساب شهير كان موصومًا بالعمالة والفساد: رغد الفيصل (أقفلت حسابها في 2016).

تابعتها وأنا مندهش من تلك الأفكار الجديدة والمناقضة لواقعنا العائلي الذكوري. أصابتي الدهشة لفترة، ثم رأيت الأفكار وتفحصتها، وبدت لي عصرية وعادلة. بسبب تربيتي في الكويت، لم أتقبل منع قيادة المرأة السيارة منذ صغري، وكنت أراها قضية مضحكة. ذلك كان مدخلي إلى التيار النسوي.

هضمت الأفكار بتحفظ، ووفق حدود معينة، وغردت بحماسي المتقد في مناصرة التيار النسوي، وتلك القضية بشكل محدد، ونقد الآراء الدينية المحرمة لذلك، بل والسخرية منها، خصوصًا الشيخ الذي كان يرى أن المرأة ستخرج مع حبيبها لو سُمح لها بقيادة السيارة، وآخر ربطها بتأثير سلبي في المبايض، وكانت لنا صولات وجولات مع شيوخ منهم محمد العريفي وعبد الله الداوود وصالح الفوزان، ووسائل معرفية منها «قناة المجتمع السعودي» و«ضمير الأمة السعودي»، وحسابات تبث الدعاية السلبية ضد التيار الليبرالي والحقوقيين.

كنت أنسحب ببطء نحو التيار الليبرالي السعودي المليء بالكليشيهات والركود السياسي وتوجيه الأدوات نحو الحريات الاجتماعية حصرًا، وخصوصًا قضية المرأة والتطرف السلفي.

في سني الصغيرة تلك، وجدت دعمًا وتحمسًا من رغد الفيصل وثلة من النسويات والحقوقيات، لكني واجهت كذلك تنمرًا ممنهجًا استمر لأشهر بشكل متقطع.

ارتبطت نسويتي بشعوري المستمر باللانتماء إلى هذا المجتمع.

كانت التفاعلات مخيفة، وما رافقها من تنمُّر مخيف أكثر. كانوا ينتقدونني ويسخرون مني من عدة منطلقات، منها سني، أو التقليل من سلامة عقلي باعتباري راكبًا للموجة ومسيَّرًا من بعض النسويات.

تلك الموجة الضارة، ومعها الدعم، كانتا العتبة التي مهدت لي الارتقاء إلى مراحل فكرية أكثر عمقًا.

لم أقف هناك. فمع تحولاتي الفكرية نحو الحداثة والقرآنية، ثم اليسار حاليًّا، تعمَّق موقفي الداعم، بل تحوَّل إلى موقف مبدئي وعادل، رأيته، وما زلت أراه، متوائمًا مع الحياة العادلة والعصرية الديمقراطية. رأيت السلطوية الذكورية مترافقة مع كل مرداف للسلطوية، بكل المعاني السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

كانت نسويتي مرتبطة بشعوري المستمر باللانتماء إلى هذا المجتمع. وشكَّل موقفي، بما أني أعاني من التأتأة ومختلف عن «الناس»، دافعًا إلى مناصرة هذا التيار وهذه القضية، بل تعمقتُ نحو رؤيتها خللًا بنيويًّا أخلاقيًّا تاريخيًّا اقتصاديًّا في مجتمعاتنا الإنسانية، وأدنى الشروط لحياة متكافئة عادلة، يكون فيها للفرد الإرادة الحرة والحق في السعادة، ولا يكون في موقع الخاضع الخامد.

رغم الوسائل غير الأخلاقية التي سخَّفت من موقفي الفكري بسبب عمري وشكلي، بل استخدمت وسائل تشكيك في ذكورتي (وهي إهانة مؤلمة لأي فرد في ظل مجتمع قائم على التمايز الجنسي)، فإن إيماني وفلسفتي الأخلاقية انتصرت، مدفوعةً بأني مُعرَّض دائمًا للتنمر والسخرية والاضطهاد المعنوي.

كنت متكيفًا مع ذلك، يدعمني شعور بالثقة أتى من قراءتي كتابي «نشأة النظام الأبوي» و«الجنس الآخر»، وتعرفي على عدد من الشخصيات والأيديولوجيات والقضايا وتعقيداتها. كانت المعرفة سندًا ودافعًا لي في مواجهة ذلك.

كيف التلاقي بين الذكورة والسعودية والنسوية؟

النسوية كانت بالنسبة إليَّ، وكثيرين غيري، بحثًا عن حداثة تشاركية، تسعى إلى جعل الحيز العام لكل الناس.

السؤال الأهم من تجربتي: لماذا حصل هذا التلاقي بين مراهق سعودي وكثيرين غيره من ناحية، والفكر النسوي من ناحية أخرى، بعيدًا عن التشكيكات الأخلاقية والجندرية والسخرية؟

باعتباري شابًّا، وصلت إلى مرحلة ضقت فيها ذرعًا بالواقع الذي أعيشه، بالفقاعة الاجتماعية التي وجدت نفسي محصورًا فيها، بواقع «الكعكة المقطَّعة» التي تحصرني في إحدى القطع وحيدًا، بعيدًا عن باقي المجتمع، والعكس بالعكس.

عشت وزملائي ممن يشاركونني طريقة التفكير في «كانتونات» نفسية ومادية سعيدة، متسقة مع تطلعاتي: مواقع التواصل والتلفزيون وأماكن قليلة نستطيع التنفس فيها.

كان الواقع العام، وما زال، قائمًا على التمايز بين الأعمار والأجناس، والرفض الكامل لأي حالة تغيير كبيرة. انعزلنا في فقاعات استهلاكية تُشبِع تطلعاتنا وانتظارنا المتكرر، لم يكن واقعنا الجامد يسمح بها.

النسوية كانت بداية أسلوب شخصي يحاول الثورة على النظام الاجتماعي، وجذْب الاهتمام لشيء يعكر صفو الحيز العام ويزعزع مسلماته، لشيء نستطيع من خلاله المشاركة في الواقع وصنع أقدرانا، على سبيل البداية.

النسوية كانت بالنسبة إليَّ، وكثيرين غيري، بحثًا عن حداثة تشاركية كلية، لا جزئية محصورة في كانتونات مادية وفقاعات نفسية. حداثة بديلة تسعى إلى جعل الحيز العام لكل الناس، وفقء الفقاعة التي تحصرنا والجدران التي تمنعنا من المشاركة.

,