اعرف نفسك

كيف نتعلم من «رقية وسبيكة» عقلية الثراء؟

لقطة من مسلسل «رقية وسبيكة» 

لو سألتك «هل تريد أن تصبح غنيًّا؟»، أعتقد أنك ستراه سؤالًا غبيًّا، فتجيب «طبعًا». كل الناس يقولون إنهم يتمنون الثراء، ومنهم الأختان «رقية أبو العيش» و«سبيكة أبو العيش» من المسلسل الكويتي «رقية وسبيكة»، الذي تابعه معظم مواليد السبعينيات والثمانينيات في الخليج.

بعد الحياة في الفقر، يثمَّن بيتهما الشعبي خلال حقبة التثمين التي واكبت التطور الحضاري للكويت وبدء الاعتماد على مداخيل النفط. دفعت الدولة مبالغ مالية كبيرة للمواطنين لتشتري منازلهم من أجل إعمار البلد، وهكذا نزلت الأموال الضخمة على الأختين لتنتشلهما من الفقر المدقع، ثم اختفت لتتركهما مفلستين في الشارع.

هل أنت متأكد من أنك تريد أن تصبح غنيًا؟


الفقراء الذين يربحون جوائز اليانصيب ويصيرون أثرياء بمحض صدفة، دائما ما يرجعون إلى وضعهم المالي الأول.

رقية وسبيكة (سعاد عبد الله وحياة الفهد) ربحتا مليون دينار كويتي في يوم واحد. ورغم فرحتهما، تعاملتا مع الأموال على أنها لعنة ومصيبة. كانت رقية تردد: «الفلوس بتفرَّق بيني وبين أختي»، في حين تقول سبيكة: «الفلوس جابت لنا المشاكل». ومع كل خلاف كانتا تعيشان دور الضحية، ويكون الحل المثالي في نظر كل واحدة: «خلاص خذي الفلوس ما أبيها (لا أريدها)»، وكأن المال ورطة أو فأل نحس ومنبع كل شر.

المضحك، أو ربما المبكي بحسب رؤية رقية وسبيكة، أن لجنة التثمين قررت إعطاءهن مليوني دينار أخرى نظير شراء الفيلا الجديدة التي سكنتا فيها، وهنا ظهرت بوضوح عقلية الفقر التي تسيطر على سبيكة وهي تقول: «مصيبتنا صارت مصيبتين».

«تي هارف إيكر»، مؤلف كتاب «أسرار عقل المليونير»، يؤكد أن «معظم الناس لا يريدون أن يصبحوا أغنياء. لماذا؟ لأن لديهم الكثير من الأفكار السلبية عن الثراء في عقلهم الباطن، تقول لهم إن هناك شيئًا خاطئًا في كون المرء غنيًّا». وفي مجتمعاتنا العربية، نلمس أحيانًا ما يشير إليه إيكر حين يتبادل بعضنا عبارات مثل «الأغنياء لا يعرفون الراحة» و«المال مصدر تعاسة»، إلخ.

يستشهد إيكر بالفقراء الذين يربحون جوائز اليانصيب ويصيرون أثرياء بمحض صدفة، إذ تُظهر الدراسات أنه مهما كان حجم الجائزة التي يربحها هؤلاء، فإنهم دائما ما يرجعون إلى وضعهم المالي الأول.

يرى الرجل أن الثراء المفاجئ يأتي ليربك الفقراء ويجعلهم يدمرون كل ما كسبوه بسرعة ليعودوا إلى نقطة الصفر ، كما حصل مع رقية وسبيكة تمامًا. أما الأذكياء من أصحاب الملايين، فيستطيعون الحفاظ على المال أو العودة بصورة أقوى بعد الخسارة.

رجل الأعمال الشهير ورئيس أمريكا دونالد ترامب مثال واضحًا لذلك، فقد كان يملك الملايين ثم خسر كل شيء، وبعد عامين استعاد كل أملاكه وأكثر منها. ويعلق إيكر على قصة ترامب هذه بالقول إنه «حتى وإن خسر الطموحون من أصحاب الملايين أموالهم، فإنهم لا يخسرون أبدًا أهم عامل من عوامل نجاحهم: عقلية المليونير».

ربما لا يرى كثير منا ترامب في قالب الرجل العصامي، لكن قفزاته من الخسارة للكسب ألهمت كثيرين لتناول عقليته القادرة على صنع الثروات بدايةً من نقطة القاع.

يقول رجل الأعمال «بيل زانكر»، في كتابه عن دونالد ترامب «فكِّر أكثر: تفوَّق في الأعمال والحياة»: «ما إن تتذوق طعم التفكير بشكل كبير، وتتعلم المُضي قدمًا مهما كانت العوائق لتدعم مواقفك بشراسة، فلن تستطيع التوقف، وستأتيك المكاسب الثمينة طوعًا ومن تلقاء نفسها. ذلك هو سر دونالد [ترامب]».

عقلية الفقر: التكفير عن ذنب الثراء

للهروب من ورطة الملايين، تقرر الأختان السفر إلى باريس وتضييع الأموال في أمور تافهة، دون وعي منهما بأنهما ترفضان الأموال وتحاولان التخلص منها.

هنا نفهم أن عقلية الفقر هي التي دمرت رقية وسبيكة، وجعلتهما تعودان من رحلة الملايين بسرعة إلى عالم الفقر والتشرد، فالقصة كلها تبدأ وتنتهي من الذي تراه في نفسك وتعتقد أنك تستحقه، مثلما يُجمع الأثرياء. يقول إيكر في كتابه: «إذا كنت متوجهًا لكسب خمسين ألف دولار ومررت ببعض الأعوام المتعسرة، فلا تقلق، ستعود إلى مستواك الطبيعي. إن لديك المقدرة على ذلك، وتلك المقدرة تحكم قانون اللاوعي الذي يربط بين العقل والمال».

«منطقة الراحة» لدى كثير من الفقراء هي حالة الفقر والعوز والبؤس، بحسب إيكر. رقية، بعد هطول الأموال، علقت في مكتب شركتها لوحة فيها صورة لسوق الحريم القديم في الكويت الذي عملت فيه مع أختها قبل الثراء، وتحتها عبارة «اللي ماله أول ماله تالي»، ولوحة أخرى مكتوب عليها «عتيج الصوف ولا يديد البريسم»، وهي أمثال خليجية قديمة تعبر عن الاعتزاز بالموروث ورؤية أن الماضي أفضل من الحاضر. كانت رقية تسترجع بفخر نكد العيش وحالة الشظف التي رافقتها، وكأنها تعبر عن اشتياقها لهذه المرحلة وعقلها الباطن يقول: «فقدتك يا فقر، تعالَ يا فقر».

للهروب من ورطة الملايين، تقرر الأختان السفر إلى باريس وتضييع الأموال في أمور تافهة، دون وعي منهما بأنهما ترفضان الأموال وتحاولان التخلص منها.

ثم تتعلقان بدور الضحية، وتُحملان «أبو عثمان»، وهو مخادع يسعى لسرقتهما أدى دوره كاظم القلاف، مسؤولية ضياع الأموال، وهي حالة يلجأ إليها الفقراء للهروب من فخ رفض اللاوعي فكرة الحفاظ على الأموال، وهذه الحالة وصفها إيكر بدقة في كتابه.

الدكتور «فيليب ماكغرو»، المعروف بـ«الدكتور فيل»، يوضح في كتابه «اهتم بذاتك» أننا نتقمص دور الضحية ونعيشه على مسرح الحياة عادةً كذريعة لإخفاقاتنا وتكاسلنا عن مواصلة الدور الحقيقي المطلوب منا.

«ذياب دايخ ذيب بنيدر» أو «راعي الوانيت» (غانم الصالح) واحد من الشخصيات الرئيسية في المسلسل، تزوج سبيكة، وهو الآخر جاء من بيئة معدمة، ورأى في الأختين فرصة للهرب من سكن العازبين المزدحم إلى السكن في البيت الشعبي الذي تملكانه بنات أبو العيش.

ذياب رجل ضعيف الشخصية، متوجس وخائف طيلة الوقت، لا يطمح إلى أكثر من الفتات الذي تلقيه إليه الأختان، فجاء متوافقًا مع عقلية الفقر التي نشأ عليها ثلاثتهم، ليتقاسموا الخيبة في وقت قصير. يذكرنا هذا بالمقولة الشهيرة لمقدم البرامج الأمريكي «ستيف هارفي»: «إذا كان بين أصدقاءك 9 مفلسين، فتأكد أنك ستكون عاشرهم».

إنها عدوى الفقر إذًا، فكما أن للثراء طاقة جاذبة، كذلك للفقر والنكد والعيش البائس. وحالة رفض الثراء تملَّكت لاوعي ذياب، الذي رفض تغيير هيئته الفقيرة وظل متعلقًا بمعارفه القدامى وسيارته «الوانيت» (شاحنة صغيرة)، التي انتهى عمرها الافتراضي منذ سنوات.

لا ننسى شخصية البراغماتي «جميل جمال»، التي تقمصها الراحل علي المفيدي، وهو السكرتير الوصولي الذي عينته رقية في الشركة المترنحة، فاستغل سذاجة وغباء الأختين في تسريب معلوماتهما إلى المحتال أبو عثمان.

ورغم أن خبث «جميل» كان واضحًا للجميع، خصوصًا سبيكة التي أسمته «حفار القبور»، وذياب الذي حذر رقية منه أكثر من مرة، منحته رقية كل المفاتيح لتدمير الأموال، وكأنها تُكفر عن ذنب الثراء بحسب تفسير إيكر.

الفكرة هي كيف تنظر لمالك؟

موضوع الثراء هو رقم واحد في قائمة طموح معظم الشباب، الذين تربوا على مسلسل «رقية وسبيكة» وما يشبهه

قد ننظر إلى المسلسل من زاوية «طارت أموالهم لأن محتالًا جاء وخدعهم»، لكن تي هارف إيكر يؤكد، بناءً على مسح أجراه شمل 500 مليونير، أن عقلية الفقير تحاول جذب المحتالين والمخادعين للتخلص من ورطة الثراء. ومَن تابع المسلسل يلمس أن شخصية أبو عثمان كانت مريبة للجميع ومحل شك، لكنهم اختاروا مواصلة العمل معه. وكذلك جميل جمال الذي اصطيد وهو يتجسس أكثر من مرة، ومع ذلك أبقت عليه رقية في الشركة. هذا ما يُرجعه إيكر إلى اللاوعي والرغبة المدفونة في خلق سبب لفقد المال.

تتقاطع شخصيتا رقية وسبيكة كثيرًا مع «حسينوه» وشقيقه «سعد» في المسلسل الكويتي «درب الزلق». فالشقيقان يصبحان أيضًا ثريين بين عشية وضحاها بسبب تثمين بيتهما القديم، لكن بعد سلسلة من المشروعات الفاشلة، تتبدد أموالهما وتضيع بسرعة البرق، ليعودا إلى الفقر بأبشع صوره.

ربما لا يستسيغ كثيرون قراءة أحداث المسلسلات الكوميدية وتحليلها، لكن تلك المسلسلات تُظهر لنا بوضوح عقلية المتلقي البسيط، الذي يعيش الحالة وربما يتقمصها ويُخزنها في عقله الباطن دون أن يدرك، خصوصًا أن هذه الكلاسيكيات لا زالت تُعرض على شاشات التلفزيون من وقت إلى آخر، فمسلسل «رقية وسبيكة»، الذي أنتج عام 1986، محفور في ذاكرة الجمهور الخليجي الذي شاهده أكثر من مرة.

موضوع الثراء هو رقم واحد في قائمة طموح معظم الشباب، الذين تربوا على مسلسل «رقية وسبيكة» وما يشبهه، وصاروا هدفًا لمدربي ما يُطلق عليه الطاقة وعلوم التنمية البشرية، المهتمين بقوانين الوفرة وكارما الثراء، الذين استمد معظمهم أفكاره المالية من كتاب الأمريكي «نابليون هيل» المسمى «فكِّر وازدد ثراءً»، وكتاب «روبرت كيوساكي» المُعنوَن «الأب الغني والأب الفقير»، وكتاب رجل الأعمال الأمريكي «جورج كلاسون» وعلى رأسها «أغنى رجل في بابل».

هذه الكتب تركز في مجملها على «عقلية الأثرياء»، وأنها المحرك الأول لتكوين الملايين، وذلك على نقيض «عقلية الفقراء» المنفرة للأموال. وهي فكرة يقدمها مدربون ومدربات في الخليج كذلك، ويحظون على إثرها بمتابعين كُثر يؤمنون بهذا الاتجاه.

ليست الفكرة في كونك تمتلك مالًا أو لا تمتلكه، بل في كيفية نظرتك إلى هذا المال وفقًا للمعتقد العميق الذي تتبناه في عقلك الباطن. وربما لو تنبهت رقية وسبيكة لهذه الفكرة لصارتا اليوم في قائمة فوربس لأصحاب المليارات.


هذا الموضوع كتبه أحد قُرّاء «منشور»، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.