كيف تشكِّلنا الحرب؟

صديقي عامر: كيف يفقد اللاجئ كرامته؟

الصورة : DFID

كان كوب «الماتّا» ساخنًا جدًا حين تناولته من يد عامر، أقلبه بين كفيَّ الباردتين، لتنتقل حرارته إلى يديَّ وأنقل برودتها إليه.

في ليلة شتاء صقيعة بسهل البقاع في لبنان، تمكنا أنا وصديقي عامر من أن نحصل على لتر من المازوت (الديزل) من محطة وقود تبعد 17 كيلومترًا عن المخيم، اضطررنا أن نصل إليها باستخدام دراجته، إذ لا أحد في شتاء البقاع يعيرك المازوت الذي يعتبر جالونه في هكذا وقت أعز من الذهب.

أشعل عامر «الصوبيا» (المدفأة)، ووضع إبريق الماء فوقها لعمل الماتا. كنا في خيمته الصغيرة التي يعيش فيها هو وزوجته وأولادهما الثلاثة، بالإضافة الى عمه (والد زوجته).

قدم لي سيجارة وقال وهو ينظر إلى حذائي: «لَكْ عَبِد، بتعرف انّي كان عندي محل أحذية وكنت راح أفتح محلي التاني لكن الحرب بلشت؟».

وأخذ ينفث دخان سيجارته ويعقبها برشفة هائلة من ملعقة الماتا النحاسية المثقبة.

كان عامر من أهل دمشق، وهذا نادر بين اللاجئين السوريين في لبنان، فالأغلب من ريف دمشق والزبداني والقصير والمناطق القريبة من الحدود السورية اللبنانية. تعرفت إليه حين كنت أعمل في مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان.

عامر رجل كان مقتدرًا، يعمل في تجارة الأحذية، يقول لي: «أتعلم؟ عندما هربت أنا وزوجتي وأولادي إلى لبنان لم تكن لدي أي فكرة كيف سأعيش هنا، لا أعرف أحدًا. أخذت كل ما استطعت حمله من النقود وهربت، لم نأخذ معنا ملابسنا وأغراضنا لأننا لم نكن نعلم أين سنذهب وكم ستستغرق رحلتنا».

عبر عامر الحدود بعد معاناة، دخل بقَّالة ليشتري بعض الطعام لأولاده، فدلَّه الصبي البائع على مخيم جديد للاجئين، فاستقبله حارس المخيم قائلًا: «حظك! باقي هايدي الخيمة بس». دخل الخيمة ووضع رأسه على المخدة ونام نومة عميقة بعد ثلاثة أيام من الصحيان المتواصل.

الصورة: Mustafa Bader

يذكر يومه الأول قائلًا: «استيقظت في الصباح لم أستوعب أين أنا، زوجتي وأولادي ما زالوا في سباتهم. خرجت من الخيمة لأشاهد مشاهد غريبة، أطفال حفاة الأقدام يلعبون بكرةٍ خالية من الهواء، شيخ مقعد يغني «على العقيق اجتمعنا» لصباح فخري، سيدة تمسك بصبي له وجه مشوه من الحروق، شباب يحاولون تثبيت طرابيل على الخيام، صبية تنشر ثيابًا مُتسخة، طابور على حمامات مشتركة لكل المخيم، كأنني كنت أشاهد فيلمًا حزينًا وكئيبًا. استوحشت الحال، ورجعت لخيمتي أناظر أطفالي وزوجتي».

بعد أسبوع جاء المتبرعون لتوزيع 100 دولار لكل خيمة، استنكر صديقي الموقف ولم يخرج، وبعد شهر، تبددت الأموال التي جلبها معه من الشام، وجاء متبرع آخر ليوزع 100 دولار أخرى، فقال لزوجته: «أم محمد، الله يرضى عليك روحي خدي المصاري».

لم يعتد مد يده للناس ولا طلب المساعدة من أحد، بل لا يحب السلف أيضًا، فما بالك بأن يقبض التبرعات بهذه الطريقة: «عليَّ أن أصطف في طابور لنصل إلى المتبرع ونلتقط صورة معه وهو يسلمنا المبلغ».

مرَّت الأيام حتى اعتاد هو الخروج لاستلام التبرعات، فلم يعد هذا الفعل مهينًا بالنسبة له: «كنت أختلق الأعذار لنفسي لأقنعها بأنها ما زالت كريمة وعزيزة».

تطور الوضع وبدأ يمد يده للناس، وبدأ يكذب، يطلب سلفة من شخص ويعِده بالسداد خلال شهر، والشهر يصبح سنة. ازداد الأمر سوءًا واستمرأ السلف والدَّين حتى توقف الجميع عن تسليفه، فاضطر أن يسرق: «إي والله يا عَبِد سرقت من غني زفت».

يخبرني بأنه تمكن يومًا من أن يعمل حارسًا في أحد عمارات هذا الرجل الذي وصفه بالسمين الحقير. يقول: «كان يعاملني بإهانة كبيرة، وكان يسلمني 120 ألف ليرة فقط (80 دولارًا)، يسلمني شهرًا ويؤخرني ثلاثة، يخصم من راتبي الزهيد الذي لا يكفي حليب ابنتي لأتفه الأسباب. طلب مني ذات يوم أن أركن سيارته المرسيدس في مواقف العمارة، وجدت ظرفًا به 800 دولار، ركنت السيارة وأخذت الظرف وسلمته المفتاح ولم ير وجهي ثانيةً ابن الستين صرماية. يا صديقي، ليست هناك فرصة للحصول على النقود بكرامة في لبنان».

عامر يقول: «الكرامة واللاجئ أمران لا يجتمعان»، فهو يعيش في مخيم قذر في خيمة صغيرة لا تصلح لعيش الآدمي، تلتصق الخيام بجانب بعضها ليتسع المخيم لأكبر عدد: «يا عَبِد، اتصدق بالله، ما بقدر حتى أعاشر زوجتي خاف بوكمال يسمعني».

«خليها على الله وخليني زيدك ماتّا»، ثم حرق سيجارته العاشرة ونفخ دخانها كأنه يُخرج بؤسه وحزنه في كل نفخة.