بحب اتنين سوا الميَّه والهوا

اصطياد السمان: رزق موسمي في غزة

رغم الأخطار المحدقة بطائر السمان، والتي تهدد استمرار وجوده داخل البيئة الفلسطينية في غزة، نتيجة عمليات الصيد الجائر له، فإنه يمثل مصدر رزق لكثير من العاطلين عن العمل لسد رمق عائلاتهم.

على مساحة مئتي متر قبالة شاطئ بحر مدينة خانيونس، ينصب الصياد خليل النجار (38 عامًا) شباكه مع ساعات الليل الأولى، أملًا في أن يصطاد بعضًا من طيور السمان المهاجرة. 

بداية الرحلة

يقول خليل لـ«منشور» إنه «مع ساعات الفجر الأولى، وقبل بزوغ أشعة الشمس، أتوجه إلى شاطئ البحر لتفحُّص الشباك الملقاة ليلًا لاصطياد طيور السمان التي تهاجر من أوروبا إلى إفريقيا وآسيا خلال فصل الخريف».

تصل طيور السمان منهكة ومتعبة إلى شواطئ قطاع غزة، بعد سفرها لمسافات طويلة تزيد عن ثلاثة آلاف كيلومتر لتستريح على اليابسة، فتصطدم بالشباك الممتدة على مساحات واسعة من شاطئ البحر، وتعلق بداخلها وتقع فريسة فيها.

كانت أسراب السمان تأتي بكثرة إلى شواطئ قطاع غزة، والآن بدأت أعداد الطيور في الانحسار والاختفاء نتيجة ارتفاع أعداد الصيادين.

يضيف خليل: «منذ 20 عامًا وأنا أنتظر قدوم موسم صيد طيور السمان نهاية سبتمبر وحتى منتصف نوفمبر من كل عام.  وقبل بدء الموسم بعدة أيام نجهِّز الشباك التي غالبًا ما تكون مهترئة ولا تصلح لصيد الأسماك. نستفيد منها بنصبها لصيد هذه الطيور المهاجرة، نثبتها جيدًا بأعمدة خشبية وحديدية من أطرافها السفلية. لون خيوطها مائل إلى اللون الأبيض الشفاف للتمويه على الطيور حتى لا تستطيع أن تراها في أثناء الاقتراب منها، وتكون الشباك بارتفاع من خمسة إلى سبعة أمتار».

«ننتظر ساعات الفجر الأولى بشغف للذهاب إلى شاطئ البحر، لتفقد الشباك ومعرفة ما اصطدنا من طيور السمان. تختلف أعداد الطيور التي نصطادها من يوم إلى آخر، نظرًا للأعداد الكبيرة من الصيادين الذين يتهافتون على صيدها. هناك فترات نصطاد فيها كثيرًا، وأيام أخرى تعيسة، لا نجد أي طائر وقع في الشباك، بل أحيانًا نجد طيورًا جارحة وقعت فيها، وهي لا تصلح للتناول والبيع في الأسواق». 

اختفاء طيور السمان

يتذكر خليل: «خلال السنوات القليلة الماضية، كانت تأتي أسراب السمان بكثرة إلى شواطئ قطاع غزة، وكنا نصطاد كميات كبيرة منها تتجاوز 500 طائر خلال الموسم الواحد. أما الآن، فقد بدأت هذه الطيور في الانحسار والاختفاء نتيجة ارتفاع أعداد الصيادين، في ظل انعدام فرص العمل وتوجههم لصيد هذه الطيور بحثًا عن مصدر رزق لعائلاتهم. إضافة إلى تغيير هذه الطيور وجهتها إلى مناطق أخرى، والاتجاه نحو مصر، وبخاصة سيناء وبورسعيد والإسكندرية».

تلعب العوامل الجوية والبيئية دورًا كبيرًا في انخفاض وصول هذه الطيور إلى غزة، في ظل ازدياد الزحف العمراني وقلة المساحات الزراعية. إضافة إلى أن التيارات الهوائية العاتية وارتفاع أمواج البحر لمستويات عالية يؤدي إلى تقليص فرصة وصول طيور السمان إلى شواطئ القطاع واصطدامها بالشباك، لأنها في تلك الظروف تطير على مستويات مرتفعة جدًّا، بحثًا عن مناطق أخرى تستطيع أن تستقر فيها مؤقتًا إلى حين العودة إلى موطنها الأصلي. 

إقبال متزايد

يقول خليل: «تختلف أسعار طيور السمان من عام إلى آخر. كنا سابقًا نبيع الزوج منها بستة دولارات أمريكية، أما الآن، ومع وصول كميات كبيرة من هذه الطيور إلى شواطئ غزة، انخفض ثمنها إلى النصف، وبلغ سعر زوج السمان ثلاثة دولارات أمريكية. يقبل على شراء هذه الطيور زبائن عدة بسبب فوائدها الصحية التي يحتويها لحم هذا الطائر، وانخفاض أسعاره مقارنة بالطيور الأخرى كالحمام والدجاج. بيع السمان مصدر رزق موسمي لنا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها وانعدام فرص العمل».

شواطئ فلسطين من أهم المناطق التي تجذب الطيور المهاجرة، لموقعها واعتدال مناخها.

طائر السمان صغير الحجم، ويميل لونه إلى الرمادي. يتميز الذكر عن الأنثى بوجود طوق أبيض اللون أسفل رقبته. لدى هذه الطيور القدرة على التكيف مع الظروف البيئة المختلفة، ولا تتأثر بفصول السنة، وتستطيع العيش داخل الأقفاص أسيرةً، ما دفعني إلى تربيتها في منزلي، في ظل عدم احتياجها إلى مساحات واسعة للتكاثر. ما يميز طائر السمان قدرته الهائلة على الإخصاب والتزاوج طوال العام، إذ تنتج أنثاه البيض بغزارة، وتضع أكثر من 13 بيضة خلال المرة الواحدة.

يزداد الطلب على شراء السمان وبيضه رغم صغر حجمه. فهو غني بالفيتامينات والمعادن التي يصفها في كثير من الأحيان الأطباء الشعبيون لعدد من المرضى للعلاج من أمراض مختلفة. إضافة إلى أن أسعار هذه الطيور في متناول الناس، ويستطيعون شراءها والحصول عليها بسهولة. 

موقع جغرافي متميز

كشف أستاذ العلوم البيئية بالجامعة الإسلامية، عبد الفتاح عبد ربه، أن «شواطئ فلسطين من أهم المناطق التي تجذب الطيور المهاجرة، ومنها السمان، لموقعها الجغرافي الذي يتوسط قارتي أوروبا وإفريقيا، واعتدال مناخها طوال العام. إذ تجد هذه الطيور ضالتها على شواطئ غزة، وتستقر بين المساحات الزراعية قبل أن تعود إلى موطنها في القارة الأوروبية».

يضيف عبد ربه: «لا توجد إحصائيات لأعداد طيور السمان المهاجرة إلى القطاع. لكن يُقدَّر عددها بعشرات الآلاف التي ينتظرها الفلسطينيون كل عام باهتمام، ويتجهزون لهذا الموسم قبل فترة كبيرة استعدادًا لصيدها، الأمر الذي يهدد باختفائها بسبب الصيد الجائر الذي يمارَس ضدها». 

اقرأ أيضًا: صيد الثعالب والغزلان في فلسطين: الرزق أم الحيوانات المهددة بالانقراض؟

قوانين غائبة

لحماية الطيور من الانقراض لا بد من وضع محددات تنظم عمل هذه المهنة الموسمية، وتجبر الصيادين على الالتزام.

يقول عبد ربه: «القوانين المعمول بها في الأراضي الفلسطينية، والتي تتعلق بالبيئة وحمايتها، لم تحدد أي لوائح قضائية، وهي غائبة عند التنفيذ بشكل عام.  هذا بدوره سمح بارتفاع معدلات الصيد الجائر في فلسطين، لعدم وجود ضوابط محددة تحمي هذه الطيور من الانقراض، وسمحت لآلاف الصيادين بممارسة هذه المهنة دون أي قيود».

تنص المادة (41) في قانون حماية البيئة الفلسطيني الصادر عام 1999، على  أنه «يحظر صيد أو قتل أو إمساك الطيور والحيوانات البرية والبحرية والأسماك المحددة باللائحة التنفيذية لهذا القانون، ويحظر حيازة هذه الطيور والحيوانات أو نقلها أو التجوال بها أو بيعها أو عرضها للبيع حية أو ميتة، ويحظر إتلاف أوكارها أو إعدام بيضها».

يوضح عبد ربه أنه لحماية الطيور من الانقراض «لا بد من وضع محددات تنظم عمل هذه المهنة الموسمية، وتجبر الصيادين على الالتزام بها وتعاقب المخالفين، من خلال تنظيم أعداد الصيادين في قطاع غزة، وألا تتجاوز الشباك المخصصة لصيد هذه الطيور الارتفاعات المحددة حتى لا تفتك بالطيور الأخرى المهاجرة، وتحديد أماكن معينة على طول الشاطئ لنصب الشباك، وليس كما نراه خلال كل موسم. إذ نجد الشاطئ، على امتداد أكثر من 40 كيلومترًا، مليئًا بالشباك الملقاة لاصطياد السمان، ما يقلل منه ويسرع في انقراضه».