حرف جر

«جوزيبي أونغاريتي»: شاعر العدم يحرر المتمردين

الصورة: Getty/Mondadori Portfolio

هناك رأي يؤمن به كثيرون، وهو أن الشعراء ينحازون إلى القول أكثر من الفعل. أي إنهم يقضون حياتهم بين الكلمات، يعيدون إبداعها وتشكيلها كيف ما يشاؤون. المهم أنهم أبعد ما يكونون عن «الفعل»، أو في أفضل الأحوال: يكتبون عن كل ما لم يفعلوه ولن يفعلوه على الإطلاق.

لكن هناك شاعرًا قال وفعل. كتب عن الصمت وانحاز إليه في مقابل الكلام، وإلى العدم مقارنة بالوجود، غير أنه استهل حياته الشعرية بالمشاركة في عمل ثوري، كان من الممكن أن يسوقه إلى الإعدام، لولا حكمة الأقدار: إنه «جوزيبي أونغاريتي».

إيطالي في الإسكندرية

في الثامن من فبراير عام 1888، تهب عاصفة رعدية على الإسكندرية، يعقبها هطول أمطار غزيرة تغرق المدينة بأكملها. وبينما كان الأهالي مشغولين بنزح المياه التي اقتحمت البيوت، تنطلق صرخة نحيلة لتعلن عن ميلاد طفل لعائلة إيطالية تنحدر من  أصول فلاحية، نزحت من مدينة لوكا بمقاطعة توسكانا، قبل أن تستقر في مصر، وبالتحديد في الإسكندرية.

يُسجَّل تاريخ ميلاد الطفل بعد ولادته بيومين، أي في العاشر من فبراير، ويحمل اسم «جوزيبي أونغاريتي».

ينضم أبوه إلى أعمال الحفر في قناة السويس، ثم تتدهور صحته ويموت قبل أن يكمل جوزيبي عامين، ليبقى برفقة أخيه الذي يكبره بثماني سنوات، مع أمه التي تملك مخبزًا في محرم بك. يكرر الطفل الزيارة الأسبوعية إلى مقبرة أبيه، ليظهر هذا الطقس المأتمي بشكل عام، ولفظة «المقبرة» بشكل خاص، في كثير من قصائده.

مراهق بحجم «بوتمكين»

إعلان فيلم «المدرعة بوتمكين» 

في فترة المراهقة، يتعرف أونغاريتي إلى أفكار «نيتشه» وقصائد «بودلير» و«ملارميه»، ليكتب أولى قصائده متأثرًا بما قرأه. ثم يُقدَّم إلى المحاكمة بعد أن شارك في عملية تحرير بحارة «المدرعة بوتمكين»، التي خلَّدها المخرج «سيرغي آيزنشتاين» في فيلم بنفس الاسم عام 1925، وكانت متوجهة من روسيا إلى مدينة ميسينا بجزيرة صقلية، حين اندلعت عليها ثورة لسوء معاملة البحارة.

في رحلة العودة توقفت المدرعة في الإسكندرية، فطلبت روسيا من مصر تسليم المتمردين، إذ وافقت الحكومة المصرية، ليقرر مجموعة من المثقفين الأجانب اعتراض القطار الذي يقل البحارة وتحريرهم. غير أن محاكم الامتيازات الأجنبية تسمح بمحاكمة الشاعر ورفاقه في قنصلياتهم، وأمام قضاة من بني جلدتهم، ليُلغَى بعد ذلك الحكم على أونغاريتي.

يبقى في الإسكندرية لا يغادرها إلا في 1912، ذاهبًا إلى إيطاليا بغرض الدراسة، ومنها إلى باريس، حيث يقيم في فندق صغير اسمه «دي كارم»، يشاركه الغرفة صديقه المصري محمد شهاب، الذي سينتحر بعد قليل، ليكتب له أونغاريتي قصيدة بعنوان «ذكرى».

يقتفي أونغاريتي أثر الفنون والآداب في فرنسا، متعرفًا إلى شعرائها من مختلفي الاتجاهات، منهم «بودلير» و«مالارميه» و«أبولينير» و«سان جون بيرس» الذي يترجمه لاحقًا إلى الإيطالية. إلى ذلك، تجذبه محاضرات الفيلسوف «هنري برغسون» الذي حاول أن ينقذ بعض الروحانية من خضم مادية العصر الحديث.

نشر أونغاريتي ديوان بعنوان «الحرب»، عن تجربته كجندي، أو كما يسميها هو «تراجيديا الخنادق».

في ديسمبر 1915، وبعد عودته إلى ميلانو، يُستدعى أونغاريتي إلى الخدمة العسكرية، ليشارك في الحرب العالمية الأولى ضمن سلاح المشاة. ومن جبهة القتال، يكتب غالبية قصائد ديوانه الأول «الميناء المدفون» الذي يصدر عام 1916، في طبعة محدودة لا تتجاوز ثمانين نسخة.

من هذا الديوان قصيدة «سهر»:

«ليلة بأكملها،

أتمدد بجوار رفيق مذبوح،

فمه العابس في اتجاه القمر،

بدكنة يديه التي اخترقت صمتي،

كتبت رسائل مليئة بالحب.

لم أكن قط ملتصقًا بالحياة هكذا».

إضافة إلى ذلك، ينشر ديوانًا بعنوان «الحرب»، عن تجربته كجندي، أو كما يسميها هو «تراجيديا الخنادق»، ثم ديوان «بهجة الغرقى»، قبل أن ينتقل إلى روما، ليعمل في تحرير المواد الصحفية والأدبية بالمكتب الإعلامي لوزارة الخارجية الإيطالية.

في 1936، يسافر أونغاريتي إلى البرازيل، حيث يشغل كرسي الأدب الإيطالي في جامعة سان باولو، ثم يموت ابنه الصغير «أنطونيو» وهو في التاسعة من عمره، ليعود أبوه إلى إيطاليا، حيث يكتب قصيدة «يوم بعد يوم»:

«اختفى الوجه،

لكن الأعين لا تزال حيةً،

تميل فوق الوسادة نحو النافذة،

وتملأ العصافير الحجرة،

بحثًا عن بقايا نثرها الأب،

لإلهاء الطفل».

يكتب أونغاريتي ديوان «الألم»، متأثرًا بمرارة الفاشية والسيطرة الألمانية، باكيًا كل شيء كان جميلًا في بلاده. يقول في بدايته:

«ضاعت مني كل أشياء الطفولة،

ولن أستطيع الآن،

أن أمحو ذاكرتي،

بصرخة».

في 1942، يحصل على لقب «الأكاديمي الإيطالي»، وتختاره جامعة روما أستاذًا للأدب الإيطالي المعاصر، ثم تُنشر أعماله الشعرية الكاملة بعنوان «حياة إنسان»، ذلك العنوان الذي اختاره الشاعر بنفسه.

بعد الحرب العالمية الثانية، يستمر في إلقاء المحاضرات في جامعة روما، ثم يخضع لمحاكمة تهدف إلى عزله من منصبه، بتهمة التعاون مع النظام الفاشي والدعاية له. غير أن كل هذه الاتهامات لم تكن مدعومة بقرائن وأدلة قوية.

لولا افتتان أونغاريتي بالعدم، لما امتلأت قصيدته بالحياة.

يستقبل أونغاريتي شيخوخته بديوان «مفكرة العجوز»، مسلطًا الضوء على ماضيه، أو بمعنى أدق، ما تثيره الذاكرة من شعر في ما مضى من حياته. يقول في أول هذه المفكرة، بعنوان «غناء جماعي أخير لأرض الميعاد»:

«أيام الماضي، لصيقة باليوم،

وبالأيام القادمة التي سوف تأتي.

لسنين، وبطول القرون،

كل لحظة مفاجأة،

حين ندرك أننا أحياء لا نزال،

وأن الحياة تجري دائمًا كما هي:

هبة وألم على غير انتظار،

في الدوامة المستمرة،

لتحولاتٍ هباء».

في 1970، يموت أونغاريتي في ميلانو، وتُشيَّع جنازته ليدفن بجوار زوجته. ويودعه الناقد والمؤرخ الأدبي «كارلو بو» (Carlo Bo) قائلًا: «الشباب من جيلي (...) كانوا مستعدين للتضحية بحياتهم من أجل أونغاريتي، وذلك يعني لهم الموت دفاعًا عن الشعر .

كيف بدأ من «العدم» ليصل إلى الحياة؟

الأعمال الكاملة للشاعر أونغاريتي بعنوان «حياة إنسان» - الصورة: دار ميريت

يقدم الشاعر نصًّا نثريًّا كتبه عنوانه «البدايات»، بقصيدة «أبدي»: «بين زهرةٍ قُطِفَت، وأخرى أهديت، عدم، لا يمكن التعبير عنه». من ديوان «البهجة» (1914- 1919). موضحًا أن «العدم وسواس يعاود الظهور في غنائه دائمًا».

العدم سر الأسرار، والمحرض على الاكتشاف، إذ يغوي الشعراء الذي يفضلون دائمًا أن يكتبوا عن ما لا يعرفون ولا يعرفه الآخرون، وحتى عندما يكتبون عن ما يعرفه الآخرون، فإنهم يستخرجون منه دلالات لم يستطع الآخرون أن يروها من أول وهلة. لذلك نستطيع أن نقول: لولا افتتان أونغاريتي بالعدم، لما امتلأت قصيدته بالحياة. ولعل هذا ما كان يعنيه في قصيدة «الميناء المدفون»:

«هناك يصل الشاعر،

ثم يعود مع الضوء بأغانيه،

ويبعثرها.

من ذلك الشعر،

يتبقى لي،

ذلك العدم وحده:

سر لا ينفد».   

يلاحظ قارئ أونغاريتي مدى احتفائه بعلاقته مع اللغة.

يقول عادل السيوي، مترجم أعمال أونغاريتي الشعرية الكاملة إلى العربية: «هو الذي قضى عمره يدور حول المفردات بحذر بالغ، ليكتشف تلك الثغرة التي يمكن أن ينفد منها إلى قلبها، ويحولها بذلك من مفردات متاحة في حيادها، إلى كلمات تخصه وحده، كلمات تنفصل عن القاموس والتداول اليومي»، لتصبح الكلمة في قصيدته، كما قال هو: «هاوية محفورة في الروح».

يعيش أونغاريتي في علاقة دائمة مع اللغة، إذ تتراوح تلك العلاقة بين المشاكسة تارة والمهادنة تارة أخرى. كل ذلك من أجل أن يتمكن من خلق لغة مغايرة تختلف عن اللغة اليومية التي تنحاز إلى التواصل، بصرف النظر عن بنيتها التعبيرية ودلالتها الجمالية. هذه العلاقة مع اللغة تجعل الشاعر يفضل التكثيف والحذف والإيجاز حتى يترك الفرصة للقارئ في أن تتنوع دلالات القصيدة وقت القراءة، بمنأى عما قصده الشاعر وقت الكتابة.

يلاحظ قارئ أونغاريتي مدى احتفائه بعلاقته مع اللغة، تلك العلاقة التي تخلق جدلًا مستمرًّا بين ثنائية الصوت والصمت من ناحية، والبوح والتكثيف من ناحية أخرى. ما يحيل القارئ إلى الهايكو الياباني الذي قال عنه الناقد الإيطالي «لوسيانو ريباي»، في معرض حديثه عن شعر أونغاريتي: «الشعبية الواسعة للشعر في اليابان، تعود في المقام الأول إلى شكله المختصر البسيط والثابت: إنه عنصر مفاجئ يهتز، خطوط قليلة خفيفة تلمِّح إلى مشهد».

قصيدة أونغاريتي تريد أن تثير عددًا لانهائيًّا من الدلالات والصور، في أقل قدر ممكن من الألفاظ، من دون اقتصار على التركيبة البنائية المعهودة لـ«الهايكو»، بل انطلاقًا إلى آفاق أكثر رحابة عن طريق التكثيف.

يقول في قصيدة «حمامة»:

«أصغي إلى حمامة/

من طوفان آخر».

تبدأ القصيدة/الومضة لتنتهي سريعًا، تاركة القارئ غارقًا في البحث عن أصل هذه الحمامة التي تحلِّق في سماء خياله، متسائلًا: هل هذه هي الحمامة التي أقلعت من فلك نوح لتستشرف بقاع الأرض كي تعود بغصن الزيتون؟ وهل من الممكن أن تكون قد ضلت طريقها في الزمن، وبدلًا من أن تعود إلى الفلك، طارت إلى زمن أونغاريتي؟

ثم تعبير «من طوفان آخر»: هل هذه هي الحمامة نفسها الواردة في الكتابات الأسطورية التي تتحدث عن الطوفان، أم إنها حمامة جديدة تنذر بقدوم طوفان جديد (آخر) بدلًا من أن تبشر بنهاية الطوفان القديم؟ ولا يفوت القارئ أن يلاحظ أن الشاعر قال «أصغي إلى حمامة»، ولم يقل: «أحدق» أو «أنظر إلى».

هذا التكثيف، وتلك العلاقة الحميمة والجادة مع اللغة، يلاحظهما عدد من النقاد سمةً أساسيةً في شعر أونغاريتي. إذ يؤكد عبد الغفار مكاوي أن قصيدة أونغاريتي تتميز، منذ العشرينيات، بالتركيز الشديد.

فالكلمة، كما يقول بنفسه، «شق أو صدع في الصمت». إنها شذرة مبتورة، تقف وحيدة مرتعشة بين عالم الأسرار الذي لا تكاد تلامسه. يضرب مكاوي المثال على تكثيف أونجاريتي الشديد بقصيدته التي تتكون من كلمتين فقط: «M,illumino d,immense»، أي «أستضيء باللانهاية»، أو «يغمرني نور الكون الهائل».

هذه القصيدة القصيرة جدًّا، والتي يراها السيوي «أقصر قصيدة في تاريخ الشعر الإيطالي، وربما في تاريخ الشعر الإنساني بأكمله»، كتب أونغاريتي صيغتها الأولى بعنوان «سماء وبحر»:

«أستضيء،

برحيبٍ،

في حركة،

موجزة،

لنظرة».

إلا أن أونغاريتي غيَّر العنوان، وجعله «صباح»، وحذف ما يشير إلى حركة العين، لتبقى الصيغة الأخيرة من كلمتين فقط: «برحيب أستضيء». مع ذلك، فقد تنوعت الترجمة بتنوع المترجمين، إذ ترجمها الدكتور سلامة سليمان: «أتنور في رحابة»، وعبد الغفار مكاوي: «أتجلى باللامحدود»، والدكتور حسين محمود: «أضيء بلا حدود».

هذه الصيغ المختلفة تدل على أن الشعر، وبخاصة إذا أبدعه شاعر مثل أونغاريتي، أوسع من الترجمة، ومهما يجتهد المترجم في أن ينقل الشعر بأمانه، يظل هناك شيء ما مفقود، شيء مرتبط بالخيال والتأويل والمعاني والثقافة الكامنة في لغة الشاعر.

رفض النزعة الإنسانية مقابل «المستقبلية»

الإعراض عن ما هو قديم ومألوف، والطموح إلى الجديد دائمًا، هما اللذان دفعا أونغاريتي إلى التأثر بـ«المستقبلية».

قصائد أونغاريتي تنحاز إلى التأليف (بمعنى الإبداع والخلق، وليس التوليف)، إضافة إلى رغبتها في إنجاز كل ما هو جديد جماليًّا، بدلًا من اللجوء إلى جوانب وجدانية «إنسانية» صارت مشاعرَ مألوفة على الصعيد البشري، ما أسهم في طمس ملامحها الجمالية والإيحائية أو تشويها.

يؤكد مكاوي، في كتابه «ثورة الشعر الحديث»، خلال حديثه عن طرح النزعة البشرية عن الإبداع الشعري، أن شعر أونغاريتي، وبخاصة بعد ظهور ديوانه «عاطفة الزمن» (1936)، ينطق عن حال لا تعرف الفرح ولا الألم، بل تَرِفُّ في جو من التأمل الخالص المحايد، فليس في أبيات القصيدة «قيم نفسية»، مشددًا على أن الإحساسات اليومية المعتادة ينبغي أن تصمت في القصيدة. تلك القصيدة التي سماها «بول فاليري» «عيد العقل»، تحتوي على أشياء لا يمكن أن يتصف بها أي إنسان. فيما يؤكد أونغاريتي أن «النزعة الإنسانية أحاطت الذاكرة بقدر كبير من الاهتمام، لكنها في الوقت نفسه حددت نماذج ثابتة لجمال الشكل».

الإعراض عن ما هو قديم ومألوف، والطموح إلى الجديد دائمًا، هما اللذان دفعا أونغاريتي إلى التأثر بـ«المستقبلية» (Futurismo)، تلك المدرسة التي تأسست في إيطاليا القرن العشرين على يد «فيليبو توماسو مارينيتي»، لتكون ثورة «شمولية» على كل ماضوي قديم. وتشمل تلك الثورة كل الوسائط الفنية، من شعر ونثر ونحت ورسم وموسيقى.

ينشر مارينيتي البيان الأول لثورته في عام 1909، في جريدة «فيغارو» الفرنسية، ثم يتبعه بالبيان الثاني عام 1910، وينشره في نفس الجريدة، محددًا فيه سمات «أدب جديد» يعتمد على «الكلمة المتحررة من السياق، والأقرب إلى كشف تحولات الروح وإيقاعات العصر المشدودة وتوتر الزمن». هذه السمات تتلخص في العبارة التي أطلقها مارينيتي: «خيالات من دون خيوط رابطة». تلك العبارة التي أوردها أونغاريتي في نصه النثري «أسباب الشعر».

مع ذلك، نرى أونغاريتي، كغيره من الشعراء الكبار، لا ينحبسون في نظرة أحادية للجمال، ولا يقتنعون بأن النظرية تسبق الإبداع. إنه لا يكتب وفقًا لبيانات ولا تنظيرات سابقة على لحظة كتابة القصيدة، وإنما يقرأ كل اجتهاد أدبي وجمالي، ثم تنزع نفسه المبدعة إلى خصوصيتها. لذلك لم ينغلق أونغاريتي على «المستقبلية» بماديتها المفرطة، وإنما نستطيع أن نقول إنه اكتشف بقصائده «مستقبلية روحية».

مواجهة «الفاشية» بالغموض

المتابع لمسيرة الشعر، وبخاصة الحديث منه، يكتشف أنه لم ينج من الغموض. إذ إن الشعر لغة الإيحاء، بينما النثر يهدف إلى الإيضاح. فاللغة الشعرية لا تنحاز إلى القول، وإنما إلى الوجود. إن «الكلمة» وليس «المعنى»، في القصيدة هدف في ذاتها، وعلى القارئ أن ينوع دلالاتها وجمالياتها بقراءته هو، لا بما يعنيه الشاعر.

إضافة إلى ذلك، فإن الشعراء يرون أنهم يجب أن يعبروا عن العالم بصدق فني. والعالم ليس واضحًا إلا أمام من لا يهتم به، فيما يصطدم المبدعون بغموض الحياة وعبثيتها، فتخرج قصيدتهم صورة عن هذا الغامض العبثي.

انحياز أونغاريتي إلى الرمز والإشراق والسر والغموض والهمس، جاء مقابلًا لضجيج الحرب، ولبلاغة الفاشية المنغلقة على نفسها انغلاقًا يخلو من أي بلاغة.

قصيدة أونغاريتي أيضًا، بخروجها على الدلالات الاعتيادية للألفاظ، واحتفائها بالخيالات التي لا رابط بينها أو سياق، اتسمت بشيء غير قليل من الغموض. فهي لا تعطي نفسها للقارئ من أول مرة، ولا يستطيع أن يقرأها بطريقة بسيطة. إنها تتعدد بتعدد قرائها، وقد يجد فيها قارئها معاني لم يقصدها الشاعر.

لعل هذا ما دفع عبد الغفار مكاوي إلى أن يقول: «لا يصح أن نحاول فهم قصائد أونغاريتي من ناحية المضمون (...)، والواجب أن ننظر إلى كلماتها كصيغ صوتية وأشكال نغمية تبعث صدى ساحرًا».

السحر والإيحاء في اللغة الشعرية يحيلاننا إلى «الهرمسية» (Hermestim)، وهي حركة تأسست في أوروبا القرن العشرين، وراحت تنادي بالغموض والإيحاء في الشعر بدلًا من الوضوح والتصريح. من ممثلي هذه الحركة في إيطاليا: «يوجينيو مونتالي» و«سلفاتوري كوازيمودو» و«أونغاريتي».

إذ تأثر هؤلاء الشعراء بالرمزيين من القرن التاسع عشر، أمثال: «رامبو» و«مالارميه». وراحو يؤكدون على طابع الغموض والسحر والإشراق في الكلمة الشعرية، والعلاقة بين القصيدة والاتصال الماورائي الشبيه بتواصل العرافين مع القوى غير المرئية. من هنا، نجد أن انجذاب أونغاريتي إلى «الهرمسية» فتح عينيه على شعراء سبقوه في هذه الطريق ليتأثر بهم، منهم «أبولينير» و«فاليري» و«سان جون بيرس».

نستطيع أيضًا أن نقول إن انحياز أونغاريتي إلى الرمز والإشراق والسر والغموض والهمس، جاء مقابلًا لضجيج الحرب، ولبلاغة الفاشية المنغلقة على نفسها انغلاقًا يخلو من أي بلاغة. ففي دوامة هذا العنف، نجد الشعراء ينحازون إلى الصمت كحل بديل عن الوضوح الذي قد يسوقهم إلى المشنقة. لكن صمتهم هو الآخر يتحول إلى شعر، حتى وإن كان شعرًا ذا طابع «هرمسي» يحتاج إلى قدرة خاصة من القراء لفك طلاسمه، ليتأكد لنا قول أونغاريتي نفسه عن أن «الشعر الحقيقي لا يظهر إلا محاطًا بالأسرار».