سلطنة

نينا سيمون: أن تكون أسوَد موهوبًا غاضبًا

الصورة: Getty/Michael Ochs Archives

كانت الفنانة الأمريكية «نينا سيمون» المولودة سنة 1933 في ساوث كارولينا، جنوب الولايات المتحدة الأمريكية، نموذجًا للفنان المواكِب للأحداث السياسية في بلاده. وعُرِفت بلون سياسي واجتماعي عبَّرت عنه من خلال الرمز في الفن الذي قدمته إلى جمهورها الأمريكي والعالمي.

نشأة سيمون في عائلة فقيرة لم تمنعها من تعلُّم العزف على البيانو وإتقانه في مرحلة مبكرة من عمرها في الكنيسة. ولعل ملهِم سيمون الأول كان الموسيقي الكلاسيكي الألماني «باخ» الذي أظهر نبوغًا في عزف الموسيقى الكلاسيكية الكنسية. وقد شكل المذهب البروتستانتي الأساسين النظري والروحي لمقطوعاته الموسيقية التي ألهمت سيمون.

معلمة الموسيقى ذات البشرة البيضاء تبنَّت موهبة سيمون، واندهشت من عزيمتها الراسخة وإيمانها بأنها ستكون في يوم ما أشهر عازفة بيانو كلاسيكية سوداء البشرة. كان يسكنها حلم أكبر من جسدها، وهي تقترب من تحقيق حلمها، سائرة إلى المدرسة كانت مجبرة على الاستماع إلى شتائم عنصريين بيض. هذا ما ولَّد لديها شعورًا بالخوف وعدم الأمان. تقول سيمون: «الحرية أن لا أخاف».

بقي حلم سيمون مُكلّلًا بالصعوبات والعثرات، عندما لم يُقبَل طلبها لدراسة الموسيقى الكلاسيكية في مؤسسة «Curtis Institute of Music» بسبب لون بشرتها. كان هذا سببًا كافيًا ليجعل خوفها من نظرة العنصريين البيض تتحول إلى غضب عليهم وسخط من نظرتهم الدونية للسود. انتقلت بعد ذلك إلى العزف وغناء موسيقى الجاز والبلوز في الحانات، وأبدعت في هذه الموسيقى بأسلوبها المتفرد.

لما اختارت نينا سيمون موسيقى البلوز والجاز؟

بالنسبة إلى سيمون الجاز موسيقى إفريقية عريقة ويجمع بين الأنغام الأوروبية والإيقاعات الإفريقية، وتطور على يد الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية. ظهر الجاز والبلوز في جنوب أمريكا، ليس بعيدًا عن المكان الذي وُلِدت فيه سيمون وامتدت فيه جذورها الإفريقية.

إن عظمة الفنّ لا تقف عند ارتقائه بالذّائقة العامّة، بل بانفتاحه على قضايا المجتمع الأكثر عمقا وتشعبا وتفاعله مع الأحداث السياسيّة بطريقته المميّزة. هذا هو الفنّ الذّي قدمته نينا سيمون لجمهورها، فأين يكمن تفرّدها إذا؟

في الفن الذي يجد جذوره في الواقع ويتعامل معه ثم يتحرر من كل ما يمكن أن يعيق نموه. لم يكن من الممكن بالنسبة إلى سيمون أن تنسلخ من واقع الاضطهاد وتتجاهل الظلم الاجتماعي الواقع على السود.

لعل الحدث الأشد وطأة عليها تفجير الكنيسة المعمدانية في شارع 16 في برمنغهام ألاباما، سنة 1963، على يد عنصريين بيض. راح ضحيته أربع فتيات صغيرات من ذوات البشرة السوداء. خلَّفت هذه الحادثة العنصرية شعورًا عميقًا بالألم والغضب داخل سيمون، وترجمت هذا الشعور بكتابتها أغنية «Mississippi goddam» (اللعنة عليك يا مسيسيبي) عام 1963.

بالنسبة إلى سيمون، كانت هذه الأغنية الأكثر عنفًا. أما جمهورها، فرأى الأغنية رمزًا لـ«حركة الحقوق المدنية»، وعنوانًا لنضال السود في أمريكا. إذ سارعت إلى الالتحاق بالسود الناشطين في هذه الحركة. وتأثرت برموز «حركة الحقوق المدنية للسود» مثل «مارتن لوثر كينغ» و«مالكوم إكس» و«جيمس بالدوين».

انخراط سيمون في النضال ضد العنصرية، باعتبارها امرأة سوداء البشرة، جعلها لا تفصل بين الفن والسياسة.

وتأثرًا بسلسلة من الحوادث العنيفة، وإيمانًا بعدالة قضية ذوي البشرة السوداء، تحولت سيمون من فنانة متمردة على المجتمع الأمريكي إلى ناشطة ومدافعة عن الحقوق المدنية للسود.

أظهرت ارتباطًا كبيرًا بالقضايا السياسية، وبخاصة المتعلقة بالسود، وإعجابًا بشخصية القائد الإفريقي نيلسون مانديلا. بل أكثر من هذا، إذ إنها لم تكن رافضة لاستخدام العنف أو ما يسمى «الكفاح المسلح» لنيل الحقوق المدنية بأي وسيلة.

قالت في حوار أجرته معها «أليسون بويل» سنة 1997، في منزلها بجنوب فرنسا: «أنا متمردة حقيقية في ما يخص القضايا. إن أكثر القضايا التي تشغلني دومًا هي المساواة التامة بين البشر في جميع أنحاء العالم».

انخراط سيمون في النضال ضد العنصرية باعتبارها امرأة سوداء البشرة، جعلها لا تفصل بين الفن والسياسة. إذ إنها تشعر بالمسؤولية تجاه معاناة السود، وتقول: «لا أعتقد أن لديك أي خيار آخر كفنان، إلا أن تعكس هموم الفترة التي تعيش بها، وبخاصة عندما يكون كل يوم عبارة عن صراع من أجل البقاء».

ما قيمة الفنان إذا تجاهل مَن حوله؟ هذا السؤال شكَّل جوهر حياة سيمون وفنها لأن موسيقى الجاز كانت بالنسبة إليها أكثر من مجرد موسيقى، بل رمز كينونتها المتمردة وأسلوب حياة ملتزم.

أهدت سيمون إحدى أغنياتها التي تحمل اسم «أن تكون صغيرًا وموهوبًا وأسود» (To Be Young, Gifted and Black) إلى روح صديقتها «لورين هانزبيري»، كاتبة مسرحية «A Raisin in the Sun»، التي كان مضمونها يدور عن حياة الأمريكيين السود، وتسلط الضوء على الظروف الاجتماعية والظلم والقهر الواقع عليهم في شيكاغو.

تجربة الالتزام الفني التي خاضتها سيمون، والتعاطي مع الأحداث السياسية، انعكسا على فنها وأغانيها التي أصبحت تحريضية، وتميل إلى المقاومة بالعنف.

كشف الفيلم الوثائقي «?What Happened Miss Simone» عام 2015، عن جملة من المشكلات والاضطرابات النفسية التي واجهتها سيمون، إضافة إلى التسلط المعنوي والتعنيف الجسدي الذي كانت تتلقاه من زوجها ومدير أعمالها «أندرو سترود» الذي كان يختلف معها في نظرته إلى الفن باعتباره ذا توجه فني تجاري.

هذه الأسباب جعلت سيمون تعتقد أن إلغاء العبودية قانونيًّا لا يكفي لإلغاءها اجتماعيًّا. فهي ما زالت قائمة في منهج التفكير الأمريكي. يوثِّق هذا الفيلم أهم مراحل حياة سيمون و أكثر الأحداث تأثيرًا في نفسها، ويتضمن مسيرتها الفنية وأنشطتها النضالية دون أن تنسى المخرجة التسلل إلى أغوار شخصية سميون لتعرية تعقيداتها وتناقضاتها المزاجية والضغوطات النفسية والاجتماعية التي تواجهها.

عندما تسلل اليأس إلى عمق البنية النفسية لسيمون، وتوغل فيها الشعور بالانكسار، أصبح تغيير الواقع مهمة صعبة أمامها، وصارت أكثر غضبًا على الفشل الأمريكي. فهي التي لم تخش أن تنعت الولايات المتحدة الأمريكية بـ«بلد الأكاذيب والوهم»، كما تنقله الصحفية «أليسون بويل»، البلد الذي لن تنتهي فيه العنصرية ضد السود أبدًا.

فهل كان حلم سيمون عجيبًا أم مستحيلًا أم مؤجَّلًا؟

لم يتبخَّر حلم المساواة بين البشر الذي كان عيبه الوحيد أنه لم يكن مواليًا للمنطق الأمريكي، لكنه جعل الفنانة الحالمة تستفيق باندهاش وحنق أمام الواقع الذي كان سببًا لخلق هشاشة نفسية وشعور بالإخفاق «الجماعي» والإخفاق أمام نفسها، ثم مساءلة نفسها باستمرار: «ماذا إذا لم أكن جيدة ومقنعة بما يكفي؟».

هربًا من جحيم العنف المعنوي والجسدي و التمييز العنصري في أمريكا، هاجرت سيمون سنة 1974 إلى إفريقيا بحثًا عن نفسها وعن السلام النفسي. كانت قد تحررت من أَسْر الزواج الذي انتهى بكدمات في جسدها والطلاق من زوجها لتصل إلى ليبيريا، حيث كان يعيش معظم العبيد الأمريكيين. كانت ليبيريا بالنسبة إليها أشبه بالحلم، بالعالم المثالي الفسيح الحر، بالمنزل الخالي من القواعد. كان ذلك المكان عالمًا من السعادة: دون عمل، دون ارتباط، دون التزامات، دون زواج.

عندما وصلت إلى ليبيريا قالت سيمون: «أمريكا التي حلمت بها خلال الستينيات، بدت مُزحة سخيفة الآن. مع نيكسون في البيت الأبيض والثورة السوداء أصبحت محل ديسكو».

لكن هذا العالم المثالي كان مجرد فسحة قصيرة المدى ومَعبَر مرور إلى أوروبا (سويسرا وفرنسا)، لتستقر أخيرًا في جنوب فرنسا، حيث عاشت حياة هادئة نسبيًّا، لكنها لم تخلُ من العزلة والوحدة والاكتئاب الحاد.

لا شك أن تأثُّر سيمون بالأحداث السياسية وتأثيرها فيها كان المحور الأساسي في فنها. فهي عازفة البيانو الباحثة عن الكمال والتميز في ما تقدمه، وهي المجتهدة في تمريناتها، وهي نفسها مغنية الجاز التي سعت إلى تقديم قضيتها إلى جمهورها بشكل مباشر أحيانًا أو غير مباشر، حسب وجهة نظرها، وقالت ما أرادت قوله بصراحة وحرية.

سيمون التي كرَّست حياتها للموسيقى وللحرية بكل شجاعة، كانت إيقاعاتها وكلماتها عابرة للقارات والأمكنة، ورددت دومًا هذه الكلمات: «لم أتغيَّر. لم أغيِّر شعري. لم أغيِّر لوني. كنت دومًا فخورة بنفسي، وكان المعجبون فخورين بي لأنني بقيت كما كنت دومًا».

,