حرف جر

ناصر الظفيري: الحزين على الحلم، القوي على المرض

الصورة: محمد سالم

الجمعة 22 من مارس 2019. رجال بأحذية ثقيلة ومعاطف داكنة يسيرون على لوح خشبي عريض لتجنب البلل، يؤدي بهم إلى ممشى ثلجي سميك، تنتظرهم في نهايته حفارة حمراء صغيرة انتهت للتو من مهمتها: حفر قبر.

تقف أشجار عارية اﻷوراق في مقبرة للمسلمين في أوتاوا الكندية، شاهدة على جنازة أخرى يشيعها طلبة ومهاجرون، حاملين صندوقًا خشبيًّا، ليدفنوا في القبر رجلًا تمنى أن يُدفن بجانب والديه، ولم ينفض عن ظهره غبار المدينة التي وُلد فيها. كان هذا جثمان ناصر الظفيري.

الظفيري، الصحفي والقاص والروائي، الكويتي البدون ثم الكويتي الكندي، المناضل لقضيته التي لم ينسها حتى عندما أصبح كنديًّا بالجنسية، والمناصر للأدب برسالته وجماليته، وأخيرًا المقاتل الشرس لمرض السرطان الذي عرفه ضيفًا ثقيلًا منذ أواخر عام 2016.

في معاركه الثلاثة الكبرى، خرج ناصر منتصرًا.

في اﻷولى استطاع إيصال أصوات المحرومين من ورقة الانتماء عبر حواراته ومقالاته، وإثبات أن كونه بدون أوراق لا يعني أنه دون وطن، وأصر على أن ينتمي ما كتبه إلى الكويت. وفي معركته الثانية، دعم رؤيته للأدب بقصص وروايات صارت علامة مهمة في الأدب العربي المعاصر، وتقوم على مشروع حقيقي يتمثل في مسألتي الهوية وعلاقة السلطة باﻷفراد. أما المعركة اﻷخيرة، فواجهها ناصر بشجاعة جعلت أصدقاءه ومحبيه يتفاءلون بالتحسن، لدرجة أنهم تفاعلوا مع خبر موته وكأنه مفاجأة.

الجهراء: ولادة صاحَبَتها اﻷسئلة

الجهراء القديمة

عندما ولد ناصر الظفيري في عام 1960 ﻷسرة بسيطة، لم يعلم أن أسئلة كبرى ستولد معه، أوسع من محيط مدينته والعالم، أسئلة حملها معه إلى كندا واجتهد في البحث عن تفسير لها.

لم تكن هنالك فروقات كثيرة ولم نعرف إن هذا الشخص كويتي أم لا، ﻷنكم عندما تكونون فقراء لدرجة معينة، فإن الفقر لا يميز.

أول الأسئلة كانت الفقر، في مدينة أخذت بالتوسع واستيعاب البدو الذين استقروا أخيرًا. فبينما كانت الجهراء تعج بالعشيش ومشاهد البؤس، كانت مدينة الكويت تزدهر بفضل الثروة النفطية، وهُدمت بيوت الطين لتحل محلها الطرق الحديثة والبنايات الضخمة والمنازل الواسعة. أما مدينة اﻷحمدي، حيث صناعة النفط، فامتلأت بالمهندسين والموظفين اﻷجانب الذين يقطنون البيوت المصممة على النمط الغربي، ويقضون أيام الفراغ في أحواض السباحة وملاعب التنس، ويسهرون في البيوت والنوادي الاجتماعية.

تعايش الظفيري مع واقع الفقر في الجهراء، التي أنهى فيها تعليمه المتوسط والثانوي، واصطدم بتساؤل جديد في صيف 1979، عندما تقرر عدم قبول الطلبة عديمي الجنسية (البدون) في جامعة الكويت، وكان ناصر أحدهم.

في حوار له مع الشاعر مهدي سلمان في البحرين، استذكر الظفيري ما وصفه بالاكتشاف الخطير: هنالك ما هو غير محسوس في حالة التساوي بالفقر، ثمة أناس يملكون شهادة جنسية وآخرون محرومون منها: «لم تكن هنالك فروقات كثيرة ولم نعرف إن هذا الشخص كويتي أم لا، ﻷنكم عندما تكونون فقراء لدرجة معينة، فإن الفقر لا يميز».

بعد إتمام الثانوية وحرمانه من الدراسة الجامعية، لم يكن أمام الظفيري وغيره من عديمي الجنسية سوى الانضمام إلى الجيش أو الشرطة، فانضم لوزارة الدفاع جنديًِّا في سلاح الطيران.

في شهادة غير منشورة من قبل، أرسلها لي شخصيًّا قبل وفاته، تذكر هذه المرحلة كاتبًا: «حين دخلت المعسكر ﻷول مرة في حياتي، وذلك بعد إنهاء الدراسة الثانوية العامة، كانت الوجوه معروفة لدي، عاشرتها في حياتي وإن كان عن بعد. لم أكن ملتصقًا بها، لا أمارس الكثير من العادات والطبائع التي تمارسها، لكنني أرى نفسي اﻵن مضطرًا ﻷن أقتسم يومي مع هؤلاء الشباب، أستمع لحواراتهم وشجاراتهم وشتائمهم المبتكرة، ونظرتهم لشاب يبتعد عنهم بكتبه وموسيقاه. لا أعلم إذا كنت أُثير في داخلهم شيئًا من النفور أو محاولة الاقتراب، لكنني أعلم أننا عنصران بعيدان تمامًا عن التآلف».

«ما أثارني خلال هذه الفترة الطويلة هم أنهم لم يكونوا نسخة واحدة، ففي كل وجه وخلف كل جلد آدمي هناك إنسان مختلف عن اﻵخر، فقد تجد الطيب لفترة محددة قبل أن ينقلب إلى شخصية أخرى أقرب منه إلى الشر، وقد يكون العكس، فالشرير الذي يمارس سطوته على اﻵخرين يتحول فجأة إلى إنسان طيب».

ختم الظفيري شهادته ذاكرًا أنه «في المقابل، كان هناك الكثير من الشخصيات التي عاشرتها، والتي قدمتْ لي نماذج من العساكر اﻷصيلين سواء بشجاعتهم أو كرمهم، هؤلاء الذين رسمتهم في مجموعة من أعمالي الروائية، ورغم فارق السن بيني وبينهم تعلمت منهم الكثير من الصبر والحكمة».

ناصر الظفيري: انفراجة نادرة وجماعة أدبية

الصورة: جريدة الراي

في عام 1982، سُمح بقبول عديمي الجنسية في جامعة الكويت، ليقرر ناصر الظفيري ترك عمله في وزارة الدفاع والانتظام في الجامعة ودراسة الهندسة المدنية.

لم تكن فرصة السماح لعديمي الجنسية بالدراسة في جامعة الكويت مهمة للظفيري دراسيًّا فحسب، بل مهمة أيضًا على الصعيد الثقافي والصحفي.

منذ ما قبل الجامعة، كان الظفيري مولعًا بقراءة اﻷدب العالمي وخصوصًا الروايات الروسية، مثل «المعلم ومرغريتا» لبولغاكوف و«كيف سقينا الفولاذ»، وكان يحرص أن يجد أحدًا يقله لمعرض الكتاب حاملًا معه مصروفه الضئيل، مغتنمًا فرصة الخصومات والعروض على الكتب في المعرض.

لم تكن فرصة السماح لعديمي الجنسية بالدراسة في جامعة الكويت مهمة للظفيري دراسيًّا فحسب، بل مهمة أيضًا على الصعيد الثقافي والصحفي. في إحدى مقالاته في جريدة «الجريدة» الكويتية، كتب الظفيري أنه «في الثمانينيات كان النشاط الثقافي يشهد حراكًا كبيرًا، من خلال نادي أعضاء هيئة التدريس، الذي اعتاد تقديم نشاط ثقافي يقوم عليه أساتذة ومفكرون من أقسام الجامعة، وكانت تلك فرصة للجمهور المهتم بمتابعة محاضرات عامة للأساتذة فؤاد زكريا وجابر عصفور وإمام عبد الفتاح إمام، وغيرهم كثير من رواد الفكر العربي».

لم يكتفِ الطلبة بأنشطة أعضاء هيئة التدريس، بل أسسوا «الجماعة الأدبية» التي ضمت طلابًا من مختلف الكليات، منهم ناصر الظفيري والشاعرة سعدية مفرح والكاتبة عالية شعيب، يناقشون ما قرأوه من كتب ويتبادلون اﻵراء بشأن نصوصهم، ويُسهمون في الصفحة الثقافية لجريدة «آفاق» الجامعية، التي كان يحررها الظفيري بإشراف الدكتور عبد الله الغزالي.

وفي عام 1982، نشر الظفيري أولى قصصه القصيرة في صحيفة «الوطن» الكويتية، تبعتها قصص أخرى في صحف ومجلات عدة.

من وليمة القمر إلى سماء مقلوبة

الصورة: Jonas Jordan

تخرج الظفيري مهندسًا مدنيًّا، وعاد إلى العمل في وزارة الدفاع نهارًا، وفي صحيفة «الوطن» مساءً محررًا لصفحة الثقافة.

تتذكر سعدية مفرح في مقال لها أن الظفيري «كان يجلس هادئًا، رغم الصخب المتوقع والمعتاد في قاعة تحرير صحيفة يومية تضم عشرات المحررين، لكنه لا يعبأ بهم ولا يبالي بأصواتهم ولا رائحة سجائرهم ولا نقاشاتهم. كان يتجاهل كل هذا ويكتب قصصه ورواياته وقصائده ومقالاته بنفس المزاج الساكن. لا يهتم إلا بما أمامه على المكتب: رزمة من اﻷوراق البيضاء وأقلام رصاص ومبراة وممحاة».

استعد الظفيري لنشر مجموعته القصصية اﻷولى «وليمة القمر» في عام 1987، لكنه اصطدم برقابة مسبقة فُرضت على المطبوعات ومنها الصحف بعد حل مجلس اﻷمة وتعليق العمل بالدستور، ولم تُجاز المجموعة، حتى سمح له أخيرًا بنشرها بعد ثلاث سنوات من تقديمها.

لم تتلق المجموعة قراءات نقدية أو انطباعية في الصحف والمجلات، والسبب ليس فنيًّا أوأدبيًّا، بل عسكريًّا وسياسيًّا، فما أن نُشرت «وليمة القمر» حتى وقع الغزو العراقي للكويت بقيادة صدام حسين، ليخرج الظفيري إلى السعودية ويعود بعد التحرير.

عاد ناصر الظفيري إلى الكويت بذكرى زيارته للندن عام 1989، وفيها شهد مظاهرات لمعارضين عراقيين أكراد يحملون صورًا ﻷطفال قرية حلبجة بعد تعرضها لهجوم كيماوي شنته قوات النظام العراقي. تحفَّظ الظفيري على الكتابة المباشرة عن كارثة الاحتلال غير المفرقة بين السلطة والشعب قائلًا: «كان عليَّ أن أكتب بوعي وسط هذا الضجيج. أن لا يضيع فن الكتابة تحت وطأة هذا الغضب».

بات الهدف واضحًا: تناول قضية خطر اﻷنظمة الشمولية واستبدادها وأن تصبح القضية الكردية نموذجًا، وتجنب تناول احتلال الكويت كي لا يقع في فخ المباشرة. فكتب الظفيري رواية «عاشقة الثلج» بين فبراير 1991 وأغسطس 1992، باستخدام ممحاة وقلم الرصاص المفضل لديه مقاس B2.

بعد انتهائه من «عاشقة الثلج»، وتلاشي مشاعر الغضب من الاحتلال، لتحل عنها الانشغال بهموم عودة اﻷمن وإزالة اﻷلغام، وعودة الخدمات اﻷساسية إلى وضعها قبل الغزو، والآثار النفسية والاجتماعية إثر تلك التجربة.

كانت القضية اﻷخيرة محور تفكير الظفيري وقصصه القصيرة التي جمعها تحت عنوان «أول الدم» في عام 1993. تكرر سوء الطالع في «أول الدم» كما مع «وليمة القمر»: كانت النسخ المطبوعة في حالة سيئة لا تصلح للبيع، ما جعل الظفيري يضطر إلى إتلاف النسخ، وأبقى منها 50 نسخة أهداها للمقربين، ولم يعاد نشر المجموعة حتى عام 2017، حين أضاف إليها ناصر أربع قصص جديدة بعنوان مختلف هو «أبيض يتوحش».

بعد عامين من إتلافه نسخ مجموعته «أول الدم»، نشر الظفيري ثاني رواياته «سماء مقلوبة». كانت الرواية الأولى التي تتخذ من الجهراء مكانًا، وكانت شخصيات الرواية ممن يوصفون بالمهمشين اجتماعيًّا، وأعلن الظفيري لاحقًا أنه لم يحدد ما إذا كان البطل «سليمان» كويتيًّا أم عديم الجنسية ﻷن الرواية وقعت في الستينيات والسبعينيات، ولم يكن من في سن سليمان يعلم بوجود قضية كهذه.

هجرة وأغرار

الصورة: pxhere

في التسعينيات، شددت الحكومة الكويتية على عديمي الجنسية، فقُنن صرف الجوازات المؤقتة وأوقف توثيق شهادات الميلاد وعقود الزواج. كان الظفيري أسس أسرة صغيرة، وأصابه قلق كبير مما سيحمله المستقبل، عدا تخييره من رؤسائه بين العمل في وزارة الدفاع والكتابة، فاختار اﻷخيرة ومعها مستقبل أسرته، ليقرر الهجرة إلى كندا عام 2001.

في كندا، اجتهد ناصر في التأقلم مع حياته الجديدة، مع الثلوج واستخراج أوراق الثبوتية والهويات. وقرر أنه سئم الهندسة، ليلتحق بجامعة كارلتون وينال بكالوريوس اﻷدب اﻹنجليزي، ويتبعها بماجستير في اللغويات ودبلوم عالٍ لتعليم اللغة اﻹنجليزية كلغة ثانية. اكتسب الظفيري خلال دراسته إعجابًا وتقديرًا للرواية اﻷمريكية واﻹنجليزية، وازداد إعجابًا بتجربتي «وليام فوكنر» و«إرنست هيمنغواي».

حاول الظفيري التوفيق بين شؤون أسرته ودراسته ثم عمله مدرسًا للغة اﻹنجليزية للمهاجرين في الملحقية الثقافية السعودية، وأخيرًا إيجاد الوقت الكافي لاستكمال إحدى مخطوطتين رافقتاه في الطائرة من الكويت.

اكتملت إحداهما، رواية «أغرار»، التي نشرت عام 2008، وتناول فيها الظفيري هيمنة السلطة اﻷبوية على مصائر اﻷبناء، دون تحديد المكان. تمتعت الرواية بلغة سردية عالية وتعدد في التقنيات، مشيرة إلى تصاعد في فنون السرد لدى الظفيري. وتمر سنوات خمس حتى تكتمل المخطوطة الثانية المدشنة للمشروع اﻷبرز في مسيرة الظفيري الروائية.

ثلاثية الجهراء

الصورة: وليد السبيعي

شكَّل صدور رواية «الصهد»، الأولى ضمن ثلاثية الجهراء، حدثًا مهمًّا في مسيرة ناصر الظفيري الروائية، وأكسبته قاعدة جديدة من القراء احتفت بروايته، التي نفدت من الناشر في ظهورها اﻷول في معرض الكويت للكتاب.

عالج في تلك الرواية مسألتي التاريخ والهوية، وكيف يتشكلان بطريقة تجعل مصائر اﻷفراد مختلفة، وتطرق تحديدًا إلى الجذور التاريخية لقضية البدون في الكويت. حفلت الرواية باقتباسات تذكرها القراء في مواقع التواصل الاجتماعي بعد وفاة الظفيري، منها «غادرت وطني ليس ﻷنني لا أنتمي إليه، وإنما غادرته ﻷنني لا أريد له أن يغادرني».

وطني هو إعاقتي اﻷبدية التي لن أُشفى منها أبدًا.

بعد تناوله المسار التاريخي لقضية البدون، تصدى الظفيري لموضوعات السلطة وعلاقتها باﻷفراد في ثاني أجزاء الثلاثية، «كاليسكا»، التي نشرت في عام 2015. ورغم منعها في الكويت بسبب تشدد الرقابة في تناول موضوعات البدون، وصلت إلى كثير من القراء بفضل مجموعة من أصدقاء ناصر الذين تكفلوا بتوزيعها.

في «كاليسكا»، يبدي ناصر اهتمامًا بالهوية يمتد خارج وطنه الكويت، ويتناول قضية السكان الأصليين لكندا، قائلًا على لسان البطل: «وطني هو إعاقتي اﻷبدية التي لن أُشفى منها أبدًا».

اختتم الظفيري الثلاثية برواية «المسطر» عام 2017، ومُنعت كسابقتها في الكويت. وعبْر شخصياتها الثلاثة، رسم ناصر مصائر كل واحد وفقًا لخياراتهم في البقاء أو الهجرة. كُتبت الرواية بعد الاكتشاف الخطير الثاني في حياته.

الغربة والمرض

الصورة: علي عاشور

عرف إصابته بسرطان القولون نهاية عام 2016، وخلال تلقيه العلاج الكيماوي استمر في الكتابة، ونجح في التغلب على التعب ونشر «المسطر»، لكن المرض لم يمكِّنه من ممارسة عادته السنوية بقضاء إجازة في الكويت تزامنًا مع معرض الكتاب، ليضمن فرصة لقاء أكبر عدد من اﻷصدقاء.

لم يزر ناصر الكويت طيلة عام 2017 بتوصية من طبيبه، حتى سمح له أخيرًا بقضاء إجازة قصيرة في إبريل 2018، وخلالها كُرِّم في رابطة اﻷدباء احتفاءً بمسيرته.

بعد إجازته اﻷخيرة، ورغم اشتداد المرض، نوى الدخول في مشروع روائي جديد مختلف عن الثلاثية، قضية تهم الشرق والغرب، قضية تطرف المهاجرين، وتحديدًا الجيل الثاني منهم.

لم يكتب ناصر الظفيري سوى القليل من تلك الرواية بسبب المرض، وقبل دخوله المستشفى نشر تغريدة على تويتر كتب فيها: «حزين على حلم مر أمامي دون أن أتمسك به، وبدأت أستعيد أحلامًا لا حصر لها تتحرك باتجاهي وتبتسم، هي أحلام كانت أكبر من قدرتي على الاحتفاظ بها».