الشاشة

فيلم «Tully»: حاجة الأمومة إلى حوريات البحر

لقطة من فيلم «Tully» - الصورة: BRON Studios

ملحوظة: يحتوي هذا الموضوع على حرق لأحداث فيلم «Tully».


قررت الهروب من الواقع إلى الخيال ومشاهدة فيلم عن الأمومة. سيكون إذًا فيلمًا لطيفًا ودافئًا ومُطَمئنًا. لكن الخيال صدمني أيضًا.

فيلم «Tully» لمخرجه «جيسون ويتمان» عمل فني شخصي جدًّا لكل امرأة مرت بتجربة الإنجاب لمرة أو أكثر، فيه تفاصيل تعرفها جيدًا كل أم، حتى إن غالبية أحداثه عبارة عن مشاهد مألوفة مرت بها كل الأمهات.

من الممكن أن يثير الفيلم في من تراه، مشاعر الحنين إلى تلك الأيام، خصوصًا إذا كانت قد مرت فترة طويلة على هذه التجربة. لكن من المرجَّح جدًّا أن تثير مشاهدته الشعور بالمعاناة واليأس والحزن أيضًا.

هنا لأهتم بك

في المشهد الذي جمع مارلو وتولي لأول مرة، أدركت أن أجمل عبارة يمكن أن تقال لامرأة بعد كلمة «أحبك»، جملة قالتها تولي للأم: «أنا هنا لأهتم بك».

هل فكر الآباء في ما يحدث في البيت الهادئ اللطيف، أو هكذا يظنونه، صباحًا بينما هم في العمل يكدحون لأجل لقمة العيش؟ هل هم حقًّا يتخيليون أنه لا يقطع هذا الهدوء سوى ضحكات الأطفال، بينما هم يجرون وراء بعضهم كما يُعرَض في الأفلام، أو كما يجدونه مساءً عندما يعودون ليجدوا الصغار في الفراش نائمين ينعمون بالدفء والشبع؟ هل فكروا في أوقات الجوع والبرد والمرض والفوضى والتذمر وسوء السلوك؟

في الفيلم نرى «مارلو»، المرأة التي وضعت حديثًا طفلًا ثالثًا بعدما بلغت عامها الأربعين، وتفكر لأول مرة في أن تجعل «غريبًا» يعتني ليلًا بطفلتها في شهورها الأولى، حتى تستطيع هي أن تؤدي مهمات الأم والزوجة في النهار: «مربية ليلية» كما يُطلَق عليها.

تأتيها «تولي»، الفتاة الشابة النشيطة بوجهها البشوش، لتخبرها بأنها ستحمل عنها عبء ليلة كاملة، بل وكل ليلة منذ هذه اللحظة، ليس في ما يخص الرضيعة فقط، وإنما أكثر من هذا.

في المشهد الذي جمع مارلو وتولي لأول مرة، أدركت ما هي أجمل عبارة يمكن أن تقال لامرأة بعد كلمة «أحبك»، وهي الجملة التي قالتها تولي للأم: «أنا هنا لأهتم بك».

فكرت: ياللروعة، إنسان آخر مسؤول عن راحتي، إنه شيء أقرب إلى الخيال. إنسان آخر يتولى عني مهماتي الليلية على الأقل في هذه الفترة الصعبة من حياتي، بينما أنا نائمة في حالة هدنة مع الحياة، تنتهي مع طلوع الصباح. تقول مارلو: «أنا لست معتادة على أن يقدم الآخرون خدمة لي».

كحال معظم الأمهات، هن معتادات على أن يفعلن كل شيء بأنفسهن. إن عرض المساعدة من الآخرين يبدوا لطيفًا حقًّا، ولكن كل أم تراه صعب التحقق، حتى إذا كان على شكل خدمة مدفوعة الثمن. إنها تعرف في النهاية أن لا أحد سيتمكن من أن يفعل ما تفعله هي على النحو الذي تفعله به، وما يحمله من اهتمام حقيقي وجودة مثالية في كل شيء.

تقول مارلو: «لو كان لديَّ حلم لم يتحقق، كنت سأحنق على العالم. لكن عوضًا عن ذلك، فأنا أجد نفسي حانقة على نفسي».

إن عقل الأم لا يتوقف لحظة عن التفكير في كل شيء: ما صار وسيصير، ولماذا يحدث كل شيء؟ ومن الملوم؟ وكيف تدفع الأذى وتجلب السعادة. كل شيء يقع على عاتقها، وهي المسؤولة عن كل شيء داخل البيت. نحنق على أنفسنا عندما لا نرضى عنها، أو لا نرضى عما وصلنا إليه في الحياة.

تعاني مارلو حتى من أتفه الأشياء، كالماء المسكوب على المائدة. تعاني وهي تقص أظافر طفلتها، وهي تُغيِّر حفَّاضات طفلتها. تركض مارلو دائمًا لتلحق بشيءٍ ما، أو لتمنع شيئًا سيئًا آخر من الحدوث. تصرخ على طفلتها التي ترفض أن تأخذ «اللهَّاية» بعد أن توسلت إليها أن تأخذها وتسكت. لذلك ليس من الغريب أن نعرف رأي مارلو في الأمومة: «مرحاض صارخ كبير».

الإحساس المستمر بالذنب

تقول مارلو: «الأمهات العظيمات من ينظمن حفلات المدارس، ويُعدون الكب كيك. إنها الأشياء التي تتعبني جدًّا».

عندما تصبحين أُمًّا، يتغير كل شيء. هذا الجسم المنتفخ، وهذه العلامات البيضاء والهالات السوداء والندوب، كلها تصبح جزءًا منك.

الإحساس بالذنب صديق الأم الصدوق، يرافقها منذ الحمل وإلى الأبد: هل هي أُم جيدة؟ هل يشعر أطفالها بما يكفي من الحنان؟ هل منعت عن أطفالها الحلوى؟ يا إلهي. هل منعت عن أطفالها الحلوى؟ كم أم قاسية؟ كيف يمكن لكل شيء أن يكون جيدًا وسيئًا في الوقت ذاته؟

تقول ابنتها: «أمي. لماذا يبدو شكل جسمك بهذا السوء؟».

عندما تصبحين أُمًّا، يتغير كل شيء. هذا الجسم المنتفخ، وهذه العلامات البيضاء والهالات السوداء والندوب، كلها تصبح جزءًا منك. تجاهدين حتى تصبحي جميلة مُجددًا، لكنك تعلمين أن هذه ضريبة الأمومة، وكأن الألم والتعب والخوف ليسوا ضريبة كافية. لكن أين الأب من كل هذا؟

تسأل تولي مارلو عن زوجها: هل يحب أنه أب؟

تجيبها مارلو: «نعم، بالطريقة التي يفعلها الآباء عادة. إنه يذهب إلى العمل صباحًا، ويعود إلى المنزل لنجهز الغداء معًا، ثم يذهب إلى الأعلى، ويضع سماعات الرأس، ويقتل بعض الزومبيز ثم ينام».

ينام «درو» (الزوج/ الرجل) بينما الأم تلد أو تتألم. نائم في البيت، في المستشفى رخو، لا مبالٍ، يذهب إلى عمله صباحًا، ويعود ليرتاح ويلعب الفيديو. لقد أدى مهمته على أكمل وجه. ينام قرير العين راضيًا عن نفسه. تقول مارلو: «كأننا نريد العشاء، لكن لا يمكننا اختيار مطعم أو تحديد ما إذا كنا جوعى أم لا».

عندما يتغير الجسد تتغير الرغبة والروح. الإرهاق يأكل كل شيء حتى الرغبة في الحب. تقع المرأة في حيرة بين الإحساس بالذنب والعجز. لا تقوى على أن تعطي أكثر، فقد أعطت جسدها وروحها لصغارها والبيت والزوج. ربما تريد أن ينتشلها أحدهم من دائرة الاستنزاف هذه. ربما تحتاج سنوات من العطاء كي تعود امرأة جميلة ومغرية.

«النساء لا تشفى، لا تتحسن. ربما نبدو بخير، لكن إذا اقتربت أكثر تجدنا مزودين بخافي عيوب العين (Concealer) لا أكثر».

علقت بروحي هذه الجملة التي قالتها تولي. كم نشقى لنبدو جميلات حتى ونحن في أسوأ لحظاتنا؟ الأهم من أن نكون سعيدات أن نبدو جميلات. لهذا تدخل النساء غرف الولادة بمكياج كامل وشعر مصبوغ حديثًا، لأنه لا أحد أخبرهن بأنهن جميلات دائمًا وفي كل الحالات.

اقرأ أيضًا: اكتئاب ما بعد الولادة: شبح أسود يختطف فرحة الأمومة

النجاة بواسطة حورية بحر

تقول مارلو: «ربما نحن نحتاج مساعدة لا غير».

نعم. ما الذي يحدث لو ساعدنا الآخرون فحسب؟ كيف يمكن لحياتنا أن تتغير؟ هل تزدهر أرواحنا التي ذبلت بكلمة مساندة وبفعل اهتمام؟

تفاجئنا مارلو بجملة: «الآن يمكنني أن أرى الحياة بالألوان مُجددًا».

بعد عدة أيام من دخول تولي حياة مارلو، يتغير كل شيء. فقط بقليل من الراحة، بقليل من الاهتمام، نرى الحياة جميلة وملونة من جديد، وكأننا عندما نكون متعبين لا نقدر على الرؤية الصافية، وكأننا لا نرى الألوان الحقيقية.

نقترب من النهاية، وفي ما يلي أنصحك بأن تتوقف عن القراءة إذا لم تكن شاهدت الفيلم بعد. هنا تصدمك الحقيقة كما صدمتني.

تولي ومارلو يتعرضان لحادث ويسقطان بالسيارة من أعلى كوبري في الماء، لتأتي حورية بحر جميلة كالتي كانت تراها مارلو باستمرار في أحلامها، تُنقذها وتُخرجها من الماء. ثم نرى بعدها مارلو وحدها في المستشفى.

كثيرًا ما يكون الصمت جريمة، حتى لو كنت مسالمًا ولا تؤذي أحدًا. إن صمتك أذى لمن يعانون وهم مجبورون. فعيونهم تنطق بينما ألسنتهم حبيسة.

الآن. ما سر حورية البحر هذه؟ إنها تولي، حارسها الذي سينقذها من الغرق ويعيدها إلى الحياة. نحن نعلم جيدًا أن «حوريات البحر» مخلوق خيالي ابتدعه الإنسان، وهكذا كانت تولي.

إن تولي طوق النجاة التي صنعتها مارلو لتجذبها بعيدًا عن عالمها الصاخب. تولي يد المساعدة التي لم تحصل عليها، فتخيلت أن هناك من يقدمها إليها. تولي هي مارلو الشابة المفعمة بالحياة والنشاط والأمل، فلا عجب أن مارلو اختارت لها هذا الاسم، لأن اسم تولي هو نفسه اسم مارلو الأوسط.

للأسف، تولي كانت خيالًا لأنها أجمل من أن تكون حقيقة.

درو: أنا آسف لأني سمحت لهذا بأن يحدث.

مارلو: أنت لم تفعل أي شيء.

درو: أنا أعلم، وهذه هي المشكلة.

كثيرًا ما يكون الصمت جريمة، حتى لو كنت مسالمًا ولا تؤذي أحدًا. إن صمتك أذى لمن يعانون وهم مجبورون. فعيونهم تنطق بينما ألسنتهم حبيسة.

نعم، درو لم يفعل أي شيء. وكان واجبًا عليه أن يفعل. كان واجبًا عليه أن يفتح عينيه على اتساعهما لينظر إلى زوجته، فقط لينظر إليها، ليراها، وعندها سيعلم ما الذي يحدث إليها وكيف يساعدها.

هذه لم تكن قصة مارلو فقط، الأم التي عانت من الاكتئاب المصحوب بالهلاوس نتيجة الإرهاق الشديد والحرمان من النوم. يمكن أن تكون قصة كل أم.