تحولات

يا لوحدك: مقاربة لسانية أنثروبولوجية لتفكيك «المُحن»

أثق في سعة اللغة العربية وقدرتها على استيعاب كل ما تنتجه اللهجات الدارجة، بل لعل معظم ما أفزرته الألسِنة العربية المعاصرة يمت لها بصلة بطريقة أو بأخرى، لكن هذا ليس موضوعنا.

«المُحن»: هذه المفردة تبدو وكأنها التعبير الصوتي الملائم لما تعنيه في المخيلة المصرية (والعربية بمعنى من المعاني). وهي الكلمة الفضفاضة للغاية للتعبير عن عدة حالات من المدح إلى الذم. كلها تشترك في مبدأ لغوي واحد: الغنج والدلال.

غير أن الفصحى (المنصِفة لمن يريد أن يراها كذلك) تحمل الكثير من المعاني القريبة من الاشتقاق الدارج، «مَحَنَني شيئًا أَي أَعطاني. ويقال: مَحَنها، إِذا نكحها». الجذر إذًا يحتمل دلالتين لهما وجاهتهما: العطاء والنكاح، وهما التأويلان اللذان يمكن معهما فهم بعضٍ من ديناميكية المُحن، فهو زيادة في العطاء، والنكاح واحد من أغراضه.

وقبل أن أجد نفسي في قلب معركة صوابية سياسية لمحاولة التأويل هذه، أو غضب لساني لمحاولات «الإخضاع اللغوي» للمفردة، أقول إنها مجرد محاولة للبحث عن أصل للكلمة، منطق للكيفية التي تُستخدَم بها الآن.

المحن السياسي في نسخته اللينة الخاضعة المبتذَلة اللزجة «مستحدَث» وليس قديمًا.

تاريخ الكلمة أمر خاضع كُليًّا للتخمين (خصوصًا أنه لا العربية ولا لهجاتها تملك قاموسًا لتاريخ المفردات، لكن هذا ليس موضوعنا). أغلب الظن أن هذه الكلمة بدأت أول الأمر للتعبير عن «الزيادة في الغنج»، فكان يقال «بتتموحن» للإشارة إلى الغنج المصحوب بدعوات وإشارات وتلميحات جنسية، أي ما يسمى في التعبير الديني «الخضوع في القول، الخضوع أي الاستسلام ومحاكاة حالته التي تفترض سلطة أعلى للطرف الموجه له المُحن». في المخيال الجنسي، هذا الدلال الزائد والدعوة غير المباشرة هو الأمر الذي يُؤتي أُكُله.

تطور معنى الكلمة مع الوقت، وصارت مظلة واسعة لمجموعة من السلوكيات «المفرطة»، أو «الأُوفر» بالتعبير المصري. كل ما يزيد عن جرعته المنضبطة في المشاعر والتعبير صار «مُحنًا»، وعليه صار المحن عنصرًا مفرط الوجود في السياسة والتمثيل وطريقة التعبير الإلكترونية عن المشاعر. وهو إما يجلب السباب، أو يكون مساحة خصبة لاستحداث النكات والإفيهات.

السياسة: محنة ومُحن

جاستن ترودو، رئيس وزراء كندا - الصورة: RoadKill Radio

المحن السياسي تقليعة جديدة في المجال العام، بدأ على استحياء محاولًا إعادة إنتاج الشعارات الوطنية القديمة، مثل العبارة التي تناقلها الجميع على لسان البابا شنودة «مصر ليست وطنًا نعيش فيه، ولكنه وطن يعيش فينا»، وهو فقط محييها من مواتها الوطني في بدايات القرن العشرين، فقائلها هو مكرم عبيد، القبطي والوطني المصري الكبير.

المحن السياسي في نسخته اللينة الخاضعة المبتذَلة اللزجة «مستحدَث»، إذ كانت الصورة الذهنية للمنشغلين بالعمل السياسي هي «الجهامة» والجدية الفارغة، قبل أن تتحول إلى استجلاب مشاعر الفارغين عاطفيًّا، خالطي السياسة بالرومانسية، تداخل سيريالي بين نشرة أخبار التاسعة ومسلسل الثامنة، وكأنهما صارا كيانًا واحدًا.

كل ما في المحن زائد عن حده المسموح، فصارت تعبيراته اللغوية تمثلًا لسانيًّا واضحًا لمعناه «الحلو بزيادة».

ربما يعود ذلك إلى هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي على طبيعة المجال العام، والانتصار لما هو «مشهدي»، وليس أدلّ على ذلك من رئيس الوزراء الكندي الوسيم «جاستن ترودو» بأزيائه وتصريحاته ولقطاته المشهدية المناسبة للانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، استطاع ذلك السياسي الفاشل أن يستخدم طاقة محن لا تنضب لحصد الإعجاب.

عصر «بنت دين الحب»

 لا يمكن أن تكتمل السردية المفاهيمية عن المحن دون التعرض إلى مفهوم آخر موازٍ، ولا يقل أهمية، وهو «القلش»، الكلمة التي تعني «النكتة البايخة» في واحدة من معانيها، وجاء أصلها من «الكورة قلشت» أي ابتعدت عن المرمى، ما يعني أنها نكتة لم تُصِب هدفها. لا تعترف العربية بأصل الكلمة، فلسان العرب يقول: «الأَقْلَشُ: اسم أَعجمي، وهو دخيل لأنه ليس في كلام العرب شين بعد لام في كلمة عربية محضة، إِنما الشيناتُ كلها في كلامهم قبل اللامات».

عودة إلى المحن، فالعاطفي منه في نسخته الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي هو «قلش جاد»، أو «قلش لا يعرف أنه قلش»، لا شيء أدل على ذلك من ألعاب الجناس التي حولت «ومن شر غاسق إذا وقب» إلى «ومن شر عاشق إذا زهد»، و«يا بنت دين الكلب» إلى «يا بنت دين الحب» لا على سبيل القلش الهازل، بل إنه قلش شديد الجدية، يريد أن يحول «القبح في السباب» إلى شيء أسمى وأرق وأكثر رومانسية، فصارت العبارة الممحونة شكلًا وموضوعًا، معنى ومبنى، حتى يظن الظانُّ أن السباب أقل وطأة وأخف ثقلًا على القلب والعقل من «يا بنت دين الحب».

ولأن كل ما في المحن زائد عن حده المسموح، صارت تعبيراته اللغوية تمثلا لسانيًّا واضحًا لمعناه «الحلو بزيادة»، «الجميل بزيادة»، أو التعبير عن بعضهم بكائن الكذا على شاكلة «كائن البهجة» و«كائن الشغف»، وغيرها، وكل الكائنات التي لم يخلقها الله، ولا دخل له لما وصلت إليه من مهازل. وهذه الأمثلة من المحن الرومانسي لا تحتاج تعليقًا كثيرًا.

المحن الديني، أو: تحول الدين إلى اللون الوردي

مصطفى حسني - الصورة: Mustafa Hosny

ربما يكون ذلك النوع قديمًا، وفي طريقه إلى الاندثار، لكنه أساسي في فهم المنظومة الاجتماعية للمفردة وتمثلاتها على أرض الواقع.

يحاول مصطفى حسني، في إيغاله «دون رفق» في المحن الديني، أن يُسلِّع بضاعته الدينية بما يليق بالمعطيات الجديدة.

كان ظهور عمرو خالد نذيرًا بالتحول إلى نوع جديد من «تسليع الدين». عمرو خالد كان بداية ظهور نوع من الدعاة يشبه المبشرين البروتستانت الأمريكيين الوسيمين الذين تمتلئ قاعات محاضراتهم بالآلاف، ويشتري كتبهم واسطواناتهم الملايين، يقدمون مخدرًا دينيًّا هو النسخة الدينية من التنمية البشرية للخداع النفسي العام، لكن هذا ليس موضوعنا.

غير أن النسخة المصرية بشكل خاص تحولت إلى نوع أكثر فداحة، نموذجه الأساس هو الداعية مصطفى حسني.

حسني هو التمثل الأوضح لمعنى المحن الديني، في حركاته وإيماءاته وطريقة كلامه وتأويلاته للدين. صارت عبارته الشهيرة «لو بنت عيّطت، الملايكة بتلعن الولد لحد ما البنت تسامحه». هل تخيل السيد حسني أن الملائكة تحولت إلى كيوبيد؟

سواء صدّقتَ هذه المقولة عن مصطفى حسني أو لم تصدق، فالفكرة أن شيوعها يؤكد نوع الخطاب الذي يروج له. إذ إنه يستهدف شريحة أصغر من عمرو خالد، فحسني يدخل إليهم من مشاعر المراهقة العاطفية، ويعطيها «شرعية دينية»، وهو ما انتشر على مستوى افتراضي مُخزٍ تمامًا، بربط الطقس الديني (وهو الفعل الذاتي) بالمشاعر العاطفية، وكأن الاثنين كيان واحد لا ينفصل أحدهما عن الآخر، هو تحويل الدين إلى سلعة رومانسية يمكن التعاطي معها بهذا المنظور.

يحاول حسني في إيغاله «دون رفق» في المحن الديني، أن يُسلِّع بضاعته الدينية بما يليق بالمعطيات الجديدة على الأرض. هكذا تحول حضوره المتلفز إلى صورة من صفحته الإلكترونية، يريد أن يسحب واضعي اللايك إلى الشاشة لتتدفق الإعلانات. يكفي فقط النظر إلى نوعية السلع المروجة في برنامجه في السنين الست الأخيرة لندرك أنه بالفعل يريد لمن هم بين الـ15 والـ20 أن يكونوا «زبائنه»، إعلانات شركات الاتصال، إعلانات المناطق السياحية، لا مكان لإعلانات السمن والمرقة وأشياء أرباب الأسر.

الشِّعر كفضاء دلالي ممحون

لمعرفة القصيدة التي تعتمد على المحن كمركز لجمالياتها، هناك بعض الخصائص النوعية التي يمكن التقاطها. لا أتحدث عن استهلاك الرومانسية بشكلها الفج المكرر، فهذه اللعبة مكشوفة وسريعة الاحتراق.

أقصد تحديدًا المحن الذكي في اللعب مع اللغة (فصيحة كانت أو عامية) لإعادة نفس الجماليات التي احترقت وماتت ودُفِنَت في مقابر الرومانسية العربية الشعرية في منتصف القرن العشرين. النصوص على شاكلة «يا لوحدك»،  هذه الكلمة لشاعر له آلاف المعجبين والمعجبات، يرون في إعادة إنتاجه هذه أمرًا يستحق المتابعة.

هل يختلف ذلك عن النكتة السينمائية الطويلة المسماة «هيبتا»؟ ما الذي اختلف في الطموح الرومانسي والجمالي إلا استخدام الوسيط؟

المحن: مقاربة نهائية

المزاوجة بين الجد والهزل في محاولة تسليط الضوء على «المحن»، بدايةً من تأويله اللغوي حتى استخداماته الاجتماعية والسياسية، ليست إلا تخفيف ثِقَل المحن كمُعطَى، وهو الذي كرّس لنفسه وبنفسه إمكانات السخرية منه بمجرد وجوده.

هو القيمة التي تعتمد على التحرك في المساحة الآمنة من القدرات التعبيرية والنفسية التي استُخدِمَت من قبل، حتى صارت بتعبير ميلان كونديرا «كيتش»، مع تغيير طفيف في بنائه، ما يعطي إحساسًا مخادعًا بحداثةِ ما تم تقديمه.

هو الخداع، المبالغة في المنح حتى ابتذال القيمة. وعليه، إياكم والمحن، إياكم والمحن، إياكم والمحن. قالها ثلاثًا ثم بكى.