الأقل حظًّا

في ستر النجاسة: خطورة اللغة المغلوطة على تشكيل الخطاب

انتهت مشاركة المنتخب المصري في بطولة الأمم الإفريقية بعد هزيمته من جنوب إفريقيا بهدف لم يرد، وتوسط تلك المشاركة حادث التحرش الذي ارتكبه اللاعب عمرو وردة في حق عارضة الأزياء المصرية ماريهان، فضلًا عن كشف سريع من نساء وصحف عن تاريخ من الجرائم المشابهة ضد سيدات من دول مختلفة.

الستر لوردة: المجرم منتصرًا

تعددت وتناقضت ردود الفعل والمواقف تجاه اللاعب المتحرش وردة، الذي طُرد من المنتخب بقرار من مجلس اتحاد الكرة المصري بسبب سوء سلوكه، واستمر القرار ليوم واحد، بعدها حظي وردة بالتضامن من قاعدة شعبية واسعة، والأكثر دهشة أنه حظي بالتضامن نفسه من زملائه في المنتخب وعلى رأسهم محمد صلاح وأحمد المحمدي، وعاد إلى المنتخب.

عند تأمل الآراء المتضامنة مع وردة، نجد أن اللحظة القومية التي صنعتها الدعاية لبطولة الأمم الإفريقية، التي اعتبرت الفوز هو ملاذ هذا الوطن المحبط، وتجسدت شخصية البطل القومي في محمد صلاح فخر العرب، أسهمت في تشكيل رغبة حتمية في حشد القوى لتحقيق النصر في وعي الجماهير وبنفس السيناريو المكرر، لا وقت لقضايا النساء: «عندنا بطولة».

بالطريقة ذاتها في لوم الضحية ترامت الأحاديث حول ماريهان، واستباح بعضهم الوصول إلى حساباتها المختلفة ونشر صور قديمة وحديثة لها، وإلقاء الاتهامات عليها بدايةً من كونها باحثة عن الشهرة إلى كونها متواضعة الجمال ولا تستحق التحرش، بينما انطلقت الأصوات بضرورة الستر على ابننا وردة: «إحنا عارفين إنه غلط آه، بس مش هنبوظ حياته ومستقبله، ربنا ستار حليم».

يُعرَّف الستر لغويًا على أنه الحجب أو الإخفاء، أما الاستخدام المجتمعي للكلمة في مصر فغالبًا ما يوجه إلى الإناث:

  • «استري نفسك»، بمعنى تغطي أو ارتدي حجابك
  • «ستر بناته/إخواته»، بمعنى زوَّجهن
  • «إلهي يستر عَرضك»، دعوة للحفاظ على عذريتك حتى الزواج، ويمكن أن تقال لرجل بمعنى الدعاء بأن تظل نساء أسرته عذراوات حتى الزواج
  • «إذا بليتم فاستتروا»، توجَّه إلى النساء حين يُفطرن في رمضان بسبب الحيض. وعلى الرغم أنها رخصة شرعية، فإنها في العرف بلوة يجب أن تستتر
  • «الحمد لله على الستر والصحة»، الحالة الوحيدة التي يتخلى فيها اللفظ عن ذكوريته، ليكون معناه الحد الأدنى من المال الذي يسمح بالحياة

استدعت الآراء المحافظة لفظ الستر بما يملكه من دلالات دينية للتدليل على المحاباة الذكورية في تعاملهم مع قضية عمرو وردة، وهذا الستر تحول إلى السماحة والغفران، بينما الأمر في واقعه جريمة واضحة المعالم، والستر هنا هو تستر على مجرم.

هذا الستر حجب القضية عن الأعين وألغى قرار طرد وردة من المنتخب وأعاده إلى المعسكر منتصرًا، في ظل صمت رهيب من مؤسسات الدولة والمجتمع المدني المعنية بالتصدى للتحرش. بقيت أصوات فردية فقط تنادي بالتوقف عن تشجيع المنتخب كموقف مضاد لتضامن اللاعبين مع زميلهم المتحرش، وتلك الأصوات كانت في معظمها من النخبة التي على علاقة بالعمل المدني والحقوقي، وتحديدًا النسوي في مصر، واستطاعت أن تجمع تأييدًا في المجتمع الافتراضي وبالتحديد على تويتر، إذ تصدر هاشتاغ #منتخب_المتحرشين قائمة الأكثر تداولًا.

النجاسة عقاب الخسارة

شارك عمرو وردة في مباراة جنوب إفريقيا التي كانت سبب خروج المنتخب من البطولة، واستدعت تلك اللحظة كل مشاعر الغضب والأسى وتحطم الآمال العريضة المتعلقة بأن تكون مصر دولة الاستضافة الحاصلة على كأس البطولة، رغم رداءة مستوى لعب الفريق من أول مباراة.

النجاسة في اللغة تعني القذارة، وفي ثقافة المجتمع تستخدم للتدليل على ممارسة علاقات جنسية خارج إطار الزواج.

خسارة الفريق أعادت إلى الأصوات الداعمة لحق ماريهان سلطتها. وبتأمل خطابها على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي سياق يحكمه الشماتة سواء على سبيل الجد أو الهزل، عبرت مجموعات عن سعادتها لخسارة المنتخب فور نزول وردة إلى الملعب، وكأن قوى عظمى عادلة تدخلت لإرجاع حق ماريهان بعقاب الفريق والمتضامنين مع المتحرش.

اللافت للنظر أنه بنفس القوة والميكانيزم اللذان استُدعي بهما لفظة الستر وغض البصر عن الجريمة، استُدعي لفظة نجاسة ليُلحَق بالمنتخب الخاسر.

تعني النجاسة في اللغة القذارة، وفي ثقافة المجتمع تستخدم للتدليل على ممارسة علاقات جنسية خارج إطار الزواج، أو شرب الخمر، أو وقت الحيض عند النساء، أوتربية الكلاب. وللفظ دلالة ومهابة دينية وأخلاقية، ويُستخدم لإبعاد الأشخاص في الأوضاع الأربعة سابقة الذكر عن الأماكن الطاهرة، التي هي البيوت والمساجد، من قِبل الشيوخ والآباء.

التحمس والنضال من أجل قضية مثل التحرش يعني أن لدى الشخص قناعات خاصة بالحريات ودعم الخصوصية، وموقف من الأحكام الأخلاقية على حياة الأفراد. وعليه، فإن اختلاف موقفنا الذاتي من ممارسة علاقة جنسية بالتراضي أو حب وتربية الكلاب لا يعني أن لدينا الحق في محاسبة الآخرين وفقًا لموقفنا، وهذا هو لب التناقض في استخدام معارضي وردة لفظ النجاسة، لأن وردة متحرش، وليس نجسًا لممارسته علاقة جنسية، والإقرار بأنه نجس يعني بالضرورة الموافقة على استخدامات المجتمع وتعريفاته للنجاسة.

كيف نلعب لعبة اللغة في خطاب التغيير الاجتماعي؟

الصورة: AMISOM Public Information

انطلاقًا من أن التغيير الاجتماعي عملية قاعدية قوامها المجتمع، فإن على الخطاب أن يتشكل من اللغة المجتمعية القريبة والمفهومة والمولودة من الناس، لذا فالأولوية للبحث الدقيق عن لفظ الشارع الدال على المقصود، وهذا لم يحدث مثلًا عندما خرجت حملة لا للتنمر، وظل الناس يسألون عن معنى اللفظ المعقد رغم وجود لفظ «التَّريقة» في العامية الدارجة، وهي في ظني كفيلة بالمعنى.

لكن علينا أن نكون حذرين، لأنه إذا استُدعي من اللغة الدارجة لفظ غير دقيق ولا معبر بشكل واضح، فإنه سيشكل إدراكًا مجتمعيًا لمعنى آخر، وفي الأغلب سيكون المعنى في نفس السياق لكنه مخفف، لذا فهنا يجب استخراج لفظ جديد يحقق المعنى ويضيف مدلولًا جديدًا. مثال ذلك، التشديد على استخدام لفظة «تحرش» بدلًا من لفظ «معاكسة» أو «مضايقة»، ولفظ «ختان» بدلًا من «طهارة».

الجسارة ذاتها أن نؤمن بديناميكية اللغة، حين نقرر الحفاظ على لفظ له نفس المدلول الذي نقصده وكسر كل الصور النمطية المشينة المتعلقة به، وهذا تكرر كثيرًا في حركات التغيير الاجتماعي، وعلى رأسها الحركات المدافعة عن اختلاف الميول الجنسية. فعلى سبيل الذكر، لفظ «Gay» الذي كان يعني الغريب أو الشاذ، صار يعبر عن معنى «المثلي»، والأمر ذاته يحاول مجتمع الميم في مصر تكراره بالحفاظ على لفظ «خول» للمعنى ذاته ورفض لفظ «شاذ».

الخدعة الخفية دائمًا أن ننخدع بكلمة لأننا نفصلها عن سياقها وإرثها ووظيفتها، وعليه فإن خطابًا مجتمعيًا يدعم دولة مدنية يحكمها القانون وتضمن حرية الأفراد لا يمكنه الاستعانة بألفاظ أبوية ودينية مجندرة مثل «نجاسة»، بنفس القوة التي عليه أن يرفض بها لفظًا مموهًا وله إرثه الديني مثل «الستر».

في كتابه «سلطة الاتصال»، يؤكد عالم الاجتماع مانويل كاستلز أهمية وخطورة خطاب التغيير الاجتماعي المنشور على مواقع التواصل الاجتماعي، بفكرته التي ترى أن علاقات السلطة تؤسس المجتمع، لأن أولئك الذين يملكون السلطة يبنون مؤسسات المجتمع وفقًا لقيمهم ومصالحهم بالإكراه، أو عبر آليات رمزية. لكن، وكما يرى ميشيل فوكو في كتابه «المعرفة والسلطة»، فإن السلطة عادة ما تفرض ولادة سلطة مقاومة مضادة، إلا إن ما يميز هذه المقاومة في عصرنا هذا، وفقًا لكاستلز، أنها أخذت تتشكل من خلال التحول في وسائل التواصل الاجتماعي.

وبالعودة إلى توصيات عالم الاجتماع بيير بيرديو بضرورة ربط سلطة اللغة بشروطها واستعمالاتها ومكانة مستخدميها الاجتماعية داخل الحقل الاجتماعي، فإن تأكيد كاستلز لمكانة خطاب المقاومة والتغيير على وسائل التواصل الاجتماعي يجعل مراقبة ونقد المهتمين بالتغيير الاجتماعي لخطابهم ضرورة ملزمة، مع الوضع في الاعتبار تعيين السلطة المقاومة لهم، سواء كانت خطاب الدولة أو المؤسسة الدينية المتغلغلين داخل المجتمع، واللذين يشكلان أسلحة الفرد الأولى التي يستمد منها ألفاظه ومن ثَم خطابه.