الأقل حظًّا

ليست السعودية فقط: ماذا تعرف عن الولاية على المرأة في الخليج؟

الصورة: Getty/Langevin Jacques

في عام 2008، نشرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» تقريرًا عن انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن نظام الولاية والفصل بين الجنسين في المملكة العربية السعودية. أشعل التقرير الشارع السعودي وقتها لِما ورد فيه من حرمان المرأة من التعليم والعمل والرعاية الصحية والتنقل والمساواة في الزواج وأمام القانون، وإلزامها بوجود ولي ذكر عليها مهما بلغ عمرها. كان عنوان التقرير «قاصرات إلى الأبد» وهو الواقع تمامًا، إذ لا يَعتبر القانون السعودي المرأة ذات أهلية كاملة لمباشرة معاملاتها بنفسها إلا بإذن ولي يقرر بالنيابة عنها.

وفي 2011، مع موجة الثورات العربية، تفاعل الحراك النسوي السعودي مطالبًا بإسقاط الولاية عن المرأة ومنحها حق القيادة.

يصعب معرفة كيف انطلق هاشتاغ #سعوديات_نطالب_بإسقاط_الولاية على تويتر، لكن لا يمكن إنكار تأثير الهاشتاغ في المجتمع السعودي، إذ أصدرت هيومن رايتس ووتش تقريرًا ثانيًا في 2016 إثر الحراك بعنوان «كمن يعيش في صندوق».

بعدها، أصدر الملك سلمان بن عبدالعزيز أمرًا ملكيًّا ينص على «عدم مطالبة المرأة بالحصول على موافقة ولي أمرها حال تقديم الخدمات لها، ما لم يكن هناك سند نظامي لهذا الطلب وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية»، وهو واقعيًّا لم يغير شيئًا، فمعظم الجهات تتطلب إذن ولي الأمر وفقًا لسند نظامي، لكنه دليل على تأثير الضغط الذي شكله الحراك عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

قد يهمك أيضًا: رجال دفعوا ثمن دعم حق السعوديات في القيادة

تشكِّل الولاية عائقًا جوهريًّا في حياة المرأة للتقدم نحو حقوقها وحرياتها وقدرتها على استكمال حياتها بصورة طبيعية، ودليلًا غير مقبول على اعتبارها قاصر غير كاملة الأهلية ولو وصلت عمرها إلى ألف عام، لكن مع محاولات السعوديات للتخلص من هذا النظام المجحف، هل يعني هذا أنهن وحدهن في المواجهة؟ هل هناك ولاية على قريناتهن في الخليج كذلك؟

الولاية على المرأة

ملاحظة: الأسماء الواردة مستعارة حفاظًا على خصوصية المشاركين.

لابد أن نسأل سؤالًا جوهريًّا: لماذا يخضع «إنسان» بالغ راشد لولاية شخص آخر، لمجرد كونه من جنس معين؟

«حصلتُ على فرصة لبعثة دراسية في نيوزيلندا، لكن ولي أمري رفض سفري، ومنذ سنوات حتى الآن أشعر بالقهر على فرصتي التي ضاعت فقط لأني فتاة، بينما يستغل أولاد العائلة مثل هذه الفرص بالكامل».

هكذا عبّرت ريم من الإمارات لـ«منشور» عن شعورها بالقهر بسبب تسلط ولي أمرها في ما يخص حياتها الدراسية، لكن من أين يستمد من نطلق عليهم «أولياء الأمور» هذه السلطة؟

تنقسم الولاية إلى نوعين:

  1. ولاية قانونية: بوجود نص قانوني يوجب حضور ولي ذكر على المرأة البالغة الراشدة للشروع في إجراء معين
  2. ولاية اجتماعية: لا وجود لنص قانوني مباشر يفرض موافقة أو إذن ولي ذكر على المرأة البالغة الراشدة للشروع في أمر معين، لكن يفرضه العرف الاجتماعي

لا يحمي القانون المرأة من هذا النوع الأخير من الولاية، أو قد يُسهِم بقوانين رديفة تساعد على وجودها، مثل بلاغات التغيب التي من حق ولي الأمر تقديمها في من يتولاها عند غيابها عن المنزل، فيُلقَى القبض عليها.

يضج الخليج العربي بهذين الشكلين للولاية على المرأة، وتقف الخليجية أمام كثير من العقبات للحصول على حقوقها بصفتها إنسانًا بالغًا راشدًا دون وصاية من ذكر.

في حالة منع ريم من حقها في الدراسة، لا يوجد قانون يحميها من تسلُّط ولي أمرها، وهنا لا بد أن نسأل سؤالًا  يبدو جوهريًّا: لماذا يخضع «إنسان» بالغ راشد لولاية شخص آخر لمجرد كونه من جنس معين؟

يستمد الولي الذكر ولايته من عادات المجتمع المبنية على الأبوية وعلى أساس القوامة، التي تستند إلى تفاسير دينية لآية «الرِّجَالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ»، ومن الدولة التي تساند هذه السلطة الاجتماعية لِما لها من بنية ذكورية.

هستيريا إذن الولي

«والدي رجل متشدد، يمنعني من قيادة السيارة ومن الخروج من المنزل، ويحصرني في وظائف محددة غير مختلطة حتى لو كانت لا تماثل طموحي، يفرض عليّ لبس الحجاب وتغطية وجهي رغمًا عن قناعاتي. لا يمكنني ترك المنزل فالقانون في صفه، لا أستطيع الحصول على سكن لأني غير متزوجة (يخاف الناس تأجير الشقق لعزباوات بسبب «المشاكل»)، وبإمكانه الإبلاغ عني في دعوى تغيُّب عن المنزل فيقبضون علي».

هكذا تحدثت القطرية هدى بحُرقة إلى «منشور»، شاكيةً تسلط والدها عليها دون وجود حماية قانونية. وليست هدى حالة فريدة في بلدها، فالقوانين في قطر تعطي صلاحيات كثيرة للولي.

«رفض المستشفى إجراء جراحة لوالدتي مريضة السرطان دون موافقة والدي، ونتيجةً لذلك تأخرت العملية، فرغم تجاوز والدتي 49 عامًا، لا تزال تحتاج إلى إذن زوجها».

في قانون الأسرة القطري، يحق لولي الأمر تطليق ابنته من زوجها في حال اعتباره غير كفء حتى لو كانت تريد البقاء في هذا الزواج، بالإضافة إلى عدم قدرتها على تزويج نفسها إلا بواسطة وليها. كذلك، لا تكون المرأة الحاضنة مؤهلة في نظر القانون لإصدار تصريح بالسفر أو تجديد الجواز لأبنائها الذين في حضانتها إلا بموافقة ولي الأمر الأب.

ورغم أن القانون لا يتطلب تصريح الزوج لزوجته، فإن بإمكانه منعها من السفر برفع دعوى في المحكمة. ولا يُسمح للمرأة البالغة سن الرشد بالسفر دون ولي أمرها إلا بعد أن تتجاوز 25 عامًا، على الرغم من أن الذكر يتمكن من السفر متى بلغ الثامنة عشرة من عمره دون موافقة ولي أمره باعتباره بالغًا، ولا يحق للقطرية تجديد جواز سفرها إلا بموافقة ولي أمرها.

قد يعجبك أيضًا: لماذا يعتقد الرجال أنهم يعرفون أكثر من النساء؟

وفي البحرين، لا تتمكن المرأة الأجنبية المتزوجة من بحريني من مزاولة التجارة إلا بإذن زوجها، ولا يُسمح للبحرينية التي يقل عمرها عن 45 عامًا بالسفر لأداء مناسك الحج دون وليها.  

«كانت والدتي تعاني من سرطان الغدة الدرقية وتحتاج إلى عملية استئصال، لكن رفض المستشفى في الكويت إجراء الجراحة دون توقيع وموافقة والدي الذي كان مسافرًا وقتها. نتيجةً لذلك تأخرت العملية، فرغم تجاوز والدتي 49 عامًا، لا تزال تحتاج إلى إذن زوجها لإجراء العملية». هذا ما قالته ليان من الكويت لـ«منشور».

المفارقة أن اللوائح المكتوبة في وزارة الصحة لا تفرق في تقديم الرعاية الصحية بين الرجل والمرأة، وتوجب الحصول على موافقة المريض نفسه فقط إذا ماكان بالغًا سن الرشد (21 عامًا)، إلا أن المستشفيات الحكومية دأبت على طلب موافقة الزوج أو أحد الأقرباء الذكور عند إجراء عملية جراحية للمرأة.

يقر الدستور الكويتي عدم التمييز على أساس الجنس في مادته رقم 29، لكن كثيرًا من القوانين يخالف هذا النص ويضع ولاية على المرأة البالغة، فلا تتمكن الفتاة البكر الأصغر من 25 عامًا من تزويج نفسها إلا بموافقة وليها الشرعي. ووضع قانون الأحوال الشخصية استثناء في حالة تسلط الولي، إذ تلجأ المرأة إلى القضاء، فيصبح القاضي وليها الشرعي ويزوجها بنفسه.

في الحالتين، يجب أن يكون هناك ولي ذكر كي تتزوج المرأة، عوضًا عن النبذ الاجتماعي الذي قد تعانيه إذا لجأت إلى القضاء. أضف إلى ذلك إمكانية تزويجها دون علمها، لِما للولي من سلطة على ذلك، لأن القانون لا يشترط سماع موافقة المرأة مباشرةً أو توقيعها على عقد الزواج، ويكتفى بسؤال وليها.

بالإضافة إلى ذلك، فإنه طبقًا لقانون الأحوال الشخصية الكويتي، ليس للحاضنة حق الولاية على المحضون، إنما تعود ولاية الأبناء إلى والدهم حتى لو لم يكن هو الحاضن. وبعض الوظائف تشترط وجود ولي الأمر من أجل تسجيل الكويتية البالغة سن الرشد للوظيفة، مثل سلك الشرطة، بينما لا يوجد الشرط نفسه للرجال.

لو لم يحالفكِ الحظ وجئتِ نتيجةً لبذرة زرعها ولي أمر ظالم، فلن تكون لديكِ الفرص التي يحصل عليها الآخرون من الذكور، أو الأخريات المحظوظات.

تذكر سمر من سلطنة عُمان أنها، كطالبة تسكن في سكن الجامعة، تُمنع من الخروج في أي وقت دون تصريح من ولي أمرها، وهذا التصريح يُطلب في كل مرة تريد فيها الخروج من السكن: «لو كان الظرف الذي خرجت بسببه دون تصريح طارئًا، يُطلب من والدي مقابلة المشرفة لتتأكد من علمه بهذا الظرف وبخروجي، وإلا أتعرض للمُساءلة وأُحوّل إلى التحقيق».

أما الكويتية ليلى فتقول لـ«منشور» إن حياتها تسير بحسب اختيارات ولي أمرها لا اختياراتها، فلم تتمكن من السفر في بعثة دراسية ولا الاستقلال بالسكن، إذ يرفض أصحاب العقارات التأجير للنساء غير المتزوجات رغم عدم وجود سند قانوني.

هذه أمثلة ونماذج لما تخضع له المرأة في الخليج، من تحديدٍ لاختياراتها وخسارة كثير من سنوات عمرها تبعًا لرغبات ولي أمرها، ممما يجعلها «نصف مواطن» في بلدها. تمكينها من إتمام أمورها الحياتية بنفسها هو اعتبارٌ لكمال أهليتها، فلا يجوز للدولة أن تُخضع النساء لضربة الحظ: إذا كنتِ محظوظة بما فيه الكفاية ستحصلين على ولي أمر متفهم يمكِّنكِ من ممارسة حياتكِ الطبيعية واتخاذ قراراتكِ بنفسك، لكن لو لم يحالفكِ الحظ وجئتِ نتيجةً لبذرة زرعها ولي أمر ظالم، فلن تكون لديكِ الفرص التي يحصل عليها الآخرون من الذكور، أو الأخريات المحظوظات.

لا تنال المرأة الخليجية الفرص ذاتها التي يحصل عليها الرجل، فهي، اجتماعيًّا وقانونيًّا، تخضع لولاية تحدد اختياراتها تبعًا لرغبات أشخاص آخرين لا رغباتها الشخصية، وهو ما أسمته الكويتية فاطمة بـ«الإرهاب النفسي»، إذ مُنعت من السفر والقيادة والمشاركة السياسية والعمل التطوعي، وحتى الاختلاط برجال العائلة.

نجت فاطمة من مشروع زواج رغمًا عنها من رجل اختارته عائلتها، وحين تزوجت ممن اختارته ولم تعش حياة موفقة معه، منعتها عائلتها من طلب الطلاق.

نحو حراك نسوي خليجي

الحراك الخليجي الموحد سيضمن مساعدة كل شعب للآخر في مواجهة الأنظمة الأبوية، حتى لا يُضطر شعب إلى السكوت ويقف الباقون على الحياد.

«ضربني إخوتي حين قررت خلع الحجاب، اختاروا لي دراستي، رفضوا تزويجي ممن أحب بسبب اختلاف أصولنا، حُبست في المنزل، وبسبب كل هذا الضغط صرت أعالَج في مستشفى الطب النفسي، فهددني أخي بأني إن لم أخضع وأطيع سأُحبس مجددًا في المنزل، وسيستخدم عذر علاجي النفسي ضدي». هكذا تشرح الكويتية مي وضعها لـ«منشور» بأسى ويأس.

لم يكن وضع مي مختلفًا عن العنود الإماراتية، التي تفكر في الانتحار بسبب ما تعانيه من اكتئاب نتيجة استغلال والدها سلطته عليها، فحصولها على إجازة قيادة السيارة يتوجب موافقته، لكنه يستمر في تهديدها بسحب الموافقة إن لم تدفع له مبلغًا من المال، مما ينهكها اقتصاديًا ونفسيًا.

الحراك النسوي السعودي حرك المياه الراكدة في الخليج كله، جعل الفتاة الخليجية تلتفت نحو حقوقها أُسوةً بنظيراتها السعوديات، رغم تقدم حقوق بعضهن مثل نساء البحرين والكويت.

لكن إعادة تفكيك المفاهيم وغربلة الأوضاع الاجتماعية، وكذلك التوعية الفكرية والتحرك على المستويين القانوني والسياسي، من أهم ما يجب عمله في المرحلة القادمة. يجب الاستفادة من أننا نعايش جيلًا نسويًّا مختلفًا، يقف على أُسُس فكرية وبنية فلسفية لا مجرد مطالبات بحقوق معينة، وهذه فرصة ربما لا تتكرر.

الحراك الخليجي الموحد سيضمن مساعدة كل شعب للآخر في مواجهة الأنظمة الأبوية، حتى لا يُضطر شعب إلى السكوت ويقف الباقون على الحياد. المصير واحد، والحال واحد، والفكر النسوي عابر للحدود الجغرافية والطبقات والأعراق، يؤمن بحق المرأة لكونها امرأة لا للونها أو أصلها أو موقعها الجغرافي أو رصيدها في البنك.

قد يهمك أيضًا: كيف أصبحت نسوية نكدية؟

الحراك النسوي الخليجي لا بد أن يعلم النساء حقوقهن وما ينقصهن منها، ويقدم يد المساعدة لمن تقع تحت وطأة النظام الذكوري، بالإضافة إلى التحرك السياسي لتمرير القوانين التي تُسِهم في حماية المرأة من نظام الولاية وإسقاطها عنها، واعتبارها كاملة الأهلية متى بلغت سن الرشد.

ويجب التحرك قانونيًّا كذلك وبقوة، لإيصال قضايا المرأة إلى القضاء والحصول على أحكام تنصف الجميع، خصوصًا أن معظم دول الخليج تنص في دساتيرها على عدم التمييز على أساس الجنس، لكن قوانينها تخالف ذلك. التوجه إلى القضاء يحل كثيرًا من المعضلات، مثلما فعلت بعض نساء الكويت وكسبن قضايا لصالحهن في ما يخص على سبيل المثال اختلاف معدلات القبول للذكور عن الإناث في الجامعة.

أخيرًا، لا بد من الضغط على الدولة لمساعدة من تقع ضحيةً للتعنيف أو الحبس أو المنع من حقوقها، بقوانين تحمي المرأة من تسلط الولاية الاجتماعية. لا نظن أن ضغطة زر ستحقق العدل لنساء الخليج أجمعين، لكن التحرك دائمًا سبيل إلى التغيير.