الملعب

الرهان على ماتيوس: كل مونديال أنتظر «صورته» في منتخب ألمانيا

التصميم: منشور

في هذه السلسلة يكتب لنا كُتَّاب «منشور» وأصدقاؤه رهاناتهم الشخصية في كأس العالم، كلٌّ حسب تفضيلاته. ليست رهانات أو تحليلات فنية، بل تفضيلات وأهواء شخصية منطلِقة من موقعهم كمتفرجين ومشجعين لا أكثر.


السنة: 1990. ويسهل على الذاكرة استعادتها لأنها كانت الرقم الثابت في سبورة الفصل المتغيرة، والوقت جاوز الرابعة مساءً، ما دمت عائدًا متأبطًا محفظتي الثقيلة تحت يسراي. وعدا ذلك لا أستطيع التثبت من شيء. دكان الزاوية كان مقصدي لأشتري بعض الحلوى، وأخطف نظرةً من تلفزيونه (لم يكن والدي بعد قد اشترى جهاز التلفزيون ماركة فيليبس الهولندية العتيدة، والذي لا بد أن أكتب عنه ذات يوم)، وهذه المرة كان عند باب علي (البقّال كان اسمه علي) زحام غير مألوف: ماذا يشاهدون؟ تسللت من بين السيقان والأرداف حريصًا على المحفظة تحت إبط يسراي، وعلى القطعة النقدية في قبضتي اليمنى.

إلى اليوم، ما تزال التعليقات والأصوات وروائح الأجساد، وحتى نكهة الحلوى، تأتيني مبلبلةً ومختلطة. ما عدا صورته: صورة أعظم لاعب شاهدته في حياتي: «لوتار ماتيوس».

هل عليَّ أن أعترف هنا بأنني في بداية علاقتي بهذه اللعبة السحرية لم أكن أختلف عن أولئك الذين صرت أنزعج منهم اليوم (أولئك الذين يسمَّون مشجعي رونالدو وميسي). على العموم ليس في الأمر ما يدعو إلى العجب أو الانزعاج، فمثلما تُختَزَل السينما لدى كثيرين في «لي فان كليف»، أو في «شخصية سكارفيس»، لا شيء يمنع من أن تُختزَل كرة القدم بأكملها في لاعب واحد.

لست وحدي من أراهن على عودة صورة ماتيوس، بل هو نفسه يراهن عليها باللاعب «ليون غوريتسكا»، الذي يرى غالبية المحللين أنه ماتيوس الجديد.

منذ 1990 لم أفوِّت مباراة للمنتخب الألماني، وصرت بعدها بمدة قصيرة مشجعًا لبايرن ميونيخ. أعتقد أن إعجابي بلوتار ماتيوس، وتعلُّقي ببايرن، يأتي من علاقة خاصة جدًّا باللعبة والقراءة والكتابة والموسيقى والسينما، وربما بالحياة بأكملها.

لم أمِل قط إلى الأشياء البراقة، وإنما أجدني دومًا مشدودًا إلى ما هو إشكالي، إلى ما لا يمكن أن يثير الإعجاب لسبب واضح، ويمكن أن يفسَّر إلى الآخرين بسهولة: الحب الذي لا يفسَّر، حبنا لامرأة لا تقدِّم أوراق اعتمادها بجمالها، وأعمال موسيقي يضرب بالتناغم عرض الحائط، وفريق لا يقدم كرة براقةً أو استعراضية.  

على العموم، لم تكن هذه العودة إلى الماضي هربًا من سؤال الآن، السؤال الذي كان من المفروض أن تجيب عنه كل هذه الثرثرة: على من أراهن في هذا المونديال؟

أقول إني أراهن مرة أخرى، وكما كل مرة على ماتيوس.

في كل مونديال، أو كأس أمم أوروبا، أراهن على ظهور لاعب يعيد صورة ماتيوس الذي عرفته ذات ظهيرة تسعينية، وأنا محشور بين الأجساد أتلمَّظ الحلوى. وبالفعل في كل مناسبة كروية تشارك فيها ألمانيا ينبثق لاعب هو صورة باهتة بقدرٍ ما عن ماتيوس، لاعب يحاكيه في بعد من الأبعاد دون أن يؤديه على تمامه: يحاكي الأسلوب أو الحركة أو القدرة على التموقع أو الشخصية القيادية أو... المهم أنه يعيد إليَّ بشكل أو بآخر الصورة التي تحنَّطت في ذاكرتي إلى الأبد: صورة أعظم من لمس الكرة.

سقف التوقع في هذا المونديال عالٍ جدًّا، إذ لست وحدي من أراهن على عودة صورته، بل هو نفسه يراهن عليها. التوقع اسمه: «ليون غوريتسكا»، انتقل نهاية موسم 2018 من شالكه إلى بايرن، يرى غالبية المحللين أنه ماتيوس ألمانيا الجديد، وأتوقع أنه سيكون إحدى ظواهر هذا المونديال، أو على الأقل صورة من صور ماتيوس التي تعاودني كل مناسبة. هذا طبعًا إن لم تكن للمدرب «يواكيم لوف» رؤية أخرى.