الملعب

الرهان على ميسي: النهاية السعيدة رغم قسوة الدراما

التصميم: منشور

في هذه السلسلة يكتب لنا كُتَّاب «منشور» وأصدقاؤه رهاناتهم الشخصية في كأس العالم، كلٌّ حسب تفضيلاته. ليست رهانات أو تحليلات فنية، بل تفضيلات وأهواء شخصية منطلِقة من موقعهم كمتفرجين ومشجعين لا أكثر.


كنت في السابعة من عمري عندما وقعت فريسة لشغف كرة القدم. كانت مباريات كأس العالم عام 1994، المقامة في الولايات المتحدة الأمريكية، تذاع فجرًا بسبب فارق التوقيت. أخي الأكبر يخفض صوت التلفزيون بقدر المستطاع، ويهمس لي أن اقترب دون إحداث ضجيج حتى لا نوقظ أبي الذي سيبدأ يومه بعد ساعات. كنا نقترب من التلفزيون حتى نلتصق به، يمدد أخي قدميه في التجويف المعد لجهاز الفيديو أسفله، وأبقى بجواره مسحورًا بما أرى.

كانت تلك النسخة تحديدًا من كأس العالم نسخة منتخبات النجم الواحد، «ستويتشكوف» تتمحور حوله بلغاريا، و«هاجي» يقدم للعالم منتخبًا اسمه رومانيا، ثم النجمان البارزان في المونديال: «روماريو» البرازيلي و«باجيو» الإيطالي.

وصل النجمان بمنتخبيهما إلى المباراة النهائية، وفي جعبة كل لاعب خمسة أهداف وآمال الملايين. لم أكن قد حسمت أمري أيهما أود أن ينتصر، روماريو يشبه كثيرًا لاعبي الشوارع، ذلك الفتى الأسمر القصير، المتعرق دائمًا، القادر على المراوغة والتسجيل دون عناء. إنه نموذج موجود في كرة قدم الشوارع بكثرة. أما باجيو، فكان لديه سحره الخاص، شعره الأشعث الذي يتدلى على هيئة ذيل الحصان، الهدوء القاتل والمراوغات للأمام، كان الرجل الذي تتغنى الملائكة بقدميه كما قال عنه مدربه في فيورنتينا.

انتهت المباراة دون أهداف، وبدأت الركلات الترجيحية. بعد مرور أربعة ضربات لكل فريق كانت النتيجة تشير إلى تقدم المنتخب البرازيلي بفارق هدف، ثم كانت لحظة الضربة الأخيرة، «الكريشيندو» يبلغ ذروته ويصم آذان الجميع، ثم يرسل باجيو الكرة إلى السماء، ويخسر الفريق الإيطالي. إنها دراما الفرصة الأخيرة التي قست على باجيو، وأبقتني بعد ذلك في انتظار النهاية السعيدة.

لماذا ميسي؟

ينبغي الاعتراف بأنني لم أحظ قط بفرصة تشجيع ميسي. أنا مشجع لمدريد منذ الصغر، وكل مشجع لكرة القدم يعرف أنه من المستحيل أن تنظر بموضوعية إلى الفريق الغريم، حتى وإن اجتمعت به أساطير كرة القدم من كل صوب. لكني لا أنكر أبدًأ أنني كنت أنظر إلى كرة «بيب غوارديولا» بكثير من الامتنان، وإلى كرة ميسي بكثير من الاستمتاع. أتمنى أن يكرر ما يفعله في كل مباراة، ويحرز ثلاثة أهداف، ثم يخسر برشلونة بخماسية لكي أغفر لنفسي بؤس خيانتي لفريق الطفولة الأثير. صمدت أمام سحر «رونالدينيو»، وتغلبت على تكامل ثنائية «إنييستا» و«تشافي»، إلا أنني لم أحظ بفرصة مشاهدة ميسي دون الشعور بالذنب.

مَن أفضل لاعب كرة قدم شاهدته؟

عندما يسألني أحدهم أجيب دون تردد: «رونالدو دي ليما»، رونالدو الظاهرة. لكني أعرف في قرارة نفسي أنه لا أحد مثل ميسي، ذلك الخليط المثالي بين جينات المهارة اللاتينية والالتزام الأوروبي.

للاعب اللاتيني سحر خاص، مستهتر يسجل بوقاحة في وجه كل التنظيمات الدفاعية، وذلك ما جعل مارادونا نسخة محببة لجميع محبي كرة القدم.

أستطيع أن أسمي لك عشرات اللاعبين القادمين من أمريكا الجنوبية، القادرين على مراوغة الجماهير قبل الخصوم، لكن هناك دومًا ذلك الجزء الخاص بالثقافة اللاتينية. ربما توضح القصة القادمة كل شيء.

في يناير 1994 سَأل «روماريو» البرازيلي، المحترف في برشلونة آنذاك، مدربه «كرويف»، حول مدى إمكانية أن يتغيب عن التدريب لمدة يومين للعودة إلى البرازيل والمشاركة في كرنفال ريو دي جانيرو الشهير. وضعه الهولندي في تحدٍّ مباشر: إذا سجل هدفين في المباراة القادمة سيعطيه يومين يستطيع خلالهما متابعة الكرنفال. في اليوم التالي أحرز روماريو هدفه الثاني في الدقيقة 20، ثم تقدم نحو كرويف مطالبًا إياه بإخراجه من الملعب، فطائرته ستتحرك بعد ساعة واحدة.

تلك القصة، التي تبدو أسطورية لبعض المتابعين، تلخص تعامل اللاتينيين مع موهبتهم الهائلة. بين تلك القدرات الأسطورية وإدراك الفرد امتلاكه لتلك القدرات من الأساس يضيع كم هائل من لاعبي كرة القدم دون أن يحققوا ما يستطيعون تحقيقه بالفعل طبقًا لمهاراتهم في عالم كرة القدم.

«روبينيو» الفقاعة البرازيلية عديمة الجدوى، «دي ماريا» الذي لم يحتمل موسمًا واحدًا في الدوري الإنجليزي، «رونالدينيو» فريسة السهر، «رونالدو» قتيل عشق «سوزانا»، والإصابة تُنهي ما بقي منه. حتى «نيمار» الذي تتفوق أرقامه على «بيليه» شخصيًّا لم يلعب، خلال موسمه الأخير، في اليوم الذي يتوافق مع عيد ميلاد أخته.

«وَحده وَحده، ليو ليو»، كما يقول المعلق التونسي رؤوف خليف، ميسي وحده الاستثناء الذي يقدم لنا الكمال. ربما انتقاله إلى أوروبا عبر بوابة برشلونة، وهو في سن صغيرة للغاية، له أثر كبير في أن يتخلص من الثقافة اللاتينية. لا أنكر أن تكوين اللاعب اللاتيني له سحر خاص، اللاعب المستهتر الذي يسجل بوقاحة في وجه كل التنظيمات الدفاعية المعقدة، وربما ذلك ما جعل مارادونا نسخة محببة لجميع محبي كرة القدم، إلا أن ميسي هو النسخة المثالية من مارادونا. ميسي يستحق أن يُتوَّج بكأس العالم ليكون قد حقق كل البطولات المتاحة. لكن هنا تكمن المشكلة: ميسي يلعب في منتخب لاتيني مشبع بالثقافة المستهترة.

ميسي: دراما الفرصة الأخيرة

سيراهن ميسي على دراما الفرصة الأخيرة، وسأراهن أنا على النهاية السعيدة.

للفرصة الأخيرة دراما خاصة، الاختيار بين الإنجاز أو نسيان الأمر إلى الأبد. إما سعادة تبقى، وإما غصة لا تزول. يقاتل ميسي في فرصته الأخيرة للفوز بكأس العالم، فالأرجنتيني سيبلغ عامه الحادي والثلاثين بعد أيام، سيفعلها تمامًا مثلما كان يفعل «روكي» في السينما. تعقدت فرصة وصول الأرجنتين إلى كأس العالم دون ميسي، ثم عاد في آخر مباراة وسجل ثلاثة أهداف، لتلتحق بلاده بأطراف الطائرة المتجهة إلى روسيا.

هل تعادلت الأرجنتين في أولى مبارياتها أمام آيسلندا؟ حسنٌ، هذا متوقع تمامًا، ستتعقد الأمور حتى توشك على الانتهاء، ثم يظهر ميسي ويصعد بالأرجنتين إلى الأدوار الإقصائية، هكذا تخبرنا دراما الفرصة الأخيرة. سيفعلها ميسي لأنه يستحق النهاية السعيدة، سيُخرِج من جيبه الجنيه المتبقي لديه، ويقامر به ضد الجميع، ثم يفوز.

لن تقسو عليه كرة القدم مثلما فعلت مع باجيو من قبل، فهو أفضل من باجيو. يستحقها أكثر من أي لاعب كرة قدم. سيراهن ميسي على دراما الفرصة الأخيرة، وسأراهن أنا على النهاية السعيدة.