الأقل حظًّا

علاج حسب الهوية الجنسية: حكايات المتروكين للموت في لبنان

الصورة: Carolyn Cole

هل أنت مريض؟ ما العلة التي تشتكي منها؟ انتظر لحظة قبل أن تجيب، أخبرنا أولًا عن ميولك الجنسية، وحذاري أن تكون مثليًّا أو متحولًا جنسيًّا، إذ قد يضعف هذا فرصك في تلقي العلاج في لبنان، حسب ما ورد في مقال كريم شهيب المنشور على موقع «Vice».

في لبنان: لا علاج للمثليين

قصة من قصص اضطهاد المثليين في لبنان

يعاني نظام الرعاية الصحية في لبنان عدة مشاكل يوردها كاتب المقال، فهو لا يوفر التغطية الصحية الشاملة لكل المواطنين، ويفضل أولئك الذين يملكون تأمينًا صحيًّا خاصًّا ومكلفًا، ويعتمد على المحسوبية مثله مثل باقي مؤسسات الدولة، وتختلف نوعية الخدمة الصحية التي يوفرها تبعًا لتوجه المريض السياسي، وحالته الاقتصادية، والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها.

أصبح من الطبيعي أن يُترك بعض المواطنين غير القادرين على العلاج للموت بعيدًا عن صندوق الضمان الاجتماعي.

نادرًا ما تلتفت الأنظار إلى محاولات نشطاء مجتمع «LGBTQ» اللبناني، الذي يضم مثليي الجنس ومزدوجي الميول الجنسية والمتحولين جنسيًّا، أن يغيروا نظام الرعاية الصحية الإقصائي ليشمل جميع فئات المجتمع دون تفرقة.

ينقل المقال عن عمر فتال، وهو طبيب نفسي شارك في تأسيس الجمعية الطبية اللبنانية للصحة الجنسية، المشهورة باسم «LebMASH»، معاناة صديقه المقرب مثلي الجنس مع المؤسسة الصحية في لبنان قائلًا: «في اللحظة التي علمت فيها طبيبة الأمراض الجلدية أنه مثلي الجنس، أصبحت متيقنة من إصابته بمرض نقص المناعة (الإيدز)، رغم ممارسته علاقة جنسية آمنة مع شريك واحد خلال التسعة أشهر الأخيرة، وعدم تلقيه دمًا أو مخدرات عبر الوريد».

انتفت كل الأسباب التي قد تدفع الطبيبة إلى الوصول لهذا الاستنتاج الخطير دون فحص طبي، فلماذا حكمت عليه مسبقًا؟ هذا جانب ممَّا يحدث لمثليي الجنس في تعاملهم مع القطاع الطبي اللبناني.

في الآونة الحالية، أصبح من الطبيعي أن يُترك بعض المواطنين الذين لا قدرة لهم على العلاج بعيدًا عن صندوق لبنان الوطني للضمان الاجتماعي للموت على أعتاب المستشفيات، دون الحصول على الرعاية اللازمة رغم استحقاقهم لها.

أكد وزير الصحة اللبناني، غسان حسباني، عقب اجتماعه مع البنك الدولي في واشنطن، تلقيه منحًا مالية وقروضًا تقدر بـ150 مليون دولار لدعم الرعاية الصحية. تحمس حسباني لاستغلال هذه الأموال في تحسين خدمات صندوق الضمان الاجتماعي الذي تقع الرعاية الصحية ضمن مسؤولياته، ببناء مزيد من المؤسسات الطبية المتخصصة وتطوير نظم الرعاية الصحية النفسية، لكنه لم يأتِ على ذكر إنفاق جزء من هذه الأموال لتغيير سياسات المؤسسات الطبية وجعلها متاحة لمجتمع «LGBTQ».

رهاب المثلية والمتحولين جنسيًّا

الخوف من المثلية في المجتمع اللبناني

يقبَل المجتمع العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة باعتبارها النوع الطبيعي الوحيد للعلاقات، وبالتالي يتبنى المجتمع موقفًا معاديًا للمثلية الجنسية. ويواجه المتحولون جنسيًّا من رجل إلى امرأة أو العكس أشكالًا مختلفة من الاضطهاد والعنصرية، حسب تعبير طبيب أمراض النساء والتوليد اللبناني الذي يورد الكاتب رأيه، حسن عبد الصمد.

يوضح عبد الصمد الموقف قائلًا: «يعلق مقدمو الرعاية الصحية بصوت عالٍ، ويسخرون من مظهر الأفراد غير محددي الهوية الجنسية، ويستهزئون من الأسماء التي اختاروها لأنفسهم».

قد يهمك أيضًا: أن تكون «بايسكشوال» في مجتمع عربي

حكى عبد الصمد عن الجحيم الذي عاشته امرأة متحولة الجنس، وُلدت على هيئة رجل وتملك هوية امرأة، نجت من محاولة عائلتها لقتلها، ثم طُردت من منزلها وهي في الخامسة عشرة من عمرها، وأُلقي بها بعد ذلك من الطابق الثاني، وكادت تفقد حياتها لولا سقوطها فوق عربة بيع خضراوات أسفل العقار.

أنفقت هذه المرأة كل مدخراتها لإجراء عملية تصحيح جنسي في السوق السوداء، لكن الطبيب لم يفلح في إتمام العملية. ولأنها لجأت إلى طريقة غير شرعية لم يكن بإمكانها مقاضاته، و«لم تستطع الشكوى، ولا تحميها الشرطة، ولا عائلتها، ولا المجتمع، وخذلها نظام الرعاية الصحية».

يحكي المقال كذلك قصة «نورا» (اسم مستعار)، وهي متحولة جنسيًّا جاءت مع صديقة لها من العراق إلى بيروت في أواخر عام 2016، وذهبا معًا إلى طبيب أسنان للحصول على «ابتسامة هوليوود»، وهي عملية لتجميل الأسنان وتبييضها، فقابلهما الطبيب بالسخرية والاستهزاء.

«حين رآنا لأول مرة بدأ في السخرية منا، فحاولنا قدر استطاعتنا التصرف كرجال، وفشلت أنا في ذلك بينما نجحت صديقتي. لم أستطع إخفاء حقيقتي بهذه البساطة». وبعد أن تركهما الطبيب ينتظرانه طويلًا، غضبت صديقتها وعبَّرت عن استيائها، فصرخ فيها الطبيب قائلًا إنه لن يأخذ أوامر عن كيفية أدائه وظيفته من «عاهرات».

تحاول جمعيات طبية لبنانية تغيير النص المبهم في قانون العقوبات اللبناني بتجريم أي اتصال جنسي «غير طبيعي»، وهو أمر غير علمي.

تحفز هذه الحوادث عبد الصمد وفريقه على صد هذه المقاومة المجتمعية التي تواجههم عندما يدافعون عن مجتمع المثليين، فلا أحد يرغب في تمويل رعاية مجتمع «LGBTQ» الصحية، لذا قوبلت جميع طلبات عبد الصمد بخصوص مناقشة مشاكلهم الصحية في أثناء المحاضرات بالرفض.

قاوم: دور الجمعيات غير الحكومية

مواجهة اضطهاد المثليين في لبنان

لا تملك الجمعية الطبية اللبنانية للصحة الجنسية «LebMASH» مقرًّا في لبنان، وينتشر أعضاؤها، بحسب المقال، في الجامعات ومراكز الرعاية الصحية ووزارة الصحة، لتمكين الفئات المقصيَّة من الحصول على رعاية صحية عادلة.

يوضح عبد الصمد أنه «في السنوات الأخيرة، ظهرت زيادة ملحوظة في كمية العمل الذي تنجزه المنظمات غير الحكومية في مجال الصحة، لكن من الصعب تقييم النتائج بحيادية دون دراسات ميدانية وإحصائيات».

تُعد التصريحات الصادرة من جمعية الطب النفسي وجمعية علم النفس في لبنان واحدةً من أكبر الانتصارات في هذه السنوات، وربما تستطيع تغيير النص المبهم في قانون العقوبات اللبناني، إذ تجرِّم المادة رقم 543 أي اتصال جنسي «غير طبيعي»، وهو الأمر الذي اعتبرته الجمعيتان غير علمي.

يفتح هذا النص القانوني الطريق أمام التأويلات المختلفة، فيُدخل بعض القضاة المثلية في حكمه. وتضامنت «LebMASH» مع المؤسسات القليلة الأخرى التي تسعى خلف الأهداف نفسها لحماية هذه الفئات المهمشة.

اقرأ أيضًا: دعوة للحديث عن الهوية الجنسية بدلًا من تجاهلها

أخذت دينا أبو عباس، المديرة التنفيذية لمركز «مَرسى» للصحة الجنسية، ومقره الرئيسي بيروت، كاتب المقال في جولة داخل المركز، وأعطته كُتيبًا عن المتحولين جنسيًّا، يشرح أنهم أكثر فئة مجتمعية تواجه فقر الخدمات الصحية في المؤسسات الطبية وغيرها من الأماكن. ويقدم المركز خدمات متنوعة بأسعار قليلة لرواده، ويتعمد توظيف عاملين من خلفيات مختلفة، يشملون مثليين ومتحولين جنسيًّا، ويوفر لمرضاه السرية التامة.

يُسهم كذلك مشروع الألِف في إزالة التوتر تجاه مجتمع «LGBTQ» عبر حملات توعية وموارد مجانية متاحة، وأنشأ خطًّا ساخنًا لدعم النساء ومتحولي الجنس، ونظم ورش عمل للجماعات المهمشة في لبنان، وشملت خدماته اللاجئين والمهاجرين أيضًا.

يبدو إذًا أن فئات كثيرة تواجه الاضطهاد في لبنان، وكالعادة، إذا لم تكن مغاير الجنس (تنجذب إلى الجنس الآخر)، ربما عليك أن تكون ثريًّا فقط حتى يمكنك استخدام النظام لصالحك.

, , ,