فكر فيها

اليأس: الدليل إلى نفسك الحقيقية

 لوحة «دليل الحرية» للرسامة المكسيكية «ماريا إزكويردو»

تداهمني، وقد تداهمك، حالة من اليأس والقنوط بين فترة وأخرى، شعور أشبه برغبة مُلِحَّة في تقشير الجلد، أو تفريغ الحشا، أو التوقف عن ممارسة الوجود، ليس حزنًا بالضرورة لكنه ضياع. تختصر صديقتي هذا السطر حين تجيبني عن سبب عزلتها الطارئة المفاجئة: نفسي تزحلقت مني. ويختصره أبو الوجودية «سورين كيركيغارد» بقوله: اليأس هو فقدان النفس.

عادةً ما تكون الرحلة لإيجاد النفس موحشة ومضنية وتتسم بالتخبط، لكن سقراط يعتقد أن إيجاد طريق السعادة يكون بفهم النفس، وأن الهدف الأساسي للفلسفة هو أن يصل الإنسان إلى السعادة في فهم نفسه.

ومن هناك خرج كتاب كيركيغارد «المرض طريق الموات»، ليشرح مرض اليأس ويحل عقدة النفس.

توليفة الروح: ما النفس؟

الازدواجية بين العقل والجسد عند الفيلسوف رينيه ديكارت

يستعمل كيركيغارد النفس والروح ترادفًا، فيصفها بأنها «توليفة»، مضاعفة غير مفهومة، هي الهيكلة الأبدية للإنسان، المؤلفة من الزمنية والأبدية، هي «قرابة مع الحيوان، وقرابة مع الإله»، ويصفها الكاتب المصري مصطفى محمود في «لغز الموت» بأنها جزء من الحقيقة الإنسانية خارج الزمن:

«كلٌّ منا يستطيع أن يحس أن بداخله حالة حضور وديمومة وامتثال وشخوص، وكينونة حاضرة مغايرة تمامًا للوجود المادي المتغير الذي يتدفق حولنا. هذه الحالة الداخلية التي ندركها في لحظات الصحو الداخلي، والتي سميتها حالة حضور، هي المفتاح الذي يقودنا إلى الوجود الروحي بداخلنا، ويضع يدنا على هذا اللغز الذي اسمه الروح.. أو المجرد.. أو المطلق».

كان الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت أول من وصف الروح عام 1633 في كتابه «الرجل»، إذ شرح الازدواجية بين العقل والجسد، وأن الغدة الصنوبرية في الدماغ هي مقعد الروح (اللامادي)، وهناك يحدث التفكير، بينما الجسد (المادي) آلة تتحرك بفعل الروح الحيوانية المتدفقة في الجهاز العصبي.  ومن هنا جاءت مقولته الشهيرة «أنا أفكر إذًا أنا موجود».

اليأس هو فقدان النفس

لوحة للرسام الفرنسي جوب تمثل نابليون بونابرت ونفسه
لوحة لنابليون بونابرت للرسام الفرنسي Job

يظل الإنسان يتسلق اليأس والوعي حتى يصل إلى الخلاص بأن تجد النفس مرجعيتها.

اليأس، وفقًا لكيركيغارد، لا ينبع من حزن أو كآبة، بل من الشعور بأن نفس الإنسان دخيلة عليه، فهذا التخلي موجع حقًّا.

قسَّم كيركيغارد اليأس بناءً على الوعي بالنفس إلى ثلاثة مستويات: «اليأس مرض الروح، مرض في النفس، لذا يمكنه أن يفترض صيغة ثلاثية: عند اليأس لا تعي ولا تشعر بوجود النفس، أو عند اليأس أن لا ترغب في أن تكون نفسك، أو عند اليأس تختار أن تكون نفسك».

كل مستوى من اليأس تقابله درجة من الوعي بالنفس، ويظل الإنسان يتسلق اليأس والوعي حتى يصل إلى الخلاص في أن تجد النفس مرجعيتها: «مرجعية النفس هي دائمًا تلك التي تكون نفسًا في حضرتها وأمامها، والمرجعية والغرض هما ما يحددان الشيء، ويعرفانه، ويضيفان إليه ماهيته».

1. الجهل: أن لا يدرك الإنسان نفسه

وهو يأس يتردد كيركيغارد في تسميته يأسًا، لأن الإنسان إذا كان يتصور أنه سعيد، في حين أنه في الواقع عكس ذلك، فلن يريد الخروج من السعادة إلى الوعي، فهو بالتالي قد لا يُعتبر في يأس،  لكن جهله بحالة اليأس هذه لا يغير من حقيقة حالته: «لو لم تَصِر النفس نفسها فهي في يأس، سواءً علمت ذلك أو لم تعلم».

الحقيقة المرة أن هذا النوع من اليأس هو الشائع لدى البشر. يكون الإنسان هنا سطحيًّا إلى درجة تمنعه من المغامرة وتحمُّل أن يكون روحًا، هو الجهل بامتلاك نفس أبدية سرمدية.

2. الضعف: أن لا يريد الإنسان أن يكون نفسه

لا يرغب الإنسان هنا أن يكون نفسه، أو لا يريد أن يكون ذاتًا من الأساس، أو يريد أن يكون شخصًا آخر، أو نفسًا أخرى، أو ذاتًا جديدة.

هذا المستوى من الوعي نابع من تحدٍّ ورفض للجهل بالنفس: «لا يوجد حقًّا يأس يخلو من تحدٍّ وتمرد ورفض، فإن أعظم أنواع التحدي والتمرد والرفض في اليأس لا يخلو حقًّا من بعض الضعف »، لكن هذا الضعف يدفع الإنسان إلى رفض نفسه، والبحث عن ذات أخرى لا تشبهه.

في هذا المستوى من الوعي وجد نابليون بونابرت يأسه، وتُظهر اللوحة أعلاه نابليون طالبًا في برينيه لو شاتوا في فرنسا، وتُظهر رغبته المفرطة في السُّلطة والقوة، رغبته في أن يكون ذاتًا أخرى غير نفسه، التي أعمته عن نفسه الحقيقية وأودت به إلى اليأس.

3. التمرد: أن يرغب الإنسان في أن يكون نفسه

لا يتيح ألم الصراع للنفس أن تنفصل عن نفسها، فيصير الألم والعذاب هو ما تريد.

النفس هنا لا تريد أن تفقد أو تخسر ذاتها، لكنها تريد أن تحققها.

«توَدُّ النفس في يأس أن تصير سيد نفسها، أو تخلق نفسها». يضاهي هذا الوعي محاولة سرقة النفس من الرب، أن يقطع الإنسان كل ارتباط للنفس بأي شيء له علاقة بقوة أوجدتها. يسعى الإنسان هنا إلى أن يكون نفسه من خلال يأسه، وما يحدث تحديدًا في هذه المرحلة هو رغبة مُلِحَّة في تحقيق النفس. هذا اليأس واعٍ بنفسه كفعل، لا يرى ذاته هدفًا يصبو إليه، بل يريد أن يشكل ذاته في الشكل اللامحدود.

ولأن النفس حينها لا ترى قوة فوق نفسها، فإنها تفتقد الصدق والحماية، مثلما سرق بروميثيوس النار من الإله وأعطاها للبشر. كَوْنُ النفس سيد نفسها ليس إلا خرافة، ممَّا يجعل هذه النفس التي وصل إليها بناء افتراضي، تبقى النفس في إطار الفرضية، فتكون بعيدة عن ذاتها، وهكذا يصل الإنسان بهذا الوعي إلى اليأس، وهذا نوع نادر لكنه يظهر بين الشعراء.

ينتج عن هذا الصراع ألم معين بطريقة أو بأخرى، ولا يتيح الألم للنفس أن تنفصل عن نفسها، فيصير هذا الألم، هذا العذاب، هو ما تريد.

رأى الإنسان الخلاص في سيادته الفرضية هذه، ولن يتخلى عن هذا الألم أبدًا، بل وقد يثور من أجله، فقد أقنع نفسه هكذا أن هذا اليأس شوكة تنخر في جسده، جزء منه، لا يستطيع أن ينفك عنها.

في هذا اليأس الأخير يمتلك الإنسان أولى مراحل الإيمان، الذي يعتقد كيركيغارد أنه الخلاص الوحيد، وأن في داخل هذا القنوط العظيم شوق مكثف للحالة الدينية الروحية، فيتساءل الإنسان حول تلك الشوكة: «هل دعاه الرب بها؟ هل يهيئه الله بهذه الشوكة لما هو خارق للعادة؟ أم أن عليه أن يتواضع لتلك الشوكة؟». إذا تخلى عن الشوكة، وآمن بقوة فوق قوة نفسه، وسلَّم الحياة الدنيوية إلى الحياة الأبدية، سيجد مرجعية نفسه، التي يصفها بالمرجعية الإلهية، ويجد نفسه.

وكلما زاد الوعي زاد اليأس، حتى يوصله إلى العلاقة مع الله، وهكذا يجد الإنسان نفسه في فلسفة كيركيغارد.

الوهم الذي يغذي النقص الكامن في البشرية

مشهد نظرة البروفيسور «وايت» للعالم من فيلم «The Sunset Limited»

يعود كيركغارد ليضرب المثال تلو الآخر بأشكال الرغبة في الانتحار عند كل مستوى من مستويات اليأس، أو الوعي بالنفس، معتبرًا هذا اليأس خطيئة، لأن كل مراتب اليأس هي إرادات ضد إرادة الرب، فالنفس تصور ومفهوم عن الرب، وإرادة الرب هي أن تكون مرجعية النفس له، لا للنفس. يشير كيركغارد بذلك، كفيلسوف وجودي مسيحي أصيل، إلى أن مناط الخلاص يقبع في الإيمان.

لكن إيمان «بلاك»، الذي يستمد منه نفسه ووجوده ووعيه في فيلم «The Sunset Limited»، لم يمنحه خلاصًا من هذا اليأس في النهاية، بل تركه على كنبته الحمراء المباركة، معلقًا بسؤال موجه إلى السماء قد لا يجد الإجابة عليه يومًا: هل هذا مقبول؟ (?Is that OK).

الفيلم مقتبس عن مسرحية كورماك مكارثي بالاسم نفسه، وتدور أحداثه حول رجلين: «بلاك» (صامويل جاكسون) و«وايت» (تومي لي جونز)، يتحاوران في شقة بلاك لمدة تسعين دقيقة عن الوجود والدين والسعادة والعدالة والفن، بعدما أنقذ بلاك وايت من محاولة انتحار عند محطة القطار.

بلاك، المتدين الذي وجد نفسه عندما وجد ربه بعد خروجه من السجن، يحاول إقناع وايت، البروفيسور الملحد، بالمعنى الذي وجده من الحياة، عسى أن يعدل عن الانتحار.

يصف وايت الرب بأنه «الوهم الذي يغذي النقص الكامن في النفس البشرية»، ويرى أن الزوال هو طريق الخلاص، لا الإيمان:  «الاستسلام هو المكان الأخير الذي وصلت إليه»، وهذا ما أراد أن يصل إليه: حقيقة «اللا جدوى».

قد يبدو هذا الفيلم وكأنه يخوض في قضية الإلحاد والإيمان، لكنه ربما يصب في قلب موضوع الوجود والوجودية، الخلود والفناء، النفس واليأس. 

هذه الروح داخلنا هي الحرية، السريرة الطليقة، المقدسة المحرمة. ربما يكمن المنفذ نحو النفس في التحلي بالشجاعة ليكون الإنسان نفسه الحقيقية، ليتقفى ويطارد الجمال والعدل والحق، كيفما تصور.

قد تنضوي صديقتي التي حكيت لكم عنها في تزحلقها وبحثها وفقاعتها الجميلة لفترة طويلة، أسابيع أو أشهر، لكني أعرف دائمًا أنها ستكون بخير.

, , , ,