الشاشة

جايمي لانستر: سحر التحول من شرير إلى بطل

لقطة من مسلسل «Game of Thrones» - الصورة: HBO

«إنه لأمر جيد أنني الشخص الذي أنا عليه. سأكون عديم النفع في عمل أي شيء آخر».

هذه الكلمات نسمعها على لسان شخصيتنا «جايمي لانستر» وهي واحدة من أهم شخصيات مسلسل «لعبة العروش»، ولا يعود ذلك فقط إلى حاجة الدراما لهذه الشخصية، فهي تحرك أحداثًا كثيرة وتؤثر فيها. لكن يعود أيضًا إلى حقيقة أنها شخصية ذات تركيبة نفسية مُعقَّدة، وأعتقد أن هذه النوعية تكون الأكثر جذبًا للمُشاهد. فالشخصيات التي تنتمي إلى الأسود أو الأبيض، لا تملك كمية كافية من الغموض الذي يدفعنا إلى متابعة قصصها بنفس الشغف الذي نتابع به قصص أولئك الذين ينتمون إلى الرمادي.

الشخصية الرمادية تجعلنا نشعر بأنها الأقرب إلينا، فنتعاطف معها لأنها تذكرنا بما هو طيب فينا، ونعزف عنها لأنها تواجهنا بما نتهرب من الإقرار بوجوده في أنفسنا.

لكننا شاهدنا شخصيات رمادية كثيرة. فما الذي يميز جايمي لانستر تحديدًا؟ ولماذا نسمع آراء وأقاويل كثيرة حول جايمي خصوصًا، مع العلم أن عدد شخصيات المسلسل لا تُحصى؟

في هذه النقاط محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة، وأيضًا محاولة لسبر أغوار هذه الشخصية.

أولًا: تَصالُح جايمي مع ذاته على طول الخط

أول ما يمكن أن يميز هذه الشخصية عن غيرها أنها تخص رجلًا متصالحًا مع ذاته، وهذا جرى توضيحه في الاقتباس الذي أوردناه على لسان جايمي.

ففي بداية المسلسل لا يجري تقديمه بأنه أكثر الرجال فضيلة في عالم المسلسل، بل على العكس، نلحَظ أن أفعاله غير أخلاقية.

قد نشعر في بداية المسلسل أن جايمي «فيلان» (شرير) صريح. لكن في عالم «جورج ر. ر. مارتن» لا تكون الأمور بهذه البساطة

جايمي سليل عائلة لانستر، وهي واحدة من الأشهر والأكثر سطوًة بين عائلات مجتمع «لعبة العروش». يتجلى ذلك بوضوح في رمز راياتهم، وهو الأسد الزائر. ونظرًا لمركز العائلة المرموق، فهي محط أنظار المعجبين والحاسدين على السواء.

نلحَظ، كذلك أن معظم شخصيات المسلسل الأخرى يكرهون جايمي، ويظهر ذلك في أفعالهم وكلماتهم، وعلى رأس هذه الشخصيات «نِد ستارك» الذي يمثل نقيض الشخصيتين الرمادية والسوداء لأنه ينتمي إلى نوعية الشخصية البيضاء بمثاليتها وأخلاقيتها.

لكن ما يثير انتباهنا حقًّا في هذه النُقطة هو سلوك جايمي تجاه ذلك. فهو لا يتهرب من حقيقة كراهية الآخرين له، ولا يتهرب من نتائج أفعاله اللاأخلاقية، ولا يبررها بشكل يجعله أكثر راحة تجاه فعلها.

إنه يدفع طفلًا من نافذة أحد الأبراج لأن هذا الطفل رآه في خضم ممارسة الجنس مع أخته التوأم «سيرسي»، وهو موقن بفداحة ارتكاب مثل هذا الجرم، وموقنًا أيضًا أنه لا يمكن تبرير هذا الفعل. لكن من وجهة نظره كان ارتكابه ضروريًّا لأن افتضاح أمر علاقته بسيرسي من شأنه تعقيد كثير من الأمور، والأسوأ أنه يضر برباط الحب الذي يربطهما.

في هذه المرحلة قد نشعر بأننا أمام «فيلان» (شرير) صريح. قد يجعلنا ذلك ننتمي إلى معسكر من الاثنين: إما كارهيه وإما مُحبيه. لكن في عالم «جورج ر. ر. مارتن» لا تكون الأمور بهذه البساطة.

قد يهمك أيضًا: هل تختلف رواية «لعبة الجليد والنار» عن المسلسل؟ اقرأ بنفسك

ثانيًا: قطبية شخصية جايمي

من خلال حمايته المستمرة لـ«بريان أوف تارث» نكتشف أن جايمي لديه قدرة على أن يكون جنتلمان حقًّا.

غالبًا، في اللحظات التي ستشعر فيها بأنك كوَّنت صورة عن جايمي لانستر، ستجد صُناع العمل يكسرون هذه الصورة بإضافة عوامل جديدة إلى المسألة الحسابية. وكما نعلم جميعًا، فالمسائل الحسابية تقوم في الأساس على قطبيْن.

في أحلك الأوقات التي تمر بها الشخصية، وفي أصعب أزماتها، نكتشف قطبًا آخر لها.

فعندما يأسره أعداؤه، نكتشف أن جايمي ليس الفيلان المتعارف عليه قديم الطراز، لكنه إنسان، له ما له وعليه ما عليه.

ففي أكثر من موقف، ومن خلال حمايته المستمرة للسيدة «بريان أوف تارث» التي تؤسر معه، نكتشف أن لديه قدرة على أن يكون جنتلمان حقًّا.

في هذه المرحلة من عمر الشخصية، نكتشف أن السبب الذي جعل مجتمع «لعبة العروش» يكرهه بشكل أساسي، ويراه رجلًا مجردًا من شرف الفارس، وذلك عن طريق قتله للملك «آيريس تارجيريان»، الملقب بالملك المجنون، هو ذاته الفعل الأكثر بطولية في حياته، لأن آيريس، بسبب هزيمته أمام جيش «روبرت باراثيون» المتمرد، وتحت ضغط جيوش «تايوين لانستر» المحاصِرة له، أراد أن يحرق العاصمة كينغزلاندنغ بأكلمها حتى لا يتسنى للمتمرد أن يظفر بشيء منها حاصدًا بذلك أرواح ملايين الأبرياء. هنا يضطر جايمي لقتله بهدف إنقاذ أرواح سكان كينغزلاندنج: «نحَرتُه للتأكد من أنه لن يفعل مثل هذه الفِعلة».

نشعر هنا بالأسى الذي يصيب جايمي من تلك النظرة المزدرية التي يرمقه بها مجتمع «لعبة العروش»، ونوقِن أنه بقدر تصالحه مع حقيقة كراهية الآخرين له، يقابل ذلك شعوره بأنه حُكِم عليه بالعار إلى الأبد، لمجرد مخالفته العُرف السائد حتى لو لمصلحة الأمر الصائب فعله.

كل هذه التناقضات الداخلية والخارجية تَزيد من صعوبة اتخاذ موقفنا تجاه الشخصية، وهذا ينقلنا إلى النقطة الثالثة.

اقرأ أيضا: الصحوة الدينية في «وستروس»: لعبة «هاي سبارو» الخطرة

ثالثًا: تجريد جايمي من أدواته

في خلال فترة أسره، يتعرض جايمي للحدث الذي رآه مركز تحول الشخصية الدرامي.

هناك أسلوب معروف عند كثير من الكُتاب في إحداث شرخ في صورة الشخصية عن طريق تجريدها من أدواتها الفعالة. فهنا تزداد صعوبة صراعاتها الداخلية والخارجية، وغالبًا يزداد بالتوازي مع ذلك اهتمامنا كمتلقين بها.

منذ بدء أحداث المسلسل يجري تقديم جايمي باعتباره واحدًا من أهم فرسان الممالك السبع، وهو مقاتل شديد البأس له صيته الذي يتردد في أرجاء ساحات القتال. لكن ذلك لا يستمر كثيرًا، فعند هذه المرحلة يقرر صُناع العمل أن يفقد جايمي أداته في القتال وحمل السيف، وهي يده اليمنى.

فبعد أن تأسره كتيبة من جنود عائلة «بولتون» الشماليين المتطرفين، يجد قائد الكتيبة غصة شديدة وكراهية لا توصف ناحية جايمي الفارس الوسيم الذكي الذي لم يعانِ الفقر يومًا. يحاول جايمي أن يراوغه هو ورجاله مستخدمًا ذكاءه ليطلقوا سراحه، مُغريًا إياهم بما يمكن لأبيه «تايوين» أن يقدم لهم من خيرات وثراوت مقابل ذلك. لكن يبدو أن الحقد يتغلب على قائد الكتيبة بدلًا من الطمع، فيقرر على نحو مفاجئ، وبشكل مريض، أن يبتر يَد جايمي اليمنى متلذذًا بحرمانه من أفضل ما يجيد.

في هذه الفترة من عمر الشخصية نجد أننا كمُشاهدين لا نملك شيئًا سوى التعاطف معها.

ما يعزز تعاطُفنا أنه في هذه المرحلة يبدأ في التخلي عن تمسكه بهذه الصورة الرائجة عنه كرجل عديم الشرف، فنبدأ في استكشاف جوهر شخصه النبيل مع تغيُّر سلوكه نحو الآخرين، فنرى ابتعاده التدريجي عن سيرسي التي تُخرِج أسوأ ما فيه بشرها وسوادها المسيطِر. كذلك نلحظ معاملته مع أخيه الصغير «تيريون» ودفاعه المستمر عنه ومساندته له ضد الآخرين حتى وإن كانوا سيرسي نفسها وأبوهم «تايوين لانستر» صاحب اليد العليا والسيطرة شبه المطلقة على كل من حوله.

رابعًا: استمراره رغم الصعاب وتضحياته من أجل قضية أسمى

كفَّر جايمي عن ذنوبه عن طريق المعاناة والألم والفقد، وسقط حتى ارتطم بالقاع عندما فقد قدرته على القتال.

ما يجعلنا في هذه المرحلة نقع في حب شخصية جايمي بشكل شبه تام، إلى جانب تحول تصرفاته من الخسة الى النبل، هو استمراره في القتال على أي حال، حتى وإن سَلَبتْه الآلهة سيفه. هنا يحضرني جملة قيلتْ في وصف جايمي بأنه «لا يوجَد شيء يستطيع إيقافه».

تتأكد لنا هذه المقولة كلما تعمقنا في متابعة الخط الدرامي للشخصية. وعندما نراجع رحلته ومسيرته كلها نجِد أن بها تيمات أدبية مشتركة مع قصص كثير من أبطال الأساطير، الأنبياء والقديسين، سواء في التراث الإنساني عمومًا أو في القصص الديني خصوصًا.

كان جايمي في البداية خطَّاء، لكنه كفَّر عن ذنوبه عن طريق المعاناة والألم والفقد، وسقط حتى ارتطم بالقاع عندما فقد قدرته على القتال، وهو كل ما يجيد. لكن ذلك لم يوقفه عن الاستمرار، وأن يختم رحلة إعادة بعثه من موته كبطل، بتضحيته بحب حياته للانضمام إلى جيوش الآدميين الذين سيخوضون الحرب العظمى، ضد جيش الموتى الذي يريد أن يأتي على الأخضر واليابس.

هذه النقاط الأربع أجد فيها التفسير وراء تعلُّقنا بشخصية جايمي لانستر، أو موقفنا المشوش ناحيته. وإنني أجد بها جوهر ما يجعلني أرى هذه الشخصية واحدة من الأكثر تعقيدًا وصعوبة في التناول في ما جرى تقديمه على مر تاريخ الدراما التليفزيونية.