اعرف نفسك

مع احترامي: لماذا نتجاهل الحقائق ونتشبث بآرائنا الخاطئة؟

الصورة: Pexels

لعلك ناقشت صديقًا لك ذات يوم في مسألة ووجدته يُصِرُّ على رأيه رغم كل الأدلة التي تُثبت عكسه. يؤمن بعض الناس مثلًا أن الأرض مسطحة، ويتجاهلون في ذلك جهد علماء قتلوا الموضوع بحثًا وأثبتوا كرويَّة الأرض بكل الطرق الممكنة: الحسابات الرياضية، والآراء الفلسفية، والقوانين الفيزيائية، والصور الموثقة، وحتى العين المجردة.

ربما تتساءل: مَن الذي يمكنه تجاهل الحقائق بهذا الشكل؟ الإجابة ببساطة: أنت، أنت تتجاهل الحقائق مثلهم تمامًا في كل مرة ترفض فيها الاعتراف بأنك على خطأ رغم توافر الأدلة التي تثبت ذلك ، وعرض مقال على موقع «نيو يوركر» أبحاثًا تناولت الإنكار الذي يتمسك به البشر لتجنب تصديق الحقائق.

الآراء الأولية غير قابلة للكسر

لماذا يلتزم البشر بقناعاتهم حتى لو ثبت خطؤها؟

دعا الباحثون في جامعة ستانفورد عددًا من الطلبة عام 1975 للمشاركة في دراسة عن الانتحار. وبحسب المقال، قرأ كل طالب رسالتَيِ انتحار، واحدة حقيقية انتحر صاحبها بعد أن كتبها والأخرى مزيفة، ثم طلب الباحثون منهم تقييم الرسالتين لمعرفة أيهما الحقيقية.

بعد ذلك، أخبر الباحثون الطلاب أن بعضهم تمكن من تحديد 24 رسالة انتحار حقيقة من إجمالي 25 رسالة عُرضت عليهم، في حين لم يتوصل الآخرون إلا لعشر رسائل فقط من المجموع.

كان هدف الباحثين الحقيقي من إجراء هذه التجربة مخفيًّا عن المشتركين، إذ كانت النتائج النهائية المعلنة زائفة بالكامل، ولم يوجد أي فارق حقيقي بين الطلاب الذين ادَّعى الباحثون أنهم استطاعوا التنبؤ بصحة الرسائل، وهؤلاء الذين أخفقوا في المهمة.

يمكن لأفكار أكثر الناس عقلانية أن تكون غير منطقية بالمرة.

لجأ الباحثون لاحقًا إلى حيلة أخرى، فأعلنوا للطلاب أن الغاية الحقيقة من التجربة كانت قياس ردود أفعالهم عند اعتقادهم بقدرتهم على التنبؤ الصحيح أو عدمه، ثم طلبوا منهم تحديد عدد الرسائل الصحيحة التي اكتشفوها، وعدد الرسائل الصحيحة التي يظنون أن أي طالب متوسط القدرات يستطيع التنبؤ بصحتها أو زيفها.

تشبث الطلبة الذين اعتقدوا سابقًا في استطاعتهم تحديد معظم الرسائل الصحيحة باختياراتهم الأصلية، رغم علمهم الحالي بعدم صحتها، كما استمر الطلبة الآخرون الذين اعتقدوا العكس في الظن أنهم فشلوا في التجربة. وتوصل الباحثون في النهاية إلى التأثير القوي للانطباعات الأولى على الأفراد، حتى وإن كانت غير مدعومة بالتفكير النقدي.

اشتهرت هذه الدراسة والدراسات الشبيهة بها، والتي أجرتها جماعة من الأكاديميين في سبعينيات القرن العشرين، وأشارت نتائجها بوضوح إلى عدم قدرة البشر على التفكير بطريقة سليمة.

دعمت الكثير من الدراسات اللاحقة هذه النتيجة، وأثبتت أنه يمكن لأفكار أكثر الناس عقلانية أن تكون غير منطقية بالمرة، ويظل التساؤل قائمًا: ما الذي يدفع العقل البشري إلى تجاهل الحقائق من أجل الاحتفاظ بانطباعاته الخاصة دون تغيير؟

الانحياز الذاتي: نعمة أم نقمة؟ 

صورة تخيلية لإنسان النياندرثال
صورة تخيلية للإنسان البدائي - الصورة: Internet Archive Book Images

يتجه الإنسان إلى التمسك بالمعلومات التي تدعم اعتقاده، وتجاهل الدلائل التي تتعارض معها.  يُعرف هذا بالانحياز الذاتي، وهو أحد أنماط التفكير الخاطئ الذي أخضعه العلماء للدراسة، بحسب ما يورد المقال.

خلال إحدى الدراسات، جمع الباحثون مجموعة من الطلبة الذين يختلفون في وجهات النظر بخصوص عقوبة الإعدام، فكان نصفهم يؤيدها اعتقادًا منهم أنها تَحُدُّ من الجرائم، وعارضها الآخرون وأكدوا عدم جدواها، وعُرض عليهم دراستان عن عقوبة الإعدام: الأولى تدافع عنها وتقدم أدلة في صالحها، والثانية تشكك فيها، ثم طُلب منهم إبداء آرائهم.

لم يعلم الطلاب أن الدراسات المعروضة غير حقيقية، وإنما هي دراسات مختلقة تتناول كلا الرأيين بحياد، وتقدم لكل رأي إحصائيات مزيفة لدعمه، فماذا حدث؟

تبنَّى كل طالب الدراسات التي تدعم موقفه الشخصي، واعتبر الإحصائيات المضادة مشكوكًا في أمرها.

يدفع الانحياز الذاتي بالإنسان إلى التغاضي عن الأدلة الجديدة، لكن هذا يُعدُّ مشكلة من وجهة نظر التطور، فهل لك أن تتخيل ما قد يحدث للفئران لو اتبعت هذا النمط من التفكير؟ ستظل على اعتقادها بعدم وجود قِطٍّ يراقبها في الجوار رغم توفر الأدلة على وجوده، وسرعان ما ستتحول إلى وجبة عشاء بمجرد أن ينقض عليها. لو كان هذا هو الحال، فلماذا لم يقضِ التطور على هذه السمة التي قد تهدد استمرار البشرية؟

لكن الهدف من الانحياز الذاتي الذي نظنه عيبًا في المنطق البشري، حسب المقال، هو حماية الفرد من استغلال الآخرين،  إذ عاش أجدادنا الأوائل في جماعات صغيرة من الصيادين، وكان الإنسان الأول قلقًا حيال موقفه الاجتماعي وسط الجماعة، فكان عليه التأكد أنه لن يصبح الشخص الذي يخاطر بحياته في الصيد بينما يرتاح أقرانه في الكهوف، ولم يكن التفكير العقلاني لينفعه مقارنةً بالتفوق على الآخرين في النقاش.

قد يهمك أيضًا: علم النفس التطوري والسلوك الجنسي للبشر

أنت تجهل مدى جهلك

مكتبة كلية ترينيتي في آيرلندا
الصورة: Diliff

لو ناقشت أحد المعارضين الذين تثق بهم من أصدقائك، ربما ينتهي النقاش وقد تبنيت وجهة نظره، ثم تمررها بدورك لآخرين يثقون بك.

في بحث آخر يورده المقال، طُلب من بعض الخريجين تقييم درجة معرفتهم بتفاصيل الأدوات البسيطة التي يستخدمونها يوميًّا، مثل دورات المياه والأقفال، ثم كتابة شرح مفصل عن كيفية عمل كلٍّ منها، وتقييم أنفسهم مرةً أخرى بعد الانتهاء من الشرح، وحينها أدرك المشاركون مدى جهلهم بهذه الأشياء البسيطة.

أشارت هذه التجربة بوضوح إلى اعتقاد البشر الخاطئ في إلمامهم بكثير من المعارف، خلاف الواقع الذي يدل على عكس ذلك، لكن هذا أمر طبيعي، فتخيَّل لو أصَرَّ كل إنسان على الإلمام بصناعة المعادن قبل استخدام السكين؟ أو دراسة كيفية عمل «السيفون» قبل الضغط عليه بعد الانتهاء من قضاء الحاجة؟

يتطلب تحصيل تلك التفاصيل عمرًا فوق عمرنا، لذا يصبح الجهل ضروريًّا في تلك المواقف. لكن هل يفيدنا ذلك النمط من التفكير في بعض الحالات الأخرى، حين نعلن مثلًا معارضتنا أو تأييدنا لموقف سياسي دون الإلمام بكل جوانبه؟

يُزيد اعتمادنا على آراء الآخرين من شدة المشكلة، فإذا ناقشتَ أحد معارضي النظام السياسي في بلدك مثلًا، وكنت تثق في رأي هذا الصديق، ربما ينتهي النقاش وقد تبنيت وجهة نظره، ثم تمررها إلى شخص آخر يثق بك كذلك، وحينها ستتجاهلون جميعًا الأدلة التي تدحض هذا الرأي بحجة أنها غير مقنعة.

اقرأ أيضًا: 3 خطوات لتجاوز الخلافات السياسية مع أصدقائك

الحل في التفاصيل

كيف تؤثر التفاصيل على إدراكنا للأشياء وتعاملنا معها؟

هل يمكن للبشر التخلي عن قناعاتهم الصارمة والتفكير بمنطقية؟

يحدثنا المقال عن دراسة أخرى منحت العلماء بصيصًا من الأمل، إذ عُرض فيها سؤالان على المشاركين: الأول يدور حول مدى اتفاقهم مع نظام الرعاية الصحية المقترح في أمريكا، والذي يهدف إلى تولي الحكومة مهمة التأمين الصحي كاملةً بدلًا من مشاركتها مع شركات التأمين الخاصة، والثاني يتناول موقفهم من تحديد رواتب المدرسين بناءً على كفاءتهم، وكان على المشاركين تحديد درجة اتفاقهم أو معارضتهم للاقتراحين.

بعد ذلك، شرح العلماء تأثير الاقتراحين في حالة تنفيذهما، فارتبك أغلب المشاركين، وحين حاولوا تحديد مواقفهم تجاه المشروعات نفسها مجددًا، جاءت النتائج أقل حدةً ممَّا سبق.

ربما لو توقفت وسائل الإعلام عن توجيه المجتمع، واكتفت بعرض الآثار المستقبلية المترتبة على كل قرار بحيادية، لتمكَّن الناس من إدراك مدى جهلهم، وعدلوا من مواقفهم.

لكن هل يمكن للبشر التخلي عن قناعاتهم الصارمة والتفكير بمنطقية في المستقبل؟ أم أن الانحياز الذاتي إلى القناعات المغلوطة والخطيرة قد يقضي على مسيرة البشرية؟ فلنعترف بجهلنا هذه الإجابة على الأقل.

, , , ,