اعرف نفسك

تجربة وعدِّت: لماذا تكسر العلاقات الفاشلة بعضنا ولا تجرح آخرين؟

بعد وقوع الانفصال، يتساءل الطرف المرفوض عن الخطأ الذي أفسد العلاقة العاطفية، وفي خضم محاولاته الإجابة عن هذا السؤال يخلق قصصًا في رأسه، ويحلل الأحداث التي سبقت الانفصال من أجل بناء حكاية متناسقة تتناسب مع تلك النهاية.

في بعض الأحيان، يكون هذا النمط من التفكير إيجابيًّا، فيساعد الشخص على تقبل الأمر وتفهمه. لكن في مرات أخرى، تتخذ عملية خلق القصص تلك صورة سلبية تؤدي إلى تفاقم الألم بدلًا من تخفيفه.

ما الذي يجعل بعض الانفصالات العاطفية أسهل من غيرها؟  هذا ما يسعى مقال نُشِرَ على موقع «The Atlantic» الإجابة عنه، مستعرضًا الأسباب التي تجعل بعضنا غير قادر على تخطي التجارب الفاشلة في الوقت الذي يتخطاها الآخرون سريعًا.

الانفصال قد يفسد نظرتنا إلى أنفسنا

طلبت كاتبة المقال «لورين هاو»، وزميلتها «كارول دويك»، من مجموعة أفراد أن يفكروا في إحدى المرات التي رفضهم فيها الطرف الآخر في سياق علاقة رومانسية، ثم يجيبوا عن هذا السؤال المباشر: «ما الذي استنتجوه من ذلك الرفض؟».

كتب أحد المشاركين في الدراسة: «أشعر بالألم والرفض. أحاول أن أقول لنفسي إن الانفصال لم يكن خطئي، لكني لا أستطيع أن أمنع شعوري بالنقص».

أظهرت بعض الإجابات أن أسباب رفض الطرف الآخر أصبحت عاملًا محددًا لشخصية الطرف المرفوض، أو بقول آخر، افترض هؤلاء أن شركاءهم السابقين اكتشفوا خِصلة غير مرغوبة في تركيبتهم الشخصية. فمثلًا، كتبت إحداهن: «كان كل شيء على ما يرام، إلى أن توقف فجأة عن التحدث إليَّ دون أن أدري السبب. لكني أظن أنه رأى أني شديدة التعلق به، وهذا ما أخافه».

قال آخر: «تعلمت أنني شديد الحساسية، وأدفع الناس بعيدًا عني كي أتجنب أن يسبقوني إلى الهجر. هذه الصفة سلبية، تدفع الناس إلى الجنون، وتجعلهم يبتعدون عني».

تقول كاتبة المقال إنه في مثل هذه القصص كشف الرفض، في رأي هؤلاء، عن عيب مستتر جعلهم يتشككون في رؤيتهم لأنفسهم أو يغيرونها تمامًا، وفي كثير من الأحيان تصوروا شخصياتهم بصفتها سامَّة ذات صفات سلبية، يمكن أن تفسد علاقات أخرى.

كتب أحد المشاركين في الدراسة: «تعلمت أنني أملك جانبًا في شخصيتي يفسد سعادتي». وقال آخر: «أشعر بالألم والرفض. أحاول أن أقول لنفسي إن الانفصال لم يكن خطئي، وإنها كانت الخاسرة، لكني لا أستطيع أن أمنع نفسي من الشعور بالنقص».

توضح الكاتبة إن كثيرًا من هذه الحكايات يشبه ما قصَّه عليها أصدقاؤها بعد الانفصال، وما شغلهم من تساؤلات، مثل: «لماذا لم أكن جيدًا بما فيه الكفاية؟» أو «هل عندي مشكلة ما؟». الأكثر أنه عندما يرى كل واحد منهم شريكه السابق في علاقة جديدة، فإنه كثيرًا ما يتساءل عن الشيء الذي يملكه ذلك الطرف الجديد، ولا يملكه هو.

ألم الفراق قد يؤثر في رؤيتك لقيمتك

بعد الانفصال، قد يكون صحيًّا أن يتأمل طرفا العلاقة ما تعلماه من العلاقة، وما يودان تحسينه في علاقاتهما التالية. لكن هذا السلوك الصحي يتحول إلى سلوك مَرضي حين تبدأ في التشكك في قيمتك أنت شخصيًّا، لأن فقدان الشريك ربما يجعلك تقع في فخ إدانة نفسك.

عندما يتعرف أحدنا إلى شريك عاطفي جديد، ينغمس في اهتمامات الطرف الآخر وهويته، ما يساعده على أن يرى الأمور بمناظير جديدة.

تُظهر الأبحاث التي أجراها عالم النفس «آرثر أرون» وزملاؤه أن مَن ينخرط في علاقات حميمة تصبح ذاته متداخلة مع الطرف الآخر في العلاقة. بقول آخر: نبدأ في التفكير في الطرف الثاني باعتباره جزءًا منا، فتختلط علينا صفاتنا وصفاته، وذكرياتنا وذكرياته، وهويتنا وهويته.

في إحدى التجارب التي سعت إلى قياس مدى القرب في علاقة ما، طلب فريق «أرون» من المشاركين أن يروا أنفسهم دائرة، وأن يروا شريكهم العاطفي دائرة أخرى، وأن يحددوا إلى أي مدى تتشابك الدائرتان.

إلى حد معين، يعد هذا التشابك بين الدائرتين أو الذاتين أمرًا إيجابيًّا في العلاقات العاطفية، وفق كاتبة المقال. عندما يتعرف أحدنا إلى شريك عاطفي جديد، فإنه يمر بمرحلة ينغمس فيها سريعًا في اهتمامات الطرف الآخر وهويته، ما يساعده على أن يرى الأمور بمناظير جديدة، وأن يوسع أفق رؤيته للعالم. بل إن إحدى متع الدخول في علاقة عاطفية جديدة هي تلك التوسعة التي تحدث لشعورنا بذاتنا من خلال التعرض لأشياء خارج الروتين المعتاد لحياتنا.

لكن هذا التشابك والانغماس في عالم جديد قد يعني أن نهاية تلك العلاقة العاطفية ربما تُفقدك ذاتك، إلى حد معين أيضًا.  في إحدى الدراسات، وبعد التفكير في انفصال عاطفي وقع، وصف بعض المشاركين أنفسهم كتابةً باستخدام تراكيب لغوية أقل تفرُّدا. وكلما شعروا بأن العلاقة التي انتهت كانت قد ساعدتهم على التطور، كانت الضربة التي تلقتها صورة الذات أشد.

في البحث الذي أجرته الكاتبة وزميلتها، ذكر المشاركون أنهم مروا بأطول فترة حزن بعد انفصال عاطفي، أثَّر في صورة الذات سلبًا. كل من قالوا إن الرفض جعلهم يتشككون في أنفسهم، ذكروا بشكل أكثر تكرارًا أنهم ما زالوا يشعرون بالضيق حين يفكرون في من رفضهم.

يظل الألم موجودًا حتى بعد سنوات من انتهاء العلاقة.

قال أحد المشاركين في البحث إن الانفصال سبب له كثيرًا من الألم النفسي الذي يبقيه مستيقظًا في الليل، رغم أن العلاقة انتهت منذ منذ 10 سنوات.

أما إذا كشف الفراق أمرًا سلبيًّا عنك من وجهة نظرك، يصبح ألم الفراق أثقل وأكثر وجعًا. 

حين يرتبط الرفض بمفهوم الذات، تزداد احتمالية الخوف من التعرض للرفض مجددًا. فيذكر الأشخاص شعورهم بالحذر في التعامل مع شركاء جدد، ووضعهم حواجز أمام الطرف الثاني. كتب أحد المشاركين: «أشعر بأنني أحبس نفسي باستمرار في العلاقات المستقبلية الممكنة، خوفًا من التعرض للرفض مجددًا».

الاعتقاد بأن الرفض يكشف عن عيب في الشخصية جعلهم يقلقون من تهديد هذا العيب لعلاقاتهم الجديدة، ويخافون من إمكانية العجز عن إيجاد شخص يحبهم مهما حاولوا بجدية.

في بعض الحالات، بدا لو كان الرفض يغير رؤيتنا للعلاقات العاطفية من الأساس، ويتركنا أكثر تشاؤمًا بشأن طبيعة العلاقات. كتب أحد المشاركين: «بالنسبة إليَّ، كان الرفض مثل فتح باب لكل ما هو سيئ، فأصبحت مفاهيم مثل الحب والثقة أوهامًا لا وجود لها».

بعض الانفصالات تتخذ شكلًا صحيًّا

حسنٌ، ما الذي يجعل الانفصال يأخذ شكلًا صحيًّا، فتخرج من العلاقة بأقل قدر من الضرر؟

كشفت الدراسة التي أجرتها الكاتبة أن بعض المشاركين لم يربط كثيرًا بين الرفض والذات، إذ وصفوا الرفض باعتباره قوة عشوائية غير متوقَّعة، بدلًا من أن يروها نتيجة عيب في شخصيتهم. كتب أحدهم: «أحيانًا لا تكون الفتيات مهتمة. الأمر لا يتعلق بطرف العلاقة الآخر، بل إنهن بساطة غير مهتمات». وقال آخر: «تعلمت أن الطرفين قد يكونا جيدين، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهما ينتميان إلى بعضهما». أما الآخرون فرأوا الرفض باعتباره تجربة يمر بها جميع الناس: «كلهم يُرفَضون. هذا جزء من الحياة».

هناك آخرون رأوا الانفصال فرصة للنمو والتطور، فحددوا مهارات بعينها تعلموها من الرفض. تحدث كثيرون عن تعلمهم مهارات التواصل، فوصفوا كيف ساعدهم الرفض على فهم أهمية رسم التوقعات الواضحة، والوقوف على الفروق في الأهداف، والتعبير عما يريدونه من العلاقة. وذكر آخرون أن الانفصال ساعدهم على تقبُّل أنهم لا يستطيعون السيطرة على أفكار الآخرين وأفعالهم، أو على تعلم التسامح.

رؤيتك لنفسك تحدد ألم الانفصال

فصلُ الرفض عن الذات يجعل الانفصال أسهل، وربطُ الاثنين يجعل الانفصال أصعب. لكن ما الذي يجعل بعضنا يعاني ويربط الانفصال بأخطاء في شخصيته، بينما لا يحدث هذا مع آخرين؟

تشير الأبحاث التي أجرتها دويك وغيرها إلى أن الأشخاص عمومًا إما يرون صفاتهم الشخصية ثابتة عبر حياتهم، وإما مرنة قابلة للتطور والتغير عند أي نقطة. هذه الاعتقادات تؤثر في رد فعل الناس تجاه الأحداث السلبية التي يمرون بها في حياتهم.

مثلًا، حين ترى ذكاءك صفة ثابتة، فمن الممكن بشكل أقل أن تثابر في مواجهة الفشل، مقارنةً بمن يرى أن الذكاء صفة قابلة للتطور.

الحكايات التي نحكيها لأنفسنا تُشكل تعاملنا مع الانفصال وقدرتنا على تجاوزه.

حين طُلب من المشاركين في البحث التفكير في حالات الرفض السابقة التي تعرضوا لها، وجدت كاتبة المقال علاقة بين من يعتقدون أن الشخصية ثابتة، وأولئك الذين يعتقدون بأن الرفض كشف لهم حقيقتهم.

إذا اعتقد إنسان ما أن صفاته ثابتة لا تتغير، فإن اكتشاف صفة سلبية يعني بالنسبة إليه أنه سيظل حبيس تلك الصفة مدى الحياة. أما الاعتقاد في إمكانية التغيير، فيعني أن اكتشاف خصلة سلبية أمر يحضُّ، عكس الحالة السابقة، على تطوير الشخصية.

الحكايات التي نحكيها لأنفسنا تُشكل تعاملنا مع الانفصال وقدرتنا على تجاوزه. تُظهر أبحاث عدة أهمية الحكايات التي نكررها على أنفسنا وعلى الآخرين في مجالات أخرى.

مثلًا، مدمنو الكحول الذين حكوا قصص تعافيهم التي تعلموا منها شيئًا، كان بإمكانهم أن يحافظوا على ثباتهم بشكل أكبر مقارنةً بآخرين حكوا قصصًا أخرى. الحكايات التي تتعامل مع قرارات محورية (مثل الطلاق أو تغيير الوظيفة) باعتبارها انتقالًا إلى مستقبل مرغوب وليس هروبًا من ماضٍ غير مرغوب، ارتبطت بمستويات أعلى من الرضا.

إحدى الاستراتيجيات المهمة في تجاوز الانفصال قد تتمثل في أن نستوعب الحكايات التي نخلقها عن تجاربنا، فقد يقول أحدنا: «كنت فاشلًا في تواصلي مع الطرف الآخر. يبدو أني لا أستطيع أن أفتح قلبي للآخرين». فيما يقول آخر لنفسه: «كنت سيئًا في التواصل في العلاقة، لكن هذا أمر يمكنني أن أطوِّره، ويمكن للعلاقات المستقبلية أن تتحسن». علينا أحيانًا أن نمارس التشكك في السيناريوهات التي نكررها على عقولنا، من أجل صياغة حكايات تحث على المرونة في مواجهة الألم.

, , ,