وجدنا عليه آباءنا

خروج بني إسرائيل من مصر: قراءة في النصوص المقدسة ووثائق التاريخ

اللوحة: Edward Poynter

خروج بني إسرائيل من مصر، بقيادة نبي الله موسى، من الأحداث المفصلية في التاريخ الذي تقصُّه الديانات الإبراهيمية التوحيدية الثلاثة. لكن مع الأهمية الدينية لتلك الحادثة، فإنها لم تُذكَر في الكتب والوثائق التاريخية، وبقيت النصوص الدينية المقدسة، مثل العهد القديم والقرآن الكريم، المصادر الوحيدة التي تمدنا بالمعلومات والتفاصيل لما جرى في تلك الواقعة المهمة.

بالنسبة إلى بعض الباحثين، يعني هذا أن الواقعة ليست لها قيمة تاريخية فعلية، أي إنهم يشككون في حدوثها ببساطة، خصوصًا بسبب التناقضات المتنوعة بين الروايات الدينية المختلفة. ما هو كل ما نعرفه عن حادث الخروج، كما تسرده النصوص المقدسة؟ وما هي الأدلة التاريخية أو الأركيولوجية، إن وُجِدت، على حدوثه؟

كيف ينظر المؤرخون المعاصرون إلى حادثة الخروج؟

اللوحة: Andrea Previtali

يقف علم المصريات والأثار القديمة، موقفًا بالغ التشدد والتحفظ، إزاء النصوص الكتابية والقرآنية المقدسة التي سردت أحداث خروج بني إسرائيل من مصر. فقد اعتاد علماء التاريخ القديم التأكيد على أن الوثائق القديمة لم تذكر أي شيء عن حادثة الخروج.

الغموض العلمي الذي يحيط بحادثة الخروج، أنتج كثيرًا من الآراء المقترَحة والمتداوَلة بشأن كل تفصيلة من تفاصيلها.

هذا الرأي وجد كثيرًا من المؤيدين بين العلماء اليهود أنفسهم. فعلى سبيل المثال، يذكر الباحثان «زائيف هرتسوغ» و«إسرائيل فنكلشتاين»، وهما مختصان في تاريخ الشرق الأدنى القديم، أن حادثة خروج العبرانيين من مصر لم تقع، وذلك ببساطة لأن اليهود لم يدخلوا مصر من الأساس، وذلك بحسب ما ورد في كتابهم «التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها».

كثير من علماء الآثار المصريين أكدوا ذلك الرأي مرارًا وتكرارًا. فعلى سبيل المثال أعلن الدكتور زاهي حواس، عن تشككه في قصة الخروج برمتها، وذلك في سلسلة مقالات نشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية، ووافقه في ذلك مجموعة من الباحثين المعروفين، من أبرزهم الدكتور وسيم السيسي الباحث في التاريخ المصري القديم.

لم يكتف السيسي بالتشكيك في حادثة الخروج، بل إنه ضرب السرديات التاريخية الدينية التقليدية كلها في مقتل، عندما أعلن أن كلمة إسرائيل لم تُذكَر إطلاقًا في أي وثيقة ترجع إلى التاريخ المصري القديم، وأن الحالة الوحيدة التي قيل فيها إن هذه الكلمة قد ذُكِرَت، كانت في «أنشودة النصر» التي دُوِّنَت فيها انتصارات الفرعون «مرنبتاح» على بعض الشعوب الأجنبية، إذ ورد في تلك الأنشودة كلمة «يسريار»، وهي الكلمة التي سارع عالم الآثار البريطاني «فلندرز بتري»، بترجمتها إلى إسرائيل، وقلده بعدها معظم الباحثين دون مراجعة أو تأكُّد. ويؤكد السيسي، في مقاله، أن الدراسات الحديثة أثبتت أن «يسريار» تشير إلى شعب من شعوب البحر المتوسط، وليس لها أي علاقة باليهود أو العبرانيين.

كل ذلك الغموض العلمي الذي يحيط بحادثة الخروج، أنتج كثيرًا من الآراء المقترَحة والمتداوَلة بشأن كل تفصيلة من تفاصيلها.

أول تلك التفصيلات، اسم الفرعون المصري الذي وقع الخروج في عهده. فهناك من قال إنه «رمسيس الثاني»، وهناك من قال إنه «مرنبتاح»، بينما ظهرت آراء أخرى تقول إن الخروج حدث في عهد احتلال الهكسوس لمصر.

التفصيلات الزمنية والجغرافية أيضًا، استحوذت على قدر كبير من الجدل، فبينما تشيع وجهة النظر التي تقول إن اليهود خرجوا من مصر إلى فلسطين، فإن بعض الباحثين المختصين يرفضون ذلك. فعلى سبيل المثال يؤكد الدكتور كمال صليبا، في كتابه الشهير «التوراة جاءت من جزيرة العرب»، أن اليهود كانوا موجودين في منطقة تُعرف بـ«مصريم» في شبه الجزيرة العربية، وأن تلك المنطقة تختلف كليةً عن دولة مصر التي نعرفها حاليًّا.

قد يهمك أيضًا: التدين ومعضلة «الدولة اليهودية» في إسرائيل

بين دخول مصر والخروج منها

اللوحة: James Tissot

إذا ما رجعنا إلى النصوص المقدسة التي تناولت حادثة خروج بني إسرائيل من مصر، والكتابات الشارحة لها، لوجدنا أن هناك اتفاقًا في الخطوط الرئيسة للأحداث التي وقعت بين دخول بني إسرائيل مصر وخروجهم منها.

بحسب العهد القديم، فإن المدة التي قضاها بنو إسرائيل في مصر، تتراوح بين 400 عام في سفر التكوين، و430 عام في سفر الخروج. وعلى الجهة المقابلة، فإن القرآن الكريم لا يقدم أي تحديدات زمنية لتلك الفترة.

يتفق العهد القديم مع القرآن الكريم في أن دخول يعقوب وأبنائه إلى مصر، قد حدث في زمن الشدة والمجاعة، وأنهم بقوا فيها عندما التقوا بيوسف الذي كان يشغل وقتها إحدى الوظائف الكبرى في الحكومة المصرية.

ويتفق الكتابان المقدسان، على حدوث تغيُّر كبير في معاملة العبرانيين من جانب السلطة الحاكمة، بعد وصول ملك مصري جديد إلى العرش.

يذكر الكتابان أوصافًا متشابهة، في معظمها، للضربات والكوارث التي أنزلها إله العبرانيين على المصريين انتقامًا منهم لظلمهم شعبه. لكن مع ذلك، فإن الكتابين يقدمان تفسيرًا مختلفًا لمسألة الخروج.

في الإصحاح الثالث من سفر الخروج، ورد قول يهوه لموسى، مفسرًا الأمر بخروج بني إسرائيل: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ أَجْلِ مُسَخِّرِيهِمْ.. فَالآنَ هَلُمَّ فَأُرْسِلُكَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَتُخْرِجُ شَعْبِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ». ما يعني أن عملية الخروج تمت بناء على أمر من إله بني إسرائيل.

أما في القرآن الكريم، فلم يأت التفسير في السياق نفسه، إذ ورد في سورة الإسراء، قوله تعالى واصفًا حال فرعون مع بني إسرائيل: «فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا».

وإذا رجعنا إلى كتابات المفسرين المسلمين، وجدنا أنها في معظمها تتفق في أن المقصود بالاستفزاز هنا هو الإخراج والإبعاد، وبذلك يكون فرعون هو الذي أراد إخراج العبرانيين من مصر.

على أن ذلك التفسير، يتعارض مع الآية 105، في سورة الأعراف، والتي يطلب فيها النبي موسى من فرعون صراحة، أن يُطلِق معه بني إسرائيل.

هذا التعارض الظاهري، جعل عددًا من الباحثين المسلمين يتجهون إلى حمل كلمة «يستفزهم» الواردة في سورة الإسراء، على معانٍ أخرى غير الإخراج، مثل القتل أو الاستهزاء.

تضارب الروايات

من أقوى الطعون التي تُوَجَّه إلى واقعة الخروج، تلك التي تنتقد تعداد بني إسرائيل وقت الخروج.

فبحسب ما ورد في الإصحاح الثاني عشر من سفر الخروج، نجد أن عدد الرجال الذين خرجوا بصحبة موسى عليه السلام، كان 600 ألف، هذا بخلاف الأطفال والصبيان والنساء، ما يجعل المجموع الكلي للعبرانيين المتجهين إلى أرض الميعاد يتراوح بين مليوني ونصف إلى ثلاثة ملايين شخص.

لو افترضنا أن عدد بني إسرائيل تضاعف في كل جيل، فإن متوالية حسابية بسيطة تثبت أن عددهم وقت الخروج لا يمكن أن يزيد عن 600 فرد.

هذا العدد أثار اعتراضات كثير من المؤرخين المسلمين الذين اعتادوا التطرق إلى تلك النقطة تحديدًا لإثبات زيف العهد القديم وتحريفه.

بالعودة إلى ما ذكره ابن حزم، في كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل»، وابن خلدون في «المقدمة»، سنجد أنهما عرضا بعض النقاط المنطقية التي تقدح في صحة هذا العدد.

أولى تلك النقاط، أنه بحسب ما ورد في بدايات سفر الخروج نفسه، فإن عدد أبناء يعقوب وأحفاده الذين دخلوا معه مصر، لم يتجاوز 75 فردًا. فكيف يستطيع هؤلاء أن يتكاثروا ليصلوا إلى مليونين أو ثلاثة ملايين، في غضون أربعة أجيال فحسب؟

لو افترضنا أن عدد بني إسرائيل تضاعف في كل جيل، فإن متوالية حسابية بسيطة بوسعها أن تخبرنا بأن عددهم وقت الخروج لا يمكن أن يزيد عن 600 فرد.

النقطة الثانية: يؤكد سفر الخروج أن كثيرًا من أطفال اليهود قُتِلوا بشكل منظم بمجرد ولادتهم، بأوامر مباشرة من فرعون، الأمر الذي يشير إلى قلة عددهم وقت خروجهم.

ويرى المؤرخون المسلمون، في ما ورد في سورة «الشعراء»، من وصف فرعون للعبرانيين بقوله: «وإن هؤلاء لشرذمة قليلون»، دليلًا على قلة عددهم زمن موسى.

طريق الرحلة، وما وقع فيها من معجزات

اللوحة: David Roberts

تختلف الآراء في تحديد توقيت الخروج. فبحسب المعلومات والإشارات الواردة في العهد القديم، انقسم الباحثون إلى ثلاثة اتجاهات كبرى: الأول يرى أن الخروج وقع في القرن السادس عشر قبل الميلاد، والثاني يجعله في القرن الخامس عشر، أما الثالث، فيحدده بالقرن الثالث عشر.

في ما يتعلق بخط سير رحلة الخروج، فإن كثيرًا من الباحثين في علوم الأركيولوجيا والحفريات، عملوا مرارًا على تمشيط منطقة البحر الأحمر وسيناء، بحثًا عن أي دليل يؤكد حادثة الخروج، لكن جهودهم ظلت بلا طائل. فعلى سبيل المثال، يذكر سفر الخروج أسماء 50 مكانًا مر عليها العبرانيون في أثناء رحلتهم إلى أرض الميعاد في فلسطين، والملاحَظ أن غالبية تلك الأسماء غير معروفة الآن.

هذه الرحلة التي يحيط بها كثير من علامات الشك والاستفهام، وقعت فيها بعض المعجزات التي وردت في العهد القديم وحده، بينما أتُّفِقَ على بعضها الآخر في العهد القديم والقرآن الكريم.

من المعجزات التي لم ترد في القرآن، معجزتا «عمود النور» و«عمود السحاب». فقد ورد في سفر الخروج: «وكان الرب يسير أمامهم نهارًا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلًا في عمود نار ليضيء لهم، لكي يمشوا نهارًا وليلًا».

كان الغرض من ذلك العمود أن يقود الشعب العبراني في طريقه، وأن يحميهم من الحيوانات المتوحشة، ولعب دورًا مهمًّا في تعطيل تقدم الجيش المصري.

أما عن المعجزات المُتفَق عليها، فأهمها على الإطلاق، معجزة «انفلاق البحر وعبور بني إسرائيل، ثم عودته إلى سيرته الأولى، وإغراق فرعون وجنوده».

حضور رحلة الخروج في الديانات الإبراهيمية

اللوحة: Nicolas Poussin

على الرغم من الخلاف في التفاصيل التاريخية، فإن الأديان الثلاثة اتفقت على الاحتفال بذكرى الخروج التي استمرت مؤثرة في المخيلة الجمعية المقدسة لدى الإبراهيميين، فقد احتفوا بتلك الذكرى، وقدَّسوها، لكن عبر مجموعة مختلفة من الطقوس والمسميات.

بالنسبة إلى اليهود، فقد اعتادوا على الاحتفال بتلك الذكرى، من خلال ما يُعرف بـ«عيد الفصح» أو «عيد الفطير» الذي يعتقدون أنه يوافق ذكرى خروج أجدادهم من مصر متعجلين، قبل أن تُتاح لهم الفرصة لتناول خبزهم، ما جعلهم يأكلونه على شكل فطير غير مختمر. ويأتي هذا العيد دومًا مع بداية الربيع، وتستمر مراسم الاحتفال به سبعة أيام كاملة.

في المسيحية، لا يوجد احتفال مباشر بذكرى الخروج، لكن الاحتفاء بتلك المناسبة يكون بشكل ضمني، مع حلول عيد الفصح اليهودي.

في الوقت نفسه، جرى اعتبار عيد القيامة (يحتفل فيه المسيحيون بعودة المسيح إلى الحياة) الذي يأتي بعد عيد الفطير بفترة زمنية قصيرة، رمزًا متوافقًا مع نجاة بني إسرائيل من الظلم الذي تعرضوا إليه في مصر.

أما بالنسبة إلى المسلمين، فقد اعتادوا أن يسترجعوا ذكرى تلك المناسبة المقدسة، من خلال صيام يوم العاشر من محرم، ويطلقون عليه «يوم عاشوراء»، إذ ورد في صحيح البخاري، أن النبي لما هاجر إلى المدينة المنورة، وجد اليهود فيها، يحتفلون في هذا اليوم تحديدًا بنجاة موسى من فرعون مصر، ولذلك دعا المسلمين إلى صيام ذلك اليوم، شكرًا لله وتقربًّا إليه، وفسر ذلك بقوله: «نحن أولى بموسى منكم»، قاصدًا يهود المدينة.

هكذا اتفقت الأديان الثلاثة، في ما بينها، على الاعتراف بحادث الخروج، مع الاختلاف على تفاصيله، فيما ظل التاريخ غير قادر على تقديم أدلة تجريبية على هذا الحدث، وحاله في ذلك يماثل حاله في قصص أخرى وردت بالنصوص المقدسة.

يشكل القصص الديني عمومًا واحدًا من الإشكالات الكبيرة بالنسبة إلى مفسري النصوص. فهل عليهم التسليم بهذه القصص، باعتبارها وقائع تاريخية، حدثت بالضبط كما وردت في النص، أم إنها قد تكون قصصًا رمزية مثلًا، ويجب التعامل معها تأويلًا، وعدم اعتبارها تاريخًا فعليًّا؟