يهمني الإنسان

استعادة كرامة الإنسان في ضوء أفكار «حنة آرندت»

الصورة: Getty/Fred Stein Archive

في عام 1933، احتجز المحققون النازيون «حنة آرندت»، اليهودية الألمانية، حين كانت تبلغ من العمر 27 عامًا. كانت من بين القلائل الذين أُطلِق سراحهم بأعجوبة، فغادرت ألمانيا بطريقة غير شرعية لتستقر في باريس. في 1940، عندما بدا أن القوات الألمانية على وشك احتلال فرنسا، وضعت السلطات الفرنسية آرندت وغيرها من الألمان في معسكرات اعتقال. مرةً أخرى نجت آرندت بمعجزة من هذا الاعتقال، ثم نجحت في الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، ومن خلال الوصول عبر البرتغال، وصلت آمنة إلى نيويورك عام 1941.

فلسفة آرندت السياسية تشكلت بفضل تجربتها كيهودية في ألمانيا النازية، ثم استقرارها في الولايات المتحدة كلاجئة، إذ قالت إن «الفكر ينتج عن واقع الحوادث. وتلك الحوادث إنما هي نتاج التجارب الحياتية، والتي يجب أن تصبح علاماتنا الإرشادية». موضحة أن «الأحداث والقصص التي تصبح في ما بعد علامات إرشادية، تحمل في طياتها المعنى الكامل لما نريد أن نقوله».

اختارت الباحثة السياسية من الأحداث والقصص التي مرت بها، أن تكتب عن الدولة اليهودية وحقوق اللاجئين وهشاشة الديمقراطية. توفيت حنة في عام 1975، لكن الفيلسوف السياسي «ريتشارد برنستين»، في كتابه الجديد «لماذا علينا أن نقرأ حنة آرندت الآن؟»، يرى أنها تمنحنا توجيهات إنسانية حول أكثر المعضلات السياسية صعوبة في وقتنا المعاصر.

ترى آرندت أن اليهودي المتحرر يجب عليه أن يكون واعيًا ومدركًا لموقفه، وكفاحه من أجل الحرية جزء لا يتجزأ من قضية كفاحٍ عامة يجب أن يشاركها اليهود جميع المضطهَدين في أوروبا لتحقيق التحرر الوطني والاجتماعي. لهذا السبب، انزعجت آرندت من «الصهيونية»، وهي تَصوُّر بعض الصهاينة عام 1942 لدولة يهودية وسط العالم العربي، تجعل العرب فيها أقلية رغم أنهم يشكلون غالبية السكان. لقد انزعجت من شعورهم بأحقية تاريخية مزيفة، وعبَّرت عن ذلك بأن «إبداء وجهات نظر مختلفة، وإدراك أن الآخرين قد يفكرون بطريقة تختلف عما نراه صوابًا حول نفس القضية، يحمينا من اليقين الذي نحسبه مقدسًا ويقتل كل محاولات النقاش».

بالطبع يبدو الحل جذابًا من الناحية السياسية، لكنه يعكس أيضًا فلسفتها الكلية المتمثلة في التعايش السلمي الذي تخلقه الديمقراطية. وبدلًا من قيام دولتين، دعت إلى قيام دولة واحدة تجمع بين العرب واليهود، حيث تُعقَد بداخلها مجالس عربية-يهودية بإشراف المجتمعات المحلية. وحذرت كثيرًا من أن بديل ذلك هو أن اليهود المنتصرين سيعيشون محاطين دومًا بسكانٍ عرب لا يتقبلونهم، ومحاصرين بحدود دائمة التهديد.

المهاجرون والدولة اليهودية المستقبلية

الصورة: Mstyslav Chernov

حتى حينما تناولت قضية إنشاء دولة يهودية مستقبلية، كانت آرندت تنظر إليها من خلال حالتها كلاجئة، تلقت مساعدات كبيرة من منظمات اللاجئين حين هربت إلى أمريكا، وكان عدد من أصدقائها لاجئين. لهذا يعلق بيرنستين: «كتبت آرندت عن اللاجئين بنظرة شخصية، وتناولت قضيتهم في جميع أنحاء العالم بمزيج من الذكاء والسخرية الهادفة والشعور العميق بالحزن». كتبت بعد وقتٍ قصير من وصولها إلى الولايات المتحدة مقالًا بعنوان: «نحن اللاجئون». الجملة الافتتاحية للمقال تحمل في طياتها صدى منزعجًا، إذ قالت إنه قبل كل شيء، لا نحب أن يُطلق علينا لقب «لاجئون»، ونفضِّل كثيرًا لو يصبح وصفنا «الوافدون الجدد» أو «المهاجرون».

أما اليوم، فقد اختفى مصطلح «الوافدون الجدد»، وأصبح الجدل منحصرًا بين «اللاجئ» و«المهاجر». فاللاجئون، من حيث المبدأ، مرحَّبٌ بهم ما داموا غير مهاجرين اقتصاديين. وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة باللاجئين، فإن الدولة الموقِّعة ملزَمة بقبول أولئك الذين لديهم خوف مبرر من التعرض للاضطهاد بكل أنواعه، ما يجعلهم مؤهلين للحصول على لجوء. قديمًا، كان يُمنح حق اللجوء لكل الناس. لكن بزيادة الأعداد أصبح كثيرون يقابَلون بالرفض لأسباب اقتصادية، وأصبح التمييز بين اللاجئين والمهاجرين أكثر حدة منذ وفاة آرندت.

بسبب الاختلافات الكبيرة في الدَّخل والثقافات، فإن منح اللاجئين والمهاجرين في الدول المتقدمة حقوقًا، لن يحل المشكلة.

يعلِّق «ديدييه فاسين»، عالم الأنثروبولوجيا والاجتماع، بأن بلده فرنسا استقبل لاجئين من تشيلي وفيتنام حتى سبعينيات القرن العشرين. لكن بسبب الأوضاع الاقتصادية بعد الحرب، كانت هناك حاجة أقل للعمال الأجانب أملًا في تعزيز قوة العمل المحلية.

إن العالم يواجه مشكلة صعبة، وأعداد من يطالبون باللجوء كبيرة وتزداد مع الوقت، وغالبية المطالبين فقراء يائسون، ما يدفع بعضهم إلى محاولة الهروب من بلدانهم إلى وجهاتهم المرغوبة بطرق غير شرعية مع المخاطرة بحياتهم. هناك أمر آخر أصبح مشكلة للدول المستقبِلة، وهو أن بعض طالبي اللجوء والمهاجرين الذين يأتون من بلدان بعيدة، مثل مالي وبنغلاديش وغواتيمالا، التي تختلف كثيرًا في أحوالها عن البلدان المستقبِلة، ما يجعل الأمر مكلفًا وصعبًا بعض الشيء بالنسبة إلى تلك الدول.

بينما تمنع بعض السياسات القاسية التي تفرضها الدول المستقبِلة للهجرات غير الرسمية، فإنها قد تؤثر كذلك بصورة سلبية في الهجرة الاقتصادية الرسمية. هذا يعني أن توقُّع برنيستن حول قضية اللاجئين، والتي شغلت آرندت كثيرًا، ما زالت مستمرة حتى اليوم.

لقد كان مبدأ آرندت أن كل شخص لديه حقوق. لكن لسوء الحظ، بسبب الاختلافات الكبيرة في الدَّخل والثقافات، فإن منح اللاجئين والمهاجرين في الدول المتقدمة حقوقًا، لن يحل المشكلة. لذلك هناك دعوات تحث على الإسهام في تحسين أوضاع من يطالبون باللجوء، ليس فقط في بلدانهم، بل في الدول المجاورة لهم، والتي يمكنهم اللجوء إليها. وهي دعوة كانت آرندت ستدعمها بكل تأكيد.

اقرأ أيضًا: بريق ما يمكن أن يكون: حنة آرندت و«الحب والقديس أوغسطين»

آرندت والدولة القومية الكبرى

الصورة: Evan Guest

أما الموضوع الأخير الذي أتناوله هنا، هو دعوة آرندت الشغوفة إلى الحوار. فقد بلور هروبها من الشمولية وجهة نظرها حول هذا الأمر، ولهذا السبب أيضًا كانت تقلق بصدق من هشاشة الديمقراطية.

افتتحت أكثر مقالاتها شهرة: «حقيقة وسياسة»، ببيان درامي: «الحقيقة والسياسية لم يتخاصما دومًا، ولم يذكر أحد الصدق في أثناء إحصائه للفضائل السياسية». لم تقصد هنا الديماغوجيين فقط، لكن رجال الدولة كذلك الذين يرون الكذب أداة مقبولة في مجالهم. نتيجة لذلك، فإنها كانت متيقنة أن وجود حقيقة قد نجت من هجمات السلطة، فرصة ضئيلة للغاية.

لم تؤيد آرندت فكرة الدولة القومية الكبيرة، لأنها خشيت من تلاعب القادة بعدد أكبر من الناس ونشر أكاذيبهم على نطاق أكبر.

بالنسبة إلى آرندت، فإن العداء بين الحقيقة والسياسة كان دائمًا يتمثل في الخطاب العام. فإن كانت الحقائق تعارِض مصلحة مجموعةٍ ما، فإن تلك الحقائق لن تخرج أبدًا إلى النور، وتعد عدائية. حتى الحقائق الراسخة يمكن اتهامها بأنها مجرد آراء شخصية، والسياسيون الماهرون عادة ما يستخدمون «البلاغة» لكسب أعداد أكبر من المؤيدين، ثم يتطور الأمر إلى التلاعب الكامل بالحقائق بحجة أساليب التعبير المختلفة، التي تنتهي إلى إعادة كتابة التاريخ مرة أخرى، بصورة مزيفة. وهي الظاهرة التي يطلق عليها العالم اللغوي «جورج لاكوف» مصطلح «التأطير».

حذرت آرندت من هذا العداء بين الحقيقة والسياسة لأنها رأت أنه سيتحول إلى استبداد، وأوضحت كثيرًا أن الطغاة لا يحبون الحقيقة، فهم يحافظون على سلطتهم بنشر أكاذيب يحسبونها بيضاء.

إن أصداء ما عبرت عنه آرندت في الحاضر واضح جدًا. لقد أصبح السياسيون الذين يبحثون عن منفذ لتحسين صورتهم يروجون للكذب باعتباره حقائق بديلة. إن صعود دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية وتمسكه بطبقة جماهيرية معينة، يتماشى مع النموذج الذي نطرحه. في الهند، وضع رئيس الوزراء «ناريندرا مودي» تمثال «مهاتما غاندي» بينما يرتكب أنصاره أفعالًا عنيفة ووحشية ضد المسلمين وأقليات أخرى.

لأن تحليلها لهذه النقطة قادها إلى الإيمان الكامل بحقيقة الصراع، وأنه لا مجال لحله، كانت آرندت لا تؤيد فكرة الدولة القومية الكبيرة، لأنها خشيت أن ذلك سيمكن القادة السلطويين من التلاعب بعدد أكبر من الناس ونشر أكاذيبهم على نطاق أكبر. في بحثها حول «استعادة كرامة السياسة»، استرشدت آرندت بنفس الفكرة التي جعلتها تدعو إلى وجود مجالس محلية عربية-يهودية منظمة في دولة متحدة.

لقد آمنت بأن تلك الكرامة استعيدت في لحظات مميزة في التاريخ، مثل الثورتين الأمريكية والفرنسية، وكذلك خلال انتفاضة بودابست عام 1956. يضيف بيرنستين أن مثل هذه اللحظات المثمرة لا يستمر طويلًا. وهذا أمر حقيقي، فقد شعر «توماس جيفرسون»، أحد واضعي الدستور الأمريكي، بالقلق من أن الروح الثورية البنَّاءة يمكنها أن تتلاشى بسهولة.

كانت رؤية آرندت الأساسية أن البشر لا يولدون متساوين، لذلك هناك حاجة دائمة إلى بناءٍ سياسي يخلق تلك المساواة المفقودة. قادتها هذه الفكرة إلى المطالبة بوجود «مساحات عامة يمكن للسياسيين فيها أن يتصرفوا ويفكروا، ويحكم الناس على ما يقولونه ويفعلونه، بدلًا من ذلك التلاعب بالحقائق الذي يحدث دائمًا». عندها فقط يمكن للنظام السياسي أن يستند إلى الإقناع العقلاني بدلًا من الإكراه. عندها يصبح دور الإقناع العقلاني أكثر أهمية، إن فهمناه. ويؤكد المنظر السياسي «روبرت داهل»، في «مدخل إلى النظرية الديمقراطية»، أن الأسئلة السياسية غالبًا، ليس لها إجابة صحيحة.

خوفاً من ضياع ديمقراطية أوروبية

الصورة: Obama White House

رحلت آرندت عن عالمنا عام 1975، لذلك لم تشهد التوسع المستمر للاتحاد الأوروبي. لكنني أتوقع أنها كانت ستشعر باستياء، مثلما شعر المؤرخ الاقتصادي «آلان ميلوارد» تجاه حقيقة أن الديمقراطية في أوروبا تتقلص شيئًا فشيئًا. إضافة إلى تركيز آرندت على أهمية المجالس المحلية والمساحات العامة، فإنها حذرت من توسع فكرة «الدولة التمثيلية»، حيث يبتعد صانعو القرارات أكثر فأكثر عن ما يريده الشعب. يصف الكاتب «بانكاج ميشرا» هذه الظاهرة بأنها: «تقلِّص الاحترام المتبقي للعملية السياسية». إن الاتحاد الأوروبي يتبنى مفهوم الدولة التمثيلية بشكلٍ كبير، ما تسبب في غموض غير عادي في ما يخص المساءلة وتحمل المسؤولية، وبالتالي يولِّد غضبًا وشعورًا بالخذلان لدى المواطنين.

كان «يواخيم غاوك»، الرئيس الألماني السابق والفائز بجائزة حنة آرندت للفكر السياسي، واحدًا من السياسيين الأوروبيين القليلين الذين كانوا يخشون فقدان الديمقراطية في أوروبا. ففي خطاب ألقاه في فبراير 2013، مع استمرار أزمة منطقة اليورو، صرح غاوك: «في بعض الدول الأعضاء، يشعر الناس بأنهم يمتلكون قرارًا في الأزمة الحالية. وفي دول أخرى، يشعر الناس بخوف متزايد من مواجهة التقشف والوقوع في براثن الفقر. وبالنسبة إلى عدد من الناس العاديين في أوروبا، فإن المساومة بين العطاء والأخذ، والديون وتحمل المسؤولية، لم يعد أمرًا عادلًا. إن الاتحاد الأوروبي يجعل كثيرين يشعرون بالعجز وبأنهم لا صوتَ لهم ولا قرار. ما زال من الصعب تحديد ما الذي يجعلنا أوروبيين، وما تعنيه الهوية الأوروبية التي نحملها».

رفضت آرندت التفاؤل الطائش واليأس الطائش. وكان تفاؤلها يكمن في إيمانها بأن البشر لديهم القدرة على السعي لأن يجعلوا الحرية واقعًا عالميًّا.

حاول غاوك أن يحث الأوروبيين على جعل هويتهم أكثر وضوحًا وإدراك ما يريدون تحقيقه. لكن قليلًا منهم اهتموا برسالته، إذ تظل صورة أوروبا غير ملوثة في أعين الأوروبيين. تتغير لغة الشعارات، لكنها تعني الأمر ذاته: «اتحاد أقوى وأكثر تماسكًا» و«وحدة في التنوع»، أو كما عبَّر الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» مؤخرًا: «السيادة الأوروبية». بينما تزداد الاختلافات بشكل يومي بين الدول الأعضاء أو ربما يخشون الحسد فقط.

أراد غاوك خلق لغة مشتركة نتحدث بها عن كرامة الإنسان وقيَمِه بدلًا من المركزية التي خلقها الاتحاد الأوروبي. إن هذه اللغة المشتركة ستحيي ذكرى آرندت وما دعت إليه طيلة حياتها، وتعزيزها سيكون في «آغورا» أوروبية (ساحة مشتركة للمناقشة)، حيث يمكن العيش معًا في نظام ديمقراطي، تمامًا مثل مفهوم آرندت حول المجالس العربية اليهودية. لكن تنبؤه هذا، مثل تنبؤ «آرندت» حول مستقبل الدولة اليهودية، يشكل تحذيرًا.

ينهي برنستين كتابه الصغير بتذكير القارئ بأن آرندت رفضت التفاؤل الطائش، وكذلك اليأس الطائش. إنه يرى أن تفاؤلها يكمن في إيمانها بأن البشر لديهم القدرة على الفعل والبدء والسعي لأن يجعلوا الحرية واقعًا عالميًّا. لكن لتحقيق هذه الحرية، أدركت آرندت أنه من الضروري أن نبدأ في تحقيقها فورًا قبل أن تصبح مجرد «ذكرى لحدث تاريخي».