يهمني الإنسان

الحياة بعد غوانتانامو: كيف أثرت 14 سنة من الاعتقال في حياة طارق السواح؟

معتقل غوانتانامو - الصورة: Shane T. McCoy

نُشِرَ هذا المقال على موقع «Middle East Eye». كتبته الصحفية البولندية «ليديا كوراسينسكا»، وترجمته لـ«منشور» ندى حنان.

يسير طارق السواح ببطء غارقًا في كآبته بين العمارات السكنية في ضواحي سراييفو، عاصمة جمهورية البوسنة والهرسك، بعد إطلاق سراحه من سجن غوانتانامو، حيث قبع دون محاكمة لما يقرب من 14 عامًا.

«لم يعتذروا لي. أنزلوني في مطار سراييفو بعد 14 عامًا ولا أملك من الدنيا سوى قميصًا»، هكذا يعقِّب السواح تعليقًا على إطلاق سراحه، قبل أن يضيف: «أعيش دون أوراق، وبالتالي لا يمكنني الحصول على وظيفة أو الاعتناء بنفسي».

صراع مع المرض والاكتئاب في غوانتانامو

بوابة لمعتقل غوانتانامو
معتقل غوانتانامو - الصورة: Sgt. Cassandra Monroe

خلال فترة سجنه، كان السواح يقضي أيامه بالكامل مكبلًا بالأصفاد في حبس انفرادي برغم حالته الصحية المتدهورة ومعاناته من الاكتئاب، كان معزولًا في زنزانة تبلغ مساحتها مترين في مترين، دون اعتبار لوزنه الذي كان يبلغ وقتها نحو 136 كيلوجرامًا.

أكدت وثائق تقييم حالة معتقلي غوانتانامو المُسرَّبة، التي صدرت بتاريخ 8 سبتمبر 2008، سوء حالة طارق السواح الصحية، إذ ورد فيها أنه «مصاب بالبدانة المَرَضيَّة التي أدَّت إلى ارتفاع نسبة الكوليسترول، ومصاب كذلك بداء السُّكَّري ومرض الكبد الدهني غير الكحولي، بالإضافة إلى ألم مزمن أسفل الظهر، وعِرق النسا».

أكد ترامب أنه سيملأ معتقل غوانتانامو عن آخره بمن سمَّاهم «الأشرار».

رغم سقوط التهم الموجَّهة إلى طارق السواح عام 2012، فإنه ظل مسجونًا لأربع سنين أخرى. اعترض الرجل على قضائه 14 عامًا في غوانتانامو دون محاكمة، ويحاول اللجوء إلى السُّبل القانونية للطعن على اعتقاله لهذه الفترة الطويلة، لكنه لا يشعر بالتفاؤل في ظل إدارة دونالد ترامب الجديدة.

مرَّت سبعة أعوام منذ وقَّع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قرارًا بإغلاق كل معسكرات الاعتقال في خليج غوانتانامو وكوبا. أُفرج عن كثير من السجناء لكن السجون ظلت قائمة، ولا يبدو أن ترامب ينوي استكمال مسيرة إغلاقها.

يخشى كل السجناء الحاليين والمفرَج عنهم ضعف نوايا الإصلاح، إذ صرَّح ترامب خلال حملته الانتخابية في فبراير 2016 بأنه سيملأ معتقل غوانتانامو عن آخره بمن سمَّاهم «الأشرار».

طارق السواح: من سجن إلى سجن جديد

معتقل يحمل كتب في غوانتانامو
الصورة: Petty Officer 2nd Class Jayme Pastoric

تلقى طارق وعدًا من أمريكا بتعويضه بمبلغ 200 ألف دولار، لكنه لم يستلم منها شيئًا.

حصل السواح على حريته في يناير 2016، ثم عرضت جمهورية البوسنة والهرسك التي يحمل جنسيتها استقباله مجددًا بعدما أُسقطت التهم الموجهة إليه، والتي كانت التآمر مع أفراد ينتمون إلى تنظيم القاعدة وتزويدهم بمواد لدعم الإرهاب.

يعيش طارق حاليًا في صراع اقتصادي مستمر، ويعتمد على تبرعات من مساجد ومؤسسات خيرية محلية، رغم أن حكومة البوسنة سبق أن عقدت اتفاقًا مع الولايات المتحدة لتوفير مأوًى ومساعدة مالية له، لكن بدل المعيشة الذي بدأ في استلامه مؤخرًا (125 دولارًا شهريًّا) ضئيل للغاية مقارنةً بمستوى الحياة في البوسنة.

يقول السواح إنه تلقى وعدًا من الحكومة الأمريكية بتعويضه بمبلغ 200 ألف دولار، لكنه لم يستلم شيئًا حتى الآن، وهو ما أكدته الباحثة في منظمة العفو الدولية لدول البلقان والاتحاد الأوروبي، «جيلينا سيزار»، وعلقت قائلة إنها تتفهم وعود الحكومة الأمريكية بالمساعدة المالية والقانونية كجزء من إعادة توطين طارق السواح، لكن «هذه المساعدات لم تتحقق مطلقًا».

ورغم مطالبة الحكومة الأمريكية بتوضيح موقفها، إلا أنها لم تؤكد أو تنفِ تنفيذها أيًّا من إجراءات الدعم.

بداية القصة: حرب البوسنة

لاجئين من البوسنة
لاجئون من البوسنة - الصورة: Mikhail Evstafiev

منحت البوسنة جنسيتها لطارق تقديرًا لخدمته في جيشها، ثم نزعتها وقت اعتقاله.

سافر طارق السواح إلى البلقان (منطقة جنوبِي أوروبا تضم عدة دول) في بداية تسعينيات القرن العشرين، في الوقت الذي كانت فيه الحرب تجتاح المنطقة بعد تفكك يوغوسلافيا، وعمل في مقر المكتب الإعلامي لـمنظمة الإغاثة الإسلامية الدولية في زغرب عاصمة كرواتيا، ثم انتقل بعد ذلك إلى البوسنة ليعمل سائق حافلة لتوزيع المساعدات الإنسانية، قبل أن يلتحق بجيش البوسنة للمشاركة في الحرب، دون أن يوضح دوافعه لذلك.

انتهت الحرب بعقد معاهدة دايتون للسلام عام 1995، واستقر السواح مع غيره من الجنود الأجانب وعمال الإغاثة السابقين في قرية بوتشينيا في البوسنة، حيث تزوج كثير منهم، وأغلبهم من شمال إفريقيا والشرق الأوسط. يُقدَّر عدد المحاربين الأجانب الذين استقروا في البوسنة بعد وقف إطلاق النار بين 700 وألف جندي، مُنحت الجنسية لأغلبهم تقديرًا لخدمتهم في الجيش، وكان طارق من بينهم.

تزوج السواح من فتاة بوسنية وأنجبا طفلة تدرس حاليًا في مدرسة ثانوية، وتُعاني كما يعاني أقارب السجناء السابقين، الذين يكونون عادةً تحت المراقبة ويُفضِّلون البعد عن الأنظار. يفتقد الرجل حياته خلال الفترة التي تلت الحرب مباشرةً، حين كان يملك أرضًا ومصدر دخل.

عُقدة القصة: الحرب على الإرهاب

هجمات 11 سبتمبر

رغم خدمة المحاربين الأجانب في الجيش البوسني وحصولهم على الجنسية، أصبح وجودهم في وقت لاحق مصدر إزعاج للحكومة، التي اعتبرتهم داعمين للتطرف الإسلامي، ولم ترغب في أن يُنظر إليها وكأنها ملجأً للجنود المسلمين، فاستجابت للضغوط الدبلوماسية من حلفائها الدوليين لترحيلهم. 

بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، ألحَّت أمريكا على البوسنة لتسلِّمها المحاربين الأجانب الذين رأت فيهم تهديدًا، فسلَّمت الحكومة البوسنية في البداية ستة جزائريين كانت محاكمها قد أخلت سبيلهم لعدم كفاية الأدلة، لكن الولايات المتحدة أرسلتهم بعد ذلك إلى غوانتانامو، وقوبلت هذه القضية بإدانة عالمية.

رحل السواح إلى أفغانستان للهرب من الترحيل، ولم يكن وحده من اختار كابول بدلًا عن مسقط رأسه، فقد ظن هو وكثير من أقرانه أن خدمتهم في الجيش البوسني وقت الحرب ستعرضهم لخطر الحبس أو الملاحقة القضائية إن عادوا لأوطانهم.

مزيد من الحبكة: طارق السواح وتنظيم القاعدة

تقرير «CNN» عن ربط تنظيم القاعدة بتفجيرات «قنبلة الحذاء»

رفض السواح ذكر أسباب اختياره لأفغانستان تحديدًا، وكذلك طبيعة الأنشطة التي اشترك فيها هناك، لكن ملف اعتقاله المُسرَّب يُطلعنا على مزيد من التفاصيل، برغم أنه لا يضم إلا جزءًا صغيرًا من الحقيقة فقط، لأن الرجل «اعترف بانضمامه إلى القاعدة، كما نفى أنه التحق بالتنظيم ».

بحسب الملف، تنقَّل طارق بين كثير من بيوت الضيافة التابعة لتنظيم القاعدة حتى وصل إلى معسكر الفاروق، حيث تدرَّب على أساليب المعارك داخل المدن وتكتيكات الحروب في الجبال، وكذلك على استخدام مدافع الهاون.

عدَّد الملف «مهارات» السواح المزعومة في صناعة القنابل، ومنها تركيب «قنبلة حذاء» يمكن استخدامها لإسقاط طائرة، كما ذكر أن له تاريخ طويل مع الإرهاب، وأنه تعامل مع عدد من الشخصيات النافذة في القاعدة، لكن السواح شدد خلال الحوار على أنه لو كانت هذه الاتهامات حقيقية لكان قد حُوكِم بسببها.

أصيب الرجل بجروح بالغة نتجت عن انفجار قنبلة عنقودية في أثناء محاولته المرور من أفغانستان إلى باكستان عبر جبال تورا بورا، فقُبض عليه وسُلِّم إلى قوات تحالف الشمال في 2001، وبعد قضائه فترة في عدد من السجون الأفغانية نُقل إلى غوانتانامو في مايو 2002.

نهاية مفتوحة: مستقبل دون ملامح

كيف صارت الحياة في غوانتانامو الآن؟

تتحمل حكومة أمريكا مسؤولية حل الأزمة التي خلقتها في غوانتانامو.

لا يملك طارق الجنسية المصرية أو يتلقى أي مساعدات من مصر، بل يؤكد أنه لم تعد تربطه علاقات بوطنه الأصلي مُطلقًا، وأنه يرغب فقط في إعادة بناء حياته في البوسنة حيث تعيش ابنته. خلال اعتقاله، أسقطت البوسنة جنسية السواح كما أسقطتها عن غيره، فصار دون وطن يعترف به.  ولقى إسقاط الجنسية البوسنية عن المحاربين الأجانب حملة اعتراض واسعة، لأن الحُكم لم يقبل النقض، وتسبب في ترحيل عدد كبير من الجنود السابقين، أحيانًا بسبب أخطاء بسيطة في أوراقهم.

قد يهمك أيضًا: بين المنح والسحب.. هل الجنسية حق المواطن أم الدولة؟

سمحت البوسنة للسواح بالعودة بعد ذلك تنفيذًا لاتفاقها مع الولايات المتحدة، لكنها قَصَرت دورها على المساعدة في حمايته والسماح له بالبقاء على أراضيها فقط، مع منحه حقوقًا محدودة، وهو ما يشعر طارق بالاستياء حياله، كما يشعر بالإحباط نتيجة وضعه القانوني غير المحدد، لكنه يختصَّ الحكومة الأمريكية بشكواه الأكثر مرارة.

ترى منظمة العفو الدولية أن الحكومة الأمريكية تتحمل مسؤولية حل الأزمة التي خلقتها في غوانتانامو، ويتوجَّب عليها أن تعمل مع الدول المضيفة للتأكد من إعادة توطين المعتقلين السابقين بعد خروجهم من السجن، واحترام الجميع لحقوقهم الإنسانية، بالإضافة إلى تلقيهم دعمًا ماليًّا للمساعدة في دمجهم مجددًا في المجتمع.

يتضمن الدعم المطلوب مساعدات في السكن والتنقلات والرعاية الصحية والاجتماعية، بالإضافة إلى فرص للدراسة والتوظيف، حتى يتعلم المعتقلون السابقون حرفة ويستطيعون الحصول على أجر يعينهم على المعيشة، وهو ما يمثل أهمية خاصة لبعض الدول مثل البوسنة، التي تكافح لتلبية احتياجات سكانها.

قد يعجبك أيضًا: هل يتكرر سيناريو الأفغان العرب مع مسلحي «الدولة الإسلامية»؟

كل ما يتمناه السواح هو حياة عادية، بعد أن عَلِقَ لسنوات بين الحاضر والماضي.

تواصلنا مع وزارة الأمن البوسنية أكثر من مرة لسؤالها بخصوص وضع السواح القانوني، باعتبارها المسؤولة عن قضيته، لكنها رفضت الرد.

وأخبرنا أحد المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية أنه لا يمكن مناقشة الضمانات المحددة التي تلقَّتها الولايات المتحدة من الحكومات الأجنبية، مشيرًا إلى أنه «لا يُنقل المعتقلون إلا بعد مناقشات تفصيلية وواضحة مع البلد المستضيف، بشأن التهديد المحتمَل الذي قد يمثله المعتقل بعد نقله، والإجراءات التي ستتخذها الدولة المضيفة للحدِّ من هذا التهديد، وضمان معاملته بطريقة إنسانية».

كل ما يتمناه السواح حاليًا هو حياة عادية بعد أن عَلِقَ لسنوات بين الحاضر والماضي. ليست الخطط طويلة الأمد ممكنة بالنسبة إليه الآن، ولكنه يأمل فقط في استرجاع حقوقه القانونية بأي طريقة ممكنة.

, , , , , ,