الأقل حظًّا

كرفانات الموت: ثلاجات الأحياء في قطاع غزة

الصورة: منشور

في قطاع غزة، يعيش سكان البيوت المؤقتة التي تُعرَف بـ«الكرفانات» واقعًا مأساويًّا صعبًا، بعد أن دُمِّرت منازلهم خلال العدوان الإسرائيلي صيف 2014، إذ لا تتوفر في هذه الكرفانات أبسط المقومات الحياتية والصحية والإنسانية. لا تقي من حر الصيف ولا برد الشتاء، والعيش فيها مستحيل.

الكرفان بيت معدني صغير لا تتجاوز مساحته عدة أمتار، ويتكون من غرفة واحدة ومطبخ وحمام.

في صيف 2014، شنَّت إسرائيل حربًا على قطاع غزة استمرت 51 يومًا، خلَّفت نحو ألفي قتيل فلسطيني و11 ألف مصاب. هدم الاحتلال خلال تلك الحرب أكثر من 10 آلاف منزل بشكل كامل، و40 ألف منزل بشكل جزئي، وفق إحصائيات وزارة الأشغال العامة والإسكان الفلسطينية.

يبلغ عدد سكان الكرفانات 1199 أسرة موزعة على مناطق مختلفة من القطاع، تعيش أوضاعًا غير إنسانية نتيجة تآكل الكرفانات وتعدد حوادث الحريق.

خلال العدوان الإسرائيلي، طالب أصحاب البيوت المهدمة وكالة «الغوث» (أونروا) بالإسراع في صرف بدل الإيجارات، ورفضوا المماطلة والتسويف في إعادة بناء منازلهم بصورة قاطعة في وقفة احتجاجية أمام مقر الوكالة في غزة، في نوفمبر 2018.

تعرَّض سكان الكرفانات إلى حوادث مأساوية عدة، آخرها وفاة طفلين رضيعين في يناير 2017، بفعل البرد القارص الذي شهدته المنطقة آنذاك.

تُماطل وكالة الغوث الدولية في دفع إيجار منازل المواطنين. وفي نوفمبر 2018، أعلن مدير عمليات «أونروا» في قطاع غزة أن الوكالة الأممية أوقفت صرف بدل إيجار للمتضررين بسبب الأزمة المالية التي تعاني منها.

كرفانات غزة: الحياة في 7 أمتار

الصورة: منشور

من حياة مستقرة في بيته، إلى كرفان يفتقر أدنى مقومات الحياة الإنسانية. هكذا حال سمير النجار (45 عامًا)، الذي ينتمي إلى بلدة خزاعة شرقي خان يونس.

بدأ القلق ينتاب النجار وعائلته مع قدوم فصل الصيف، حين بدا الكرفان أشبه ما يكون بمدفن للأموات.

يتحدث النجار إلى «منشور» بحسرة ولهجة يشوبها الحزن والأسى: «تعرَّض منزلي للتدمير بعدما قصفته الطائرات الحربية الإسرائيلية. كان يتكون من طابقين، ويعيش فيه 11 فردًا من عائلتي».

بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، خصصت وكالة الغوث منزلًا مؤقتًا لعائلة سمير النجار: كرفان لا تتجاوز مساحته سبعة أمتار على أنقاض منزله، إلى حين إعمار منزله بشكل كامل: «لا يتسع الكرفان حتى لخمسة أفراد، فما بالك بأحد عشر؟».

مع عدم امتلاك النجار مبلغًا ماليًّا يُمكِّنه من استئجار منزل بعد قصف بيته، استسلم لقرار السكن برفقة عائلته في كرفان يفتقر إلى المقومات المعيشية والصحية وخصوصية عائلته. فجميع أفراد أسرته، ذكورًا وإناثًا، يعيشون في غرفة واحدة لا تتجاوز مساحتها عدة أمتار.

بدأ القلق ينتاب النجار وعائلته مع قدوم فصل الصيف، حين بدا الكرفان أشبه ما يكون بمدفن للأموات من شدة الحرارة، مع انعدام مصادر التهوية نتيجة صغر حجم نوافذه، والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي والمياه، ما جعله وعائلته يقضون معظم أوقات النهار خارج الكرفان.

لم يغب عن ذاكرة النجار ما حصل معه قبل عام، حين استيقظ على صراخ أفراد عائلته بعد منتصف إحدى الليالي، إثر اكتشافهم ثعبانًا حاول لدغ أحدهم خلال نومه. لا يزال المشهد راسخًا في في ذاكرة الرجل ويؤرقه كل ليلة، حتى إنه يبقى متيقظًا لساعات متأخرة خوفًا من مهاجمة الأفاعي لعائلته.

يحكي النجار: «لا تقتصر الهجمات على الأفاعي، إذ يتعرض منزلي لهجمات من القوارض والحشرات والكلاب الضالة، تبحث عن أي فتحة في جدران الكرفان، تمكِّنها من الدخول ومهاجمة عائلتي ليلًا».

يطالب النجار وزير الأشغال العامة والإسكان في حكومة الوفاق الوطني، مفيد الحساينة، بتنفيذ وعوده السابقة: إعادة بناء منزله بسرعة، أو إيجاد آخر بديل يستطيع إيواءه وعائلته، بدلًا من الكرفان الذي يفتقر إلى أدنى مقومات المعيشة الإنسانية، خصوصًا مع قدوم الشتاء وما يصاحبه من منخفضات جوية عاصفة.

في 2017، دخلت مياه الأمطار إلى الكرفان وأغرقته، ما دفعه إلى الانتقال ومعه عائلته للعيش مؤقتًا في منزل أحد أقربائه.

دون أي مقومات

الصورة: منشور

يونس الشنباري (37 عامًا) من بلدة بيت حانون شمالي قطاع غزة، لم يكن حاله بأفضل من غيره.

يحكي يونس أنه قبل انتهاء الحرب الإسرائيلية عام 2014 بثلاثة أيام، وبعد اجتياح البلدة بشكل كامل، أطلقت الدبابات الإسرائيلية قذائفها باتجاه منزله، ما أدى إلى تدميره بالكامل. وبعد انتهاء الحرب، لم يكن أمامه سوى العيش برفقة أسرته المكونة من أربعة أفراد في «كرفان على مقربة من منزلي المدمَّر، لم تتوفر فيه أدنى مقومات الأمن والكرامة الإنسانية».

البيت المؤقت لم يكن الحل الأمثل للشنباري وغيره من المتضررين، لكنه كان أفضل من البقاء دون مأوى برفقة عائلته.

يتعجب الرجل من تجاهل الجهات المسؤولة عن الإعمار في غزة، والمماطلة في بناء منزله المدمر منذ عدة سنوات.

«يفتقر الكرفان الذي أعيش فيه وعائلتي إلى أبسط المقومات الحياتية، فلا ماء ولا غاز للطهي». الحل وجده الشنباري في جمع الحطب والأخشاب من الأراضي الزراعية المجاورة، من أجل طهي الطعام والتدفئة خلال الليل، وكذلك شراء المياه من محل.

«أعاني وعائلتي من أمراض جلدية بسبب لدغات الحشرات والزواحف التي تقتحم الكرفان، ولا يزال الخوف ينتابني يوميًّا بعد عثوري على عقرب سام مختبئًا في ملابس أحد أطفالي».

يوقظ الشنباري أبناءه ليلًا خلال هطول الأمطار وهبوب الرياح، خوفًا من تساقط سقف الكرفان المتهالك عليهم ودخول مياه الأمطار الغزيرة، رغم أنه يتابع صيانة الكرفان بصورة دورية ويُحكِم إغلاقه بقطع من «النايلون المقوى»، لحماية عائلته ولو نسبيًّا من الأخطار.

يتعجب الرجل من تجاهل المسؤولين عن الإعمار في غزة، والمماطلة في بناء منزله المدمر منذ سنوات، ويأمل في إنهاء أزمته في أسرع وقت، وإخراجه وعائلته من حالتهم النفسية الصعبة، والإحباط الذي يخيِّم عليهم منذ فترة طويلة. ويؤكد أن سكان الكرفانات في غزة يتوقعون الأسوأ في كل لحظة يعيشونها، في ظل خيبة أملهم في الجهات الدولية والمانحة.