فكر فيها

أرض النفاق: ماذا لو وُجدِت أدوية لتقويم أخلاق الناس؟

مشهد من فيلم «أرض النفاق» - إنتاج 1968

ربما صادفت ذلك السائق الأحمق الذي يصفُّ سيارته على نحو خاطئ فيتسبب في ازدحام الطريق من خلفه، أو ربما كان لديك زميل سمج في العمل تود لو فصلوه كي تتخلص منه، وربما تخليت عن «الأصول» وتظاهرت بأنك لم تر زميل الدراسة الذي يسير في الاتجاه المعاكس من الشارع، فقط لأنك لا ترغب في التحدث إليه الآن. هل فكرت في حلول لذلك؟ ماذا لو كانت هناك أدوية تحسن من أخلاق الناس وتصرفاتهم؟

طرح موقع كوارتز هذه التساؤلات الفلسفية المتزايدة بخصوص قضية تطوير عقاقير تجعلنا أفضل من الناحية الأخلاقية. والسؤال الأهم: هل نرغب فعلًا في أن تكون لدينا أدوية تتحكم في أخلاقنا؟

تغيير طباع البشر

طبيب يحقن مريضة
هل سيكون هناك في المستقبل لقاح للأدب؟ - الصورة: PIXNIO

قد لا تشعر بارتياح للتفكير في هذا السؤال، وهو أمر جيد، لكن «براين إرب» (Brian Earp)، الباحث المشارك في مركز أكسفورد المتخصص في أخلاقيات علم الأعصاب (Neuroethics)، يشير إلى أن هناك حالات قد يكون فيها استخدام أدوية تحسن الأخلاق أمرًا منطقيًّا، بل وأخلاقيًّا كذلك.

وفقًا لـ«إرب»، فإن الشخص المضطرب نفسيًّا ليس بإمكانه التعاطف مع آلام الآخرين، وهذا يجعله أكثر عُرضة من بقية الناس لارتكاب جرائم عنف ، فماذا إذا عالجناه ليكون أكثر تعاطفًا؟ بالتأكيد سيكون ذلك أمرًا جيدًا له وللمجتمع ككل، بحسب «إرب»، والأمر نفسه ينطبق على الأشخاص الانفعاليين الذين قد يقومون بأشياء مريعة في نوبات غضبهم، تضرهم وتؤذي الآخرين.

الأخلاق سمة شخصية وإنسانية، وهي أحد جوانب تفرُّد البشر، ودونها قد نصير أشبه بالروبوتات .

لكن تعديلات السلوك السابقة محدودة بصفات معينة في بعض الناس، فماذا عن أخلاقية التلاعب في مواقف البشر على مستوى أكبر؟

ينقل الموقع رأي اثنين من الفلاسفة في هذا الأمر، هما «جوليان سافوليسكو» (Julian Savulescu) و«إنغمار بيرسون» (Ingmar Persson)، اللذان يريان أهمية التحسينات الأخلاقية من منطلق أن طباعنا الحالية تكونت نتاج بيئة مختلفة عن التي نعيش فيها الآن، ونحن على محك إلحاق أضرار بالغة بعالمنا دون أن تردعنا أخلاقنا عن ذلك، إذ نتخذ موقفًا سلبيًّا تجاه مشكلة التغير المناخي مثلًا.

ولهذا يرى «سافوليسكو» و«بيرسون» أن التدخل لتقويم أخلاق الناس أمر حتمي؛ كي نواصل الحياة على كوكب الأرض دون مزيد من الكوارث البشرية.

اقرأ أيضًا: هل تصنع الجينات شخصياتنا أم نشكلها بأنفسنا؟

هل سنرغب في التحول لجيوش من المهذبين؟

صفوف من التلاميذ
هل تُفقدنا عقاقير الأخلاق شخصياتنا فنصبح نسخًا مكررة؟ - الصورة: SuSana Secretariat

ربما تليق اللحظة التي سنقرر فيها تقويم أخلاق الجميع بفيلم رعب، رغم أن السينما العربية صورت جانبًا منها في إطار كوميدي في فيلم «أرض النفاق» عام 1968، فالأخلاق سمة شخصية وإنسانية، وهي أحد جوانب تفرُّد البشر، ودونها قد نصير أشبه بالروبوتات.

لكن «براين إرب» يبقى متمسكًا بموقفه من تعزيز الأخلاق، مدافعًا عن الفكرة بأنه إذا كانت الأخلاق في ذاتها شيئًا جيدًا؛ إذًا فالعمل على تطويرها لدى الناس بالضرورة أمر جيد يرفض الرجل كذلك النقد القائل إن الاتباع الصارم للقوانين الأخلاقية يشكل تهديدًا لإرادة الناس الحرة.

الأدوية موجودة بالفعل، لم يتبق سوى معرفة طريقة استخدامها، والوقت المناسب للبدء في ذلك.

ويشير إلى أن «أرسطو» دعا إلى ممارسة السلوك الجيد حتى يصبح فضيلة فطرية لدى الإنسان. يقول «إرب» لـ«كوارتز»: «أرى أن رغبتي وجهدي للتحول إلى إنسان أخلاقي تعبير صادق عن إرادتي الحرة، فمن المنطقي أن أسعى إلى إظهار أخلاقي الحميدة بشكل أوتوماتيكي؛ حتى لا أواجه أزمة أخلاقية في كل مرة أؤدي فيها أي عمل بسيط».

العقاقير موجودة بالفعل

تلاميذ في المدرسة
«لا تخف من الإنجاب، التربية الآن أكثر سهولة»: دعاية مستقبلية لعقار الأدب - الصورة: Bart Everson

إذا كنت قد تحمست لرأي «إرب» وترغب في التخلص من شقاوة ابنك بشراء عقار أدب له، كي يجلس في هدوء لينهي واجباته المدرسية، فهنيئًا لابنك الصغير، ﻻ تزال الأدوية بعيدة نسبيًّا عن متناولك.

لكن ربما يمكنك استخدامها مع أخيه الأصغر إن كان لا يزال رضيعًا، وذلك وفقًا لـ«براين إرب»، الذي يرى أننا سنتمكن من ملاحظة أثر المُعززات الخُلقية في غضون سنوات قليلة، رغم ما أشار له الموضوع من عدم وجود دليل قاطع إلى الآن على وجود عقار يُتوقَع له أن يؤثر على أخلاق الناس.

ما الذي نعنيه بالأخلاق؟ ومن يحدد الحميد منها والخبيث؟ وهل من العدل أن نحدد الآن أخلاق أجيال قادمة من البشر؟

لكن «إرب» يرى أسبابًا للاعتقاد بأن مواد كهذه متاحة الآن: «الأدوية موجودة بالفعل، لم يتبق سوى معرفة طريقة استخدامها، والوقت المناسب للبدء في ذلك».

يستند «إرب» في زعمه إلى عدة أشياء؛ أولها أن بعض السكان الأصليين للأمازون استخدموا مشروبًا يسمى «أياواسكا» (Ayahuasca) ليعزز عند الأطفال تعلم الأخلاق، كما يزعم أن العلماء يدرسون الآثار الإيجابية المحتملة لمادة «السيلوسيبين» (Psilocybin)؛ الموجودة في فطر المشروم والتي تسبب الهلوسة، وقد تؤدي إلى تقويم الخُلق على المدى البعيد من استخدامها.

فوق هذا، يضرب «إرب» مثالًا بمادة ربما تكون قد استخدمتها شخصيًّا من قبل، وهي تجعلك أكثر صدقًا وأقل حذرًا، وإن كانت تجعلك أقل أخلاقية بشكل عام؛ وهي الكحوليات . هل اقتنعت اﻵن بتناول مواد قد تؤثر في أخلاقك؟ بل إن بعضنا يتناولها دون أن يعلم، كما في الكحول.

قد يعجبك أيضًا: كيف يُستهلك الكحول في الدول العربية التي تمنعه؟

أخلاقية تغيير الأخلاق

ثمة سؤال يجب أن يُطرح: ما الذي نعنيه بالأخلاق؟ ومن يحدد أخلاق المجتمع والحميد منها والخبيث؟ خصوصًا أن الطبيعة البشرية آخذة في التطور والتغير، فهل من العدل أن نحدد الأخلاق الآن لأجيال قادمة من البشر؟ وكيف لنا أن نعرف أن هذه «المحسنات الأخلاقية» لن تُستغَل بشكل سيئ لأغراض شخصية أو خبيثة غير أخلاقية في الأساس؟ هذه جميعها أسئلة قد لا تكون لدينا إجابة واضحة عليها الآن، لكنها حتمًا تدعونا للتفكر في هذا الأفق.

إن حماقاتنا وأخلاقنا الحميدة والسيئة جزء مما يجعلنا بشرًا نتعلم ونتطور بالتجربة، فهل يكون السبيل إلى جعل الحياة أكثر قابلية للعيش نابعًا منا، أم بيدٍ تعطينا حبَّة كي نصير مهذبين وفقًا لأخلاق مفروضة علينا؟ 

قد يهمك أيضًا: كيف يعيد المال تشكيل معتقداتنا؟

قد يكون علاج مرضى الاضطراب النفسي أمرًا خلقيًّا، لكن من سيضع الحدود التي يجب أن يتوقف عندها العبث؟ من سيقرر إذا ما كان من الأخلاقي أن يعبث بأخلاقنا أم لا؟ من سيقرر ما الأخلاقي من الأساس؟

, , ,