الأقل حظًّا

«أديغي كابزة»: كيف حافظ الشركس على ثقافتهم في الأردن؟

الزي التقليدي للشركس

كخلية نحل، تنتشر العاملات في أرجاء مطبخ «سماور» الشركسي، كل سيدة منغمسة في عملها الذي تؤديه، تفوح رائحة الشيبس وباستا والحليفا واللقم، وغيرها من الأطباق الرئيسية على السفرة الشركسية، إضافة إلى بعض الأكلات الأردنية المعروفة ولوازم العزائم والحفلات.

فريق من 56 موظفة يؤدين عملهن بصدق وتفانٍ، واعتزازا منهن بإنتاج وتقديم الطعام الذي يرتبط بالثقافة الشركسية الأصلية، التي ما زال الشراكسة المقيمون في مدينة عَمان يحافظون على وجودها وإبقائها حية رغم مرور أكثر من مئة عام على الهجرة الشركسية إلى الأردن، التي بدأت في بدايات القرن التاسع عشر، حين لاذ الشراكسة بالفرار من بلادهم الأصلية (القفقاس) هروبًا بدينهم الإسلامي من الإبادة الروسية للقوقاز في ذلك الحين.

المطبخ الشركسي

العاملات في مطبخ سماور يحضرون الطعام الشركسي - الصورة: إسراء صالح

يتمتع الشراكسة بالتماسك في ما بينهم، واهتمامهم بما يشبه الانغلاق على مجتمعاتهم.

مطعم سماور جزء من أنشطة الجمعية الخيرية الشركسية الفرع النسائي، التي أسستها مجموعة من سيدات المجتمع في عَمان بهدف تشغيل الفتيات وربات البيوت من النساء الشركسيات وتوفير مصدر دخل لهن والإسهام في رفع المستوى الاقتصادي للبلاد، إضافة إلى المحافظة على الثقافة والتراث الشركسي في الأردن.

تحضير الحليفا من مطبخ سماور - الصورة: إسراء صالح

رغم الانخراط في المجتمع الأردني والاندماج شبه الكامل للشراكسة مع أهل عَمان، لا تزال الثقافة الشركسية ممتدة عبر الزمن، بهدف المحافظة على القومية الشركسية والإبقاء على التراث الشركسي حيًّا، ليكون الشراكسة في عَمان مجتمعًا قويًّا ومستقلًّا داخل المجتمع، وفي نفس الوقت قادر على التعايش والانفتاح على البيئة الأردنية.

«الشيبس وباستا»، على سبيل المثال، الوجبة الرئيسية للشراكسة، ترجع في الأصل إلى البلاد الباردة، مثل القفقاس الواقعة على الحدود بين آسيا وأوروبا، لقدرتها على بعث الدفء في الجسد بسبب احتوائها على كمية كبيرة من الدسم المضاف إلى الأرز المطبوخ مع البرغل ولحم الدجاج. لكن الشراكسة في الأردن ما زالوا محتفظين بوجبة الشيبس وباستا، الفارق الوحيد أنها تحولت إلى أكلة شتوية تُطهى في أوقات البرودة الشديدة، ويندر تقديمها في الصيف.

بطبيعتهم، يتمتع الشراكسة (الذين ينتمون للعرق القوقازي) بالتماسك في ما بينهم، واهتمامهم بما يشبه الانغلاق على مجتمعاتهم، حتى إن العَلم الشركسي يُمثَّل باثنتي عشرة نجمة ترمز إلى القبائل الرئيسية التي ينحدر منها الشراكسة، إضافة إلى ثلاثة أسهم تشير إلى التآخي بين الشعب الشركسي، كي يستمر التراث الثقافي القومي حاضرًا حتى في بلاد المهجر. ولعل ذلك، يرجع إلى الطبيعة الجبلية التي جاء منها الشراكسة في الأصل، ما أكسبتهم صلابة في التمسك بالعادات والتقاليد والثقافة الشركسية.

العلم الشركسي على أحد جدران مدرسة «الأمير حمزة بن الحسين» الثانوية - الصورة: إسراء صالح

الثقافة تبدأ من المنزل

التراث الشركسي باقٍ ولم ينصهر داخل المجتمع الأردني، بل اندمج معه دون أن يفقد ذاته.

«حافظنا على ثقافتنا في البيوت أولًا»، تقول «جان جنكات» مديرة الفرع النسائي للجمعية الخيرية الشركسية، والتي أسهمت في تأسيس الجمعية منذ أن بدأت بمطبخ متواضع، يتحول لاحقًا إلى أحد أكبر المطاعم المتخصصة في الأطباق الشركسية في عَمان ، وصولًا إلى مؤسسة خيرية متكاملة.

في حديثها لـ«منشور»، تشير جان إلى أن الشباب الشراكسة هم من يطالبون بتعلم اللغة الشركسية ويُقبلون على مراكز اللغات: «شعروا بنوع من الظلم لأننا لم نعد نتحدث الشركسية في البيوت بانتظام كما كان يفعل آباؤنا وأجدادنا».

تؤكد كذلك أن التراث الشركسي باقٍ ولم ينصهر داخل المجتمع الأردني، بل اندمج معه من أجل التعايش السلمي وقبول الآخر والهوية الوطنية الأردنية التي تجمع كل الفئات المكونة للنسيج الاجتماعي والثقافي الأردني، لكن الجمعيات والنوادي والمدارس وجميع المؤسسات التي تخدم التراث الشركسي تعمل على الحفاظ على الثقافة الشركسية وممارستها.

استوطنت الأفواج الأولى من الشراكسة العاصمة عَمان، حيث أنشؤوا حي الشابسوغ، وهو اسم أول قبيلة شركسية وصلت إلى الأردن، وتوالت الأفواج القادمة إلى عَمان، وأسسوا حي المهاجرين ومنطقة سقف السيل، باحثين عن الماء والخضرة التي نشؤوا وترعرعوا في أحضانها في بلادهم الأصلية، وأثرت في تشكيل ثقافتهم القومية، لينتشروا بعدها في جبل الحينات وشارع القبرطاي، وغيرها من الأحياء العمانية التي ما زالت تحتفظ بأسمائها الشركسية.

الثقافة الشركسية في المدارس

«المجتمع الشركسي يحافظ على عاداته وتقاليده بشكل صارم»، هكذا يؤكد لـ«منشور» «جانتي حداغاث»، المدير المالي والإداري لمدرسة «الأمير حمزة بن الحسين» الثانوية، وهي امتداد الفرع النسائي، إذ أنشأتها الجمعية في عام 1974 بهدف الحفاظ على العادات والتقاليد واللغة الشركسية، التي تقدمها المدرسة كمساق إجباري للطلاب من مرحلة الروضة حتى الصف العاشر، خوفًا أن تندثر اللغة الشركسية في الأجيال الجديدة، خصوصًا أن «اللغة الشركسية مهددة بالانقراض في العالم» كما يشير حداغاث.

صورة للطالبة الأولى على المملكة من مدرسة «الأمير حمزة بن الحسين» الثانوية بالزي الشركسي - الصورة: إسراء صالح

أخذت الثقافة الشركسية من الأردنيين أكثر مما أعطت.

في المدرسة نجد فرقة الرقص «ألبروز» (نسبةً إلى أعلى قمة جبلية في بلاد القفقاس) التي تعلم الرقص الشركسي، وهو جزء أساسي من ثقافة الشركس، لأنه يمثل الفولكلور الشركسي، ويعلم بعض العادات والتقاليد الشركسية ضمن التدريب، مثل الشجاعة واحترام الشاب للأنثى، وهو شيء مقدس عند الشراكسة، وكيفية التعامل معها.

يوضح حداغاث أن الحفاظ على الثقافة الشركسية كان أسهل في الماضي، عندما كان المجتمع «منغلقًا» إلى حد كبير. لكن بعد الانفتاح الذي أصاب المجتمع، وتفرُّق الشراكسة على مناطق مختلفة في الأردن، صارت المهمة أصعب، وبدأ التداخل مع الثقافة الأردنية.

لكنه يعود ليشدد على أن الثقافة الشركسية «أخذت من الأردنيين أكثر مما أعطت»، بحكم البيئة والوجود الشركسي على الأراضي الأردنية، حتى إن الموسيقى الشركسية في رأيه لم تعد صافية كما كانت من قبل، بل أخذت من نظيرتها العربية، وأضحت خليطًا بين الثقافتين، إضافة إلى اللغة الشركسية التي دخلتها بعض الألفاظ العربية.

شعار مدرسة «الأمير حمزة بن الحسين» الثانوية - الصورة: إسراء صالح

«أديغي كابزة»

الشراكسة أقلية عرقية في الأردن عكس مصر، ومن ثَم لم تنصهر ثقافتهم كما حدث في مصر.

«الأديغي كابزة»، أي العادات والتقاليد الشركسية، هي أول ما يتعلمه الطفل في منزله قبل أن يخرج إلى المجتمع الخارجي، فالبيوت الشركسية هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل لغته الأصلية وتاريخ أهله وحضارتهم وثقافتهم، بحيث يُزرع فيه كيفية الحفاظ على العِرق والقومية الشركسية. مثل اللغة الشركسية التي يتحدث بها أفراد العائلة، والطقوس الخاصة بالمأكل والملبس، والاحتفال بالأعياد والمناسبات القومية، فيخرج إلى المجتمع حاملًا ثقافته الأصلية.

«إذا خسرنا لغتنا خسرنا قوميتنا»، هذا ما يؤمن به الصحفي جانتي نور الدين: «اللغة الشركسية أحد الأسس التي يتبعها أهلها للحفاظ على هويتهم». 

«رغم قدرتهم على إجادة اللغة العربية بطلاقة، فإن اللغة الأصيلة يجب الحفاظ عليها وتعليمها للأجيال الحديثة، حتى لا تندثر أو يذوب الشراكسة في المجتمع، خصوصًا أن الشراكسة يمثلون أقلية عرقية في الأردن، وعددهم ليس كما في بلاد المهجر الأخرى مثل تركيا ومصر، ومن ثَم لم تنصهر ثقافتهم كما حدث في مصر، التي ذاب فيها الشركس داخل المجتمع حتى تماهت هويتهم الثقافية الأصلية مع الهوية المصرية بشكل كبير».

يؤكد نور الدين أن هناك مقاومة كبيرة من الشراكسة للانصهار داخل الثقافة الأردنية، حتى رغم الاعتزاز بالهوية الأردنية، لكنهم ما زالوا متمسكين بثقافتهم وعاداتهم حتى يحتفظوا بخصوصيتهم داخل المجتمع. وفي رأيه: «الشراكسة لم يستطيعوا أن يوصلوا ثقافتهم إلى الخارج بشكل حقيقي حتى الآن، إما بسبب عدم الاكتراث، وإما لعدم وجود ماكينة إعلامية شركسية تخاطب المجتمعات الأخرى وتعرفها بالثقافة الشركسية».

أنت شركسي، إذًا أنت راقص جيد

«ينال حتك» مدير الأكاديمية الدولية للثقافة الشركسية (I.C.C.A)، أنشأ أكاديميته الوحيدة في عَمان للحفاظ على التراث الشركسي بجميع أشكاله، من لغة ورقص فلكلوري وموسيقى وأزياء: «هويتك كأردني أنك تحافظ على هويتك كشركسي»، هكذا يرى. 

يؤكد حتك أن الثقافة الشركسية لا تنفصل عن الأردنية، ويظهر ذلك جليًّا في الأعراس والاحتفالات الشركسية الأردنية، التي لا بد أن تختلف عن مثيلاتها للشراكسة في البلاد الأخرى، بعد أن أضيفت إليها الموسيقى والتراث الأردني. الموسيقى صارت خليطًا بين الآلات الشركسية والعربية، والرقص دخلت عليه بعض الخطوات من الدبكة الأردنية.

«الراقص الجيد مقاتل جيد»، يقولها حتك، ويتداخل معه صوت «البشنة» (آلة موسيقية شركسية) خلال تدريب فرقة الأكاديمية للرقص في مهرجان «جرش» السنوي، الذي تمثل الفرقة الشركسية فيه الأردن بالزي والرقص الفولكلوري الشركسي.

تدريبات فرقة الرقص للأكاديمية الشركسية - الصورة: إسراء صالح

الرقصات الشركسية عبارة عن تطوير لأساليب القتال القديمة، وتحتوي على الأسلحة التي يستخدمها الشركس في القتال.

الموسيقى والرقص جزء لا يتجزأ من الثقافة الشركسية، والرقصات الشركسية عبارة عن تطوير لأساليب القتال القديمة، وتحتوي على الأسلحة التي يستخدمها الشركس في القتال، كالخنجر والسيف والرمح. يقول حتك إن «الرقص جزء من كينونة الإنسان الشركسي»، وكذلك السلاح والحصان والصداقة، فهي أشياء تميز الشركسي عن غيره.

أما الزي الشركسي، فيرتبط كثيرًا بالثقافة الإسلامية ومفهوم «الحِشمة». فحتى الراقصات يرتدين زيًّا طويلًا محتشمًا، إضافة إلى القبعة التي تغطي بها المرأة رأسها. 

الرداء النسائي الخارجي مفتوح من الأمام، ويُزرَّر عند الخاصرة، وأكمامه ضيقة حتى المرفق، ثم يبدأ في التوسع والطول حتى ما تحت الركبة، ويكون مفتوح الطرفين من الأسفل، وتحته القميص المنقوش، ثم الثوب الذي يُلبَس تحت القميص، أو تنوره طويلة مزركشة، ثم القبعة والزنار المعدني المغطى بنقوش فنية، وأخيرًا الحذاء الجلدي دون الكعوب العالية.

يرتدي الرجل زيًّا أشبه بالفرسان، يتكون من رداء خارجي يُصنَع من قماش سميك مفتوح من الأمام ويصل إلى تحت الركبة، ثم قميص بنوعيه: سميك ورقيق، ثم سروال وقلبق (غطاء رأس) وزنار، مع الخنجر والحذاء الجلدي.

الزي الشركسي التقليدي - الصورة: أرشيف موقع أديغا ويكي

زواج الخطيفة

اندمجت الثقافة الشركسية مع الأردنية لكنها لم تفقد نكهتها الخاصة، وبقيت حاضرة ومستقلة وجزءًا أساسيًّا من الثقافة الأردنية.

«الخطيفة» إحدى العادات الشهيرة في الزواج الشركسي، ولا تزال بعض العائلات في الأردن تمارسها كنوع من الحفاظ على التقاليد الشركسية.

في الخطيفة، يتفق الشاب والفتاة على موعد لخطفها، بمساعدة أقرب أصدقائه وإحدى نساء عائلته المتزوجات.

في الموعد المحدد تنتظر الفتاة في الليل، ويتوجه العريس إليها مع أصدقائه، ويطلق ثلاثة أعيرة نارية لتنبيه أهل القرية حتى يهب الشباب لاسترجاع الفتاة، بينما يكون أصدقاء الشاب أخذوا حذرهم واختاروا طريقًا للهروب.

يأخذ الشاب فتاته ويتركها عند المرأة التي اتفق معها، ولا يقترب منها ولا يعقد عليها حتى يرسل إلى أهلها ليخطبها، وتجري أمور الخطبة الطبيعية، ويتزوجان، لكن الرجل يتحمل جهاز العروس بالكامل بعد خطفها، وغالبًا ما تتم كل مراسم الخطيفة بعلم والدة العروس.

مع تمسك الشراكسة بالعادات والتقاليد الخاصة بثقافتهم القومية وإمكانية الحفاظ عليها داخل المجتمع الأردني، يمكن القول إنه رغم القاعدة العامة، عندما توجد أقلية ما في قلب مجتمع أكبر فتنصهر غالبًا داخل ذلك المجتمع، فإن الثقافة الشركسية استطاعت أن تندمج مع الأردنية، لكنها لم تفقد نكهتها الخاصة، وبقيت حاضرة ومستقلة حتى باتت جزءًا أساسيًّا من الثقافة الأردنية، بل أصبحت تمثلها في مجالات عدة كالفن والموسيقى والأدب.

,