الأقل حظًّا

مصحات علاج المتدينين: هل تتعامل الصين مع الإسلام كمرض نفسي؟

الصورة: Getty/ Kevin Frayer

بعد اندلاع الثورة التي قادها الزعيم الشيوعي الصيني «ماو تسي تونغ» عام 1966، بهدف اجتثاث الرأسمالية وتوابعها من الجذور، وتأسيس دولة شيوعية خالصة. تحولت «الثورة» إلى رفض كل ما خالف تصور ماو عن المجتمع الشيوعي، بدءًا من أنظمة الإدارة وصولًا إلى شكل الملابس وقصات الشعر.

لم تسلم المظاهر الدينية من الرفض، إذ كان الهدف الأوحد أن يكون كل التبجيل والالتزام مقصورًا على التصور الشيوعي، وهذه النسخة تحديدًا من الشيوعية. ورغم كل التغيرات التي حدثت في الصين بمرور الزمن، فإن هذه الممارسات العنيفة ما زالت مستمرة حتى الآن.

فبحسب تقديرات مسؤولين في الأمم المتحدة، يُحتجز ما يقرب من مليون مواطن صيني في معسكرات إعادة تأهيل.

بدأت قصة المليون محتجز في مارس 2017، حين ازدادت عمليات الاحتجاز الجماعي للمنتمين إلى الأقليات العرقية من «الإيغور» و«الكازاخيين» في إقليم شينجيانغ. لكن الحملة استهدفت على وجه الخصوص، المسلمين الذين يمثلون الأغلبية داخل الإقليم، لأن الحكومة اعتادت إلقاء اللوم في حوادث العنف على المسلمين والانفصاليين الذين ينادون باستقلال الإقليم، وبخاصة أن إقليم الإيغور كان أعلن الانفصال الذاتي عن الصين أوائل القرن العشرين، لكنها أعادت إحكام السيطرة بالكامل في عام 1949.

أقرت الحكومة الصينية في إبريل 2017، مجموعة من الإجراءات داخل الإقليم بهدف «التخلص من التطرف»، ومُنع على إثرها ارتداء الحجاب وتربية اللحى وممارسة الشعائر، مثل الصلاة والصوم أو امتلاك كتب أو حتى قراءة مقالات عن الإسلام أو تاريخ الإيغور.

السفر إلى الخارج والاحتكاك بالأجانب بهدف العمل أو التعليم، أو تلقي الاتصالات من خارج الصين، كان أمرًا يُعرِّض صاحبه للمساءلة. هكذا يصبح كل شاب جامعي يدرس خارج الصين مرغمًا على قطع الصلات بأهله حتى لا تطالهم شبهه الاتصال به ويطبق عليهم القانون.

الكل مراقب إذًا، والكل عرضة «لإعادة التأهيل».

في جوف الوحش

الصورة: Preston Rhea

في أثناء الاحتجاز الذي وصفته اللجنة التنفيذية للكونغرس الأمريكي في الصين بأنه «أكبر احتجاز جماعي لأقلية في وقتنا الحالي». يُقتاد المشتبه بهم إلى معسكرات «إعادة التأهيل» مثلما تسميها وثائق الحكومة الصينية، ويرغمون إن كانوا مسلمين على نبذ الإسلام، وإن كانوا ينتمون إلى أي أقلية دينية أخرى، يرغمون على نبذ تعاليم الدين الذي ينتمون إليه، وترديد شعارات تبجيل للحزب الشيوعي كل يوم.

بحسب موقع صحيفة «The Independent» البريطانية، أفاد مسلمون بأنهم أُجبروا على شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وهي أمور محرمة في الدين الإسلامي.

المحتجزون في معسكرات الاعتقال ثلاث فئات: المتدينين من أي دين، ومن سافروا إلى الخارج، ومن كسروا قواعد مثل تجنب تحية العلم عن عمد.

أدلى «خيرت سمركان» (30 عامًا) بشهادته لموقع «The Globe and Mail»، ولمنظمة العفو الدولية. إذ كان قد احتجز في أكتوبر 2017 بمعسكرات التأهيل، وأُطلق سراحه في فبراير 2018، وحكى في شهادته عن وقائع الاحتجاز.

يبدأ اليوم في السادسة صباحًا بالوقت المخصص لتنظيف أماكن النوم قبل الإفطار، من الثامنة إلى العاشرة يحفظ المحتجزون أغاني وشعارات شيوعية يعود بعضها إلى حقبة الثورة الشيوعية، ومن العاشرة حتى وقت الظهيرة يكتبون النصوص التي حفظوها.

كانت فترة بعد الظهر مخصصة لدراسة سياسات الحزب الشيوعي ودعايته، إضافة إلى دروس عن خطر الإصابة «بالعدوى» عند السفر للخارج. وفي الليل يكتب المحتجزون نقدهم الذاتي لأنفسهم، ويدونون كل شيء خطأ يرونه في أنفسهم أو فكرة سلبية يملكونها عن الصين أو عن الشعب الصيني.

يصنف المحتجزون إلى ثلاث فئات: الأولى للمتدينين من أي دين، والثانية لمن سافروا إلى الخارج أو تواصلوا مع آخرين خارج البلاد، والثالثة لمن كسروا القواعد، مثل تجنب تحية العلم عن عمد.

في بعض الأحيان، وفقًا لشهادة سمركان، كانت السلطات تجري اختبارات غير عادية للمحتجزين المسلمين، بإطلاق صوت أذان الفجر في مركز إعادة التأهيل، واعتقال كل من يستيقظ على الصوت، إيمانًا من السلطات بأن استيقاظه دليل على ميوله الدينية.

في إحدى المرات، حاول سمركان الانتحار ليتخلص من عذابه وضرب رأسه بالحائط مرارًا، لكنه لم يمت، ونُقل إلى المستشفى للعلاج، ثم هددته السلطات بالحبس لثماني سنوات لو كرر فعلته. وقال إنهم «لن يسمحوا لك بالانتحار»، حتى الموت ممنوع في معسكرات التأهيل.

في الصين لا يُقبل تقديم رأي على رأي الزعيم، حتى لو كان مجرد توجه ديني، لذا تسمى هذه المعسكرات بـ«المستشفيات التي تعالج تشوش التفكير».

في شهادة أخرى، تحكي امرأة إيغورية، اُحتجزت بتهمة الحصول على جنسية دولة أجنبية، عن فترة إقامتها مع طفلها الذي لم يكمل عامه الأول في معسكرات إعادة التأهيل. تقول إنها مُنعت من ارتداء ملابس داخلية وحمالة صدر، وحُلق شعرها بالكامل.

تجهل المرأة، حسب روايتها لموقع «غلوبال»، أسباب هذه الإجراءات. لكن محتجزًا سابقًا قال لصحيفة «الإندبندنت» البريطانية، إن مدربًا تابعًا للحكومة أخبرهم وقت احتجازه بأن النساء الإيغوريات كن لا يرتدين الملابس الداخلية ويجدلن شعرهن الطويل. لذا يُعتقد أن الحكومة بشكل ما تحاول قهر المحتجزين بفعل أمور ضد قناعاتهم.

معاملة الدين مثل المرض النفسي

الصورة: Marc Curtis

يقول «جيمس ميلوارد»، أستاذ التاريخ الصيني بجامعة جورج تاون، لصحيفة «The Atlantic» البريطانية، إن الاعتقاد الديني يُنظر إليه في الصين باعتباره مرضًا يجب التخلص منه،  وبكين تزعم أن الدين هو الذي يغذي التطرف والانفصال، وهذا هو السبب الرئيسي وراء سعي الحكومة للقضاء على المظاهر الدينية.

فالصين الجديدة لا يُقبل فيها تقديم رأي على رأي الزعيم، حتى لو كان مجرد توجه ديني أو سياسي مخالف، لذا يسمون معسكرات إعادة التأهيل «المستشفيات التي تعالج تشوش التفكير».

هكذا يصبح الاحتجاز خطابيًّا، مثل استراتيجية طبية يجري فيها البحث عن الخلل وتدميره، وهم يرغبون في تطبيقها على الشعب الإيغوري كله ليتخلصوا من التطرف. لكن العلاج في هذه الحالة ليس جرعة دواء يتناولها المريض، بل أشهُر وليالٍ طويلة يمضيها في ظروف حبس سيئة.

تستخدم الحكومة الصينية خطاب المرض الطبي لتبرير الاعتقالات التعسفية والمراقبة الكثيفة وتلقين الأفكار والإدماج القسري للأقليات.

ربما تتفق نظرية جيمس مع ما جاء في شهادة سمركان، إذ قال إن السلطات كانت تحقن بعض المحتجزين بالأدوية وتعطيهم العقاقير التي لاحظ أنها تؤثر فيهم وتجعلهم مشوشين. وأكد محتجزون آخرون شهادته، وأفادت تقارير في السنوات الأخيرة بأن خمسة مدافعين عن حقوق الإنسان أُجبروا على تناول الدواء.

يتجلى صدق النظرية بوضوح في التسجيل الصوتي المنسوب لمسؤول بارز في الحزب الشيوعي، نقل عبر تطبيق «وي شات» للإيغور، ثم كُتب وتُرجم ونُشر على موقع «راديو فري آسيا»، والذي جاء فيه على لسان المسؤول قوله إن الأفراد الذين اختيروا من العامة لإعادة تأهيلهم «مصابون بمرض أيديولوجي، وبالتطرف الديني وأيديولوجية إرهابية عنيفة». ومن ثم، فعليهم الخضوع للعلاج في المستشفى.

ثم تظهر مرة أخرى في وصفه التطرف الديني بـ«نوع من الأدوية السامة التي تشوش عقول الناس»، والتي يجب استئصالها من جذورها لمنع انتشار «الورم الخبيث».

تستخدم الحكومة خطاب المرض الطبي لتبرير الاعتقالات التعسفية الواسعة والمراقبة الكثيفة وتلقين الأفكار السياسية والإدماج القسري للأقليات. وتزرع أفكارها في كل موظفيها المتورطين في القمع، حتى إن الجنود المكلفين بعمليات القمع يتحدثون دومًا عن «اقتلاع الورم الخبيث»، وتنوه إعلانات طلب موظفين للمعسكرات بأن المعرفة بعلم النفس ميزة إضافية في المتقدمين.

تصف السلطات الصينية جلسات إعادة التأهيل التي تجري مع الإيغور بجلسات المشاورة التي يعالَجون فيها من مرضهم العقلي، أي التطرف. وادعت وثيقة حكومية نشرت في 2017 أن عملية التلقين القسري «علاج مجاني للجماهير المصابة بمرض في التفكير».

ما يثير القلق حقًّا أن سردية المرض هذه تفضح نية الحكومة في الاستمرار في ما تفعله لفترة قادمة. فالخضوع لإعادة التأهيل لا يعني بالضرورة الشفاء الكامل، ويجب على الناجين أن يواصلوا العمل لتقوية أفكارهم الأيديولوجية السليمة، ومناعتهم ضد الأمراض الفكرية، حتى يتجنبوا التدخل المستقبلي.

هذه المراقبة المستمرة أمر قابل للحدوث فعلًا في ظل تسخير التطور التكنولوجي الحديث لمراقبة المواطنين وأنشطتهم اليومية في الشوارع والعمل والسفر وعلى الإنترنت، حتى إن تقارير حديثة قدرت عدد كاميرات المراقبة العامة في الصين بـ200 مليون كاميرا.

تجارب السوفييت السابقة

لم تكن الحكومة الصينية نموذجًا وحيدًا لدولة عاملت التوجه السياسي أو الديني مثل المرض النفسي، فالاتحاد السوفييتي سبقها في استخدام السلاح نفسه في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته.

في بداية السبعينيات، وحسب ما ورد في الورقة البحثية المنشورة بالمجلة الأمريكية للطب النفسي والقانوني لـ«ريتشارد بوني»، أستاذ الطب النفسي والعلوم السلوكية العصبية، أفادت عدد من التقارير أن الاتحاد السوفييتي يحتجز المعارضين السياسيين والدينيين في المستشفيات النفسية دون دواعٍ طبية، وفي عام 1977، أدانت «الرابطة العالمية للطب النفسي» انتهاك حقوق الإنسان، بعدها بست سنوات، استقال الأطباء السوفييت بدلًا من مواجهة الاتهامات الموجهة إليهم.

طوال هذه الفترة، تضاعف القمع، وألقي المعارضون في المستشفيات النفسية بحجة المرض، ورفض الاتحاد السماح للهيئات الدولية بدخول المستشفيات. إلى أن سُمح عام 1989 لوفد من الأطباء النفسيين الأمريكيين الممثلين للحكومة الأمريكية، بإجراء مقابلات مع المرضى المشتبه في تعرضهم لسوء المعاملة.

قدم الوفد أدلة قاطعة على أن السوفييت استخدموا أدوات الطب النفسي القسري لإدخال أفراد أصحاء للمستشفيات، انتقامًا من ميولهم الدينية أو السياسية، وأن معظم من قابلوهم كانوا متهمين بأمور مثل: «التحريض ضد الاتحاد السوفييتي»، والانتماء لتنظيم سياسي، والتشهير بالنظام السوفييتي. كانوا محبوسين في ظروف مروعة، حُرموا فيها من حقوقهم الأساسية ولم يستطيعوا الشكوى خشية عقاب موظفي المستشفى الصارمين.

جمع الوفد شهادات تفيد باستخدام الأدوية النفسية بشكل موسع كأداة للعقاب. إذ حُقن عدد من الأشخاص بالعقاقير المضادة للذهان، لفترات تستمر من 10 إلى 15 يومًا، لمخالفة ضوابط المستشفى أو لعلاج «الأفكار المخالفة للاتحاد السوفييتي»، و«الأفكار الإصلاحية».

أظهرت مقابلات وسجلات طبية استخدام عقار «السلفازين» بهدف دعم الأدوية المضادة للذهان. لكن الوفد الطبي الأمريكي رجح أن السبب الحقيقي هو العقاب، لأن العقار معروف بأثره الذي يسبب الألم الشديد للمريض، ويمنعه من الحركة، ويصيبه بالحمى وآلام في العضلات. إضافة إلى استخدام حقن «الأتروبين» و«الأنسولين»، وتقييد المرضى.

رفض الوفد التكهن بأسباب ما فعله الأطباء السوفييت، إذ صرح بأنه يجهل ما إذا كانت الإساءات النفسية غير متعمدة أو تدخلت فيها الضغوط السياسية، ما أدى إلى إساءة استخدام الطب النفسي وتسخيره للرقابة الاجتماعية. لكن بوني يرى أن موقف الوفد في الحقيقة يثبت الإساءة، لأنه من الممكن أن تكون بعض التشخيصات خطأ حقًّا دون عمد. لكنها في حالات أخرى خضعت للتفسير الواسع الذي يستخدمه الأطباء السوفييت لتشخيص الاضطراب العقلي، ما سهَّل استغلاله لأغراض سياسية.

موقف الحكومة الصينية

الصورة: B_cool

«معسكرات إعادة التأهيل» ما هي إلا أماكن لغسل الأدمغة والتعذيب تجعل أفراد الأقليات العرقية يعيشون في خوف دائم على أنفسهم وأقاربهم المحتجزين.

نفى المسؤولون الصينيون وجود أي معسكرات داخل بلادهم، ورفضوا الاستجابة للمناشدات الدبلوماسية الأجنبية التي أعربت عن قلقها إزاء انتهاك حقوق الإنسان في الصين.

وواجهت لجنة من الأمم المتحدة، المسؤول الصيني في الحزب الشيوعي «هو ليانهي»، بالاتهامات الموجهة إلى بلاده بوجود معسكرات «إعادة التأهيل» أو إعادة التثقيف، وأنكر وجودها تمامًا، حسب ما جاء في موقع «رويترز»، مدعيًا أنها مدارس للمجرمين. وأضاف أن السلطات الصينية تحفظ حرية العقيدة وتحمي الأنشطة الدينية العادية، ولا تتصدى إلا للتطرف والعنف.

لكن الشهادات المتتالية عن هذه المعسكرات، والتي جمعت منها منظمة العفو الدولية نحو مئة شهادة من مقابلات مع أشخاص خارج الصين، ما زال مصير أقاربهم مجهولًا، تثبت وجود هذه المراكز ومدى انتشارها، إلا أن سرية العملية التي يُحتجز بها الناس والشكل غير الموثق الذي يُعتقلون به، يجعل عملية تتبع أي شخص أو التأكد من مكانه أمرًا صعبًا.

قال «نيكولاس بيكيلين»، مدير برنامج شرق آسيا بمنظمة العفو الدولية، في الملف الذي أصدرته المنظمة لدعم المختفين، إن ما يسمى «معسكرات إعادة التأهيل»، ما هو إلا أماكن لغسل الأدمغة والتعذيب، وإن أفراد الأقليات العرقية يعيشون في خوف دائم على أنفسهم وأقاربهم المحتجزين.