الملعب

آرسنال: الفريق الذي أحببته ولم يبادلني الحب

صورة تييري هنري: Ronnie Macdonald - التصميم: منشور

«العب من أجل الشعار الذي في الأمام، وسيتذكرون الاسم الذي في الخلف» - «توني آدامز»، أسطورة نادي آرسنال.

تخيل ناديًا يؤسَّس في 1886 عن طريقة مجموعة من العمال الإنجليز، يتغير اسمه عدة مرات، بل يتغير مكانه من جنوب لندن إلى شمالها.

تخيل أن هذا النادي يبدأ رحلة صعبة للغاية للبحث عن الذهب، مواسم للتاريخ وأخرى للنسيان. تخيل «آرسين فينغر» يأتي من اليابان ليصير مديرًا فنيًّا تاريخيًّا للنادي، بل ويغير شكل الكرة الإنجليزية ويفوز بالدوري دون هزيمة.

تخيل أن كل هذا يختفي: النجوم تغادر، البطولات تبتعد، المركز الرابع يصير أقرب الأصدقاء، ثم آتي أنا، الشاب صغير السن الذي لم يكن موجودًا، ويقرر أن يشجع آرسنال.

بداية اللعنة، أو: لماذا أحببت آرسنال؟

أتذكر هدف «تييري هنري» في البرازيل، خلال الدور ربع النهائي في كأس العالم 2006. كنت في الثامنة من عمري.

كطفل صغير انبهرت كيف استطاع إحراز الهدف بهذه الطريقة، كيف ركل الكرة قبل أن تلمس الأرض، وليس أي ركلة، بل ركلة أكروباتية أذهلتني. كانت هذه البداية، من وقتها صرت مشجعًا لآرسنال دون أن أدري.

أردت أن أشاهد ذلك اللاعب مجددًا، أردت أن أشاهده يسجل مرة أخرى. سألت: في أي فريق يلعب؟ فكانت الإجابة: آرسنال، فريق في الدوري الإنجليزي. ولعلي كنت أصغر من أن أفهم معنى الدوري الإنجليزي من الأساس، لكن علقت في ذهني كلمة «آرسنال».

لم أكن أعرف كيف يمكن أن أشاهدهم، ولم أكن بسني الصغيرة وقتها مهتمًّا لهذه الدرجة، ومن ثمَّ أضعت على نفسي مشاهدة الجيل الذهبي لآرسنال.

آرسنال كان يقدم كرة لا مثيل لها في إنجلترا، ولعل ذلك كان سبب تمسكي بتشجيع الفريق.

كبرت شيئًا فشيئًا، وتابعت كرة القدم المحلية بحكم اهتمام العائلة كلها بكرة القدم، وكذلك بحكم أن متابعة الدوريات الأوروبية لم يكن متاحًا وقتها مثلما صار لاحقًا. لكن الأهلي والزمالك لم يُنسياني هنري وآرسنال، والبديل كان لعبة «Fifa».

اقرأ أيضًا: هكذا أصبحت كرة القدم أكثر الألعاب شعبية في العالم

هكذا صار آرسنال فريقي في كل نسخ اللعبة المتتالية، وهكذا صرت ألاحظ مع الوقت اختفاء معظم لاعبي الجيل الذي عرفته. رحل هنري، لكني لم أتوقف عن اللعب بآرسنال. ظننت أن الأسماء الجديدة ستكون بروعة القديم، أن الأمور ستبقى كما هي.

بعدما نضجت كرويًّا وبدأت أفهم كرة القدم، كان آرسنال في مرحلة عرفها الجمهور باسم «The Banter Era»، الفرقة كانت محل سخرية. وعلى الرغم من سياسة بيع نجوم الفريق، كان آرسين فينغر ينجح باستمرار في إنهاء الموسم في المراكز الأربعة الأولى، أو غالبًا في المركز الرابع تحديدًا.

آرسنال كان يقدم كرة لا مثيل لها في إنجلترا، ولعل ذلك كان سبب تمسكي بتشجيع الفريق. متعة غير عادية أشعر بها حين أشاهد اللاعبين، تحركات وتمريرات تجعلني أؤمن بأن الكرة جميلة حقًّا. لكن بوجود نجوم عالميين في الفرق المنافسة، مثل مانشستر يونايتد وتشيلسي، كان من الطبيعي أن أشاهد فريقي يلازم المركز الرابع، وينهي كل موسم دون أي بطولات.

أنا وآرسنال: عن أوزيل والبعث، وقصص أخرى

كنت جالسًا مع أصدقائي في إحدى ليالي سبتمبر 2013، حين سمعت بانتقال مسعود أوزيل إلى آرسنال. لم أصدق. أروني صوره يرتدي قميص الفريق، لم أصدق. سياسة آرسنال التعاقد مع شباب قليلي الخبرة أو أسماء مغمورة، فكيف يفوز بصانع ألعاب ريال مدريد والموهبة الألمانية: أوزيل؟

تحمست كثيرًا، كنت أظن أنه الموسم الذي سننافس فيه على اللقب. لم أبالغ لدرجة تخيُّل الفوز بالدوري، أو هكذا قلت لأصدقائي على أي حال، فالفريق كان ينقصه كثير من الأمور، لكنها كانت قفزة ضخمة تجاه إعادة البناء والعودة إلى المسار الطبيعي كما ظننت.

لم نفز بالدوري، أنهينا الموسم في المركز الرابع، مفاجأة؟ لكن آرسنال ختم تسع سنوات من الجفاف ببطولة الكأس.

كان شعورًا رائعًا وقتها، على الأقل عدنا إلى البطولات، بالتأكيد القادم سيكون أفضل، ولم لا، فالآن «لدينا أوزيل، مسعود أوزيل، إنه أفضل من زيدان، لدينا مسعود أوزيل».

حين قال لي صديقي ببساطة: «شجع فريقًا آخر»، أحسست كأنه يطلب مني تغيير ملَّتي مثلًا.

البداية المتواضعة للموسم التالي، 2014-2015، جعلتني أوقن أنه ليس لنا: أداء باهت وتعثرات وفوز صعب في آخر دقائق المبارايات أمام فرق متوسطة وضعيفة. ومع خروج غير متوقع أمام موناكو، في مرحلة متوقع خروجنا فيها من دوري الأبطال (دور الـ16)، بدأ ينمو داخلي إحساس بأن وقت فينغر مع آرسنال انتهى.

كانت مشاعري متخبطة تجاه فينغر. هذا هو من بنى آرسنال الذي أعرفه، الرجل مع الفريق قبل أن أولد، فكيف أطالب برحيله. ثم إنه قدم انتفاضة رائعة في الموسم نفسه، منتصرًا في ثماني مباريات متتالية في النصف الثاني من الدوري، جعلت آرسنال يتجاوز حتى مركزه الرابع الأثير ويحل ثالثًا، إضافة إلى الفوز بالكأس الثانية عشرة.

لكن الموسم التالي، موسم «معجزة ليستر سيتي»، أكد مشاعري في ما يخص رحيل أرسين فينغر. كانت بطولة الدوري الأقرب، لم يكن هناك من منافس على المركز الأول سوى ليستر، ومع ذلك أنهى آرسنال الموسم ثانيًا بفارق 10 نقاط.

موسم سيئ بكل المقاييس: خروج معتاد من دور الـ16 في دوري الأبطال أمام برشلونة، خروج من الكأس على يد واتفورد، خسارة أسهل بطولة دوري إنجليزي بفارق كبير، كان هذا كثيرًا على نفسيتي. أرهقتني الهزائم نفسيًّا، ولم أكن أعلم لما أشجع فريقًا يرهقني نفسيًّا. وكم من مرة قررت أني لن أتابع مباريات الفريق، على الأقل حتى رحيل فينغر، ومع الأسبوع التالي أجدني أشاهد المباراة وكأني وُلدت على ملعب هايبري.

كنت أشكو لصديق لي كيف أن تشجيع آرسنال يعذبني، فردد ببساطة: «شجع فريقًا آخر». أحسست كأنه يطلب مني تغيير ملَّتي مثلًا. لم يكن الاقتراح مطروحًا للنقاش، أنا مشجع لآرسنال، مثلها مثل أنني مصري، أمور لا نختارها ولا تتغير، فقط نتعايش معها.

كيف أشجع فريقًا آخر؟ كيف أتمنى أن يفوز فريق آخر غير الذي قضيت شبابي أدعمه؟ الموضوع فعلًا بالنسبة إليَّ يبدو غير منطقي. لا أستطيع تخيل نفسي ألعب «Fifa» بفريق سوى الآرسنال، حتى الـ«فانتازي»، كيف أكوِّن فريقًا ولا يحتوى على لاعبي آرسنال؟

الموضوع ليس مجرد تشجيع ومتابعة المباريات، الموضوع أقرب إلى أسلوب حياة، ولا هذا ليس كليشيه رخيصًا، لكنها حقيقة: آرسنال نمط، مثله مثل حياتنا، صعبة ومتعبة. لكن تأتي لحظة من اللحظات تجعلك تشعر كأنك ملك العالم. هدف جميل أو جملة تكتيكية مبدعة كفيلة بأن تنسيك تخاذلًا ممتدًا على طول الموسم، ويمكن لتمريرة سحرية من لاعب أن تجعلك تقسم بكل ما هو عزيز عليك إنك تحبه، وقبلها كنت تلعن اليوم الذي انضم فيه للنادي.

قد يهمك أيضًا: «الفانتازي»: لأن المرء يبتسم دائمًا حين يَصدق توقعه

آرسنال: عنقاء لندن؟

أعلم أنه ليس الفريق الذي يحصد البطولات كل موسم، وليس مرعب الدوري الإنجليزي، لكنه جعلني أحب كرة القدم فعلًا.

بعد أن أعلن فينغر أنه سيرحل في إبريل 2018، أدركت أن الأمور ستتغير إلى الأبد، لكني لم أفهم إن كانت ستتغير للأسوأ أم للأفضل. وتقديمي للأسوأ ليس مصادفة، بل لما لاقيته مع الفريق.

لكني أثق في الآرسنال، للأسف. حتى لو كان في الغالب يخيب ظني ويكسر همتي، إلا أنه، ولسبب ما، لا تختفي تلك الثقة ولا حتى تقل. ربما سنعاني، ربما حتى بطولة الكأس التي كانت ردنا الوحيد على الكارهين، ستغيب لأعوام هي الأخرى، ربما الوصول إلى دوري الأبطال سيكون الأمنية والطلب، ربما لن يأتي دوري بعد الدوري الذهبي.

هذا هو ما فعله آرسنال بي. صارت الحسابات المنطقية وتوقعات المحللين هباءً منثورًا. آرسنال سيفاجئني كعادته، سينتصر على بطل الدوري بثلاثية نظيفة ومبارة غاية في المتعة، لينهزم بعد ذلك من فريق يلعب في الدرجة الثانية.

الحقيقة أني لا أعلم لماذا أشجع آرسنال، أعلم أنه ليس الفريق الذي يحصد البطولات كل موسم، وليس المرعب لفرق الدوري، أعلم أنه ليس الفريق المناسب لمن يريد ألا يعاني من أمراض الضغط والقلب في شبابه المبكر. لكنه آرسنال الذي يجعلني أحب كرة القدم فعلًا. والحقيقة، لا أظن أنه يمكن أن تحب كرة القدم دون أن تحب آرسنال.

, , , , , ,