الثورة والثوار

«آرندت» و«ثورو»: هل يمكن للعصيان المدني أن يكون فرديًا؟

الصورة: Hossam el-Hamalawy

«هنري ديفيد ثورو» مؤلف ومؤرخ وفيلسوف أمريكي. عُرف بسبب أعماله الأدبية التي يدعو فيها إلى العيش البسيط في أحضان الطبيعة، والتجرد من قيود الحياة المدنية وأعبائها. وأعمال أخرى وهي الأكثر تأثيرًا وانتشارًا، دعا فيها إلى رفض الظلم وانتزاع الحقوق بأسلوب سلمي، أطلق عليه العصيان المدني. 

عندما يُذكر ثورو، يُذكر باعتباره رمزًا للعصيان المدني، لكن هل يمكننا اعتباره كذلك فعلًا؟ 

نشرت الكاتبة «كيتي فيتزباتريك» مقالًا على موقع «aeon» تحدثت فيه عن ثورو، وكيف أثر في مفهوم المقاومة السلمية، وكيف تختلف حنة آرندت معه في الكثير من أفكاره بهذا الخصوص.

آرندت مُنظرة سياسية وباحثة وفيلسوفة ألمانية أمريكية، تعتبر من أهم الفلاسفة السياسيين في القرن العشرين، وألفت العديد من الكتب والمقالات في دراسة نظريات المعرفة وفي التنظير السياسي وعن نشأة الشمولية، وغيرها.

يستعرض المقال قصة ثورو مع العصيان المدني، التي بدأت في عام 1846 عندما سُجن بعد رفضه دفع الضرائب احتجاجًا على السياسة الأمريكية آنذاك. كان هذا الحدث بمثابة الشرارة التي أدت في ما بعد إلى كتابة ثورو مقاله «عن العصيان المدني» عام 1849، الذي أكد فيه معارضته لانتهاك الحقوق المدنية للشعب، ورفضه للحرب المكسيكية الأمريكية وللعبودية بجميع أشكالها. 

شاعت النظرية وكان لها بالغ الأثر في أهم المفكرين السياسيين، مثل تولستوي وغاندي ومارتن لوثر كينغ، وأصبحت سببًا في إلهام الكثير من حركات المقاومة السلمية في مختلف دول العالم.

هل أساء ثورو لجوهر العصيان المدني عندما جرده من روح الجماعة؟

الصورة: Hossam el-Hamalawy

عارض كثيرون نظرية ثورو عن العصيان المدني، منهم حنة آرندت، التي ذكرت في مقال لها نُشر في «The New Yorker» عام 1979، أن ثورو لم يكن متمردًا مدنيًا، وأن فلسفته الأخلاقية كانت لعنة على روح الجماعة التي من المفترض أن تقود أي احتجاج شعبي. 

يرى ثورور أن الديمقراطية التشاركية تُضعف من شخصيتنا وسماتنا الأخلاقية التي تميز كل فرد عن الآخر.

في مقاله، نقد ثورو بشكل لاذع سلطة الدولة، ودافع بطريقة مستميتة عن الضمير الأخلاقي للفرد. وأكد في كتابه «والدن» (1854)، وفي مقاله «عن العصيان المدني»، ضرورة اتِّباع الفرد لأفكاره وآرائه المستقلة وفلسفته الأخلاقية الخاصة، وعدم الانصياع لقوانين الدولة أو الأعراف الاجتماعية، والتزام الفرد بمخالفة أي قانون يتعارض مع قناعاته الشخصية.

ينطبق هذا الأمر من وجهة نظر ثورو حتى على القوانين التي وضعتها الانتخابات الديمقراطية أو ‏الاستفتاءات الشعبية، إذ يرى أن الديمقراطية التشاركية تُضعف من شخصيتنا وسماتنا الأخلاقية التي تميز كل فرد عن الآخر. 

يفسر ثورو هذا بقوله إنه عندما نُدلي بأصواتنا، فنحن نميل لما نعتقد أنه الحق، وفي الوقت ذاته نؤمن بنزاهة ما ستصوت الأغلبية لصالحه بصرف النظر عما نراه صوابًا، وبهذا نُعلي من قيمة الرأي السائد على حساب ضمائرنا الأخلاقية الحية. 

تعزو كاتبة المقال كيتي فيتزباتريك هذا الرأي إلى إيمان ثورو القوي بوعيه الأخلاقي الذاتي، وانعدام ثقته في سلطة الدولة أو الرأي العام. 

هل ما يدفعنا نحوه الضمير عمل أخلاقي بالضرورة؟ 

الصورة: Hossam el-Hamalawy

تشير آرندت، بحسب المقال، إلى أن ثورو كان مخطئًا عندما حصر مفهوم العصيان المدني في ضمير الفرد، لأن الضمير معيار غير موضوعي، ولا يمكن أن يسوِّغ أي رأي أو عقيدة سياسية، وليس بإمكان الضمير وحده أن يثبت أخلاقية أي فعل من عدمه.

مثلًا، عندما عارض اليساريون في الولايات المتحدة المعاملة السيئة التي يتعرض لها اللاجئون، كانوا مدفوعين بقوة الضمير. وكذلك الحال بالنسبة إلى «ديفيس»، الكاتبة المحافظة في مقاطعة روان بولاية كنتاكي، التي دفعها ضميرها أيضًا لتحدي أمر المحكمة الفيدرالية ورفض إصدار تراخيص لزواج المثليين.

تقول آرندت إنه حتى عندما يدعو الضمير إلى أفعال يتفق على أخلاقيتها الجميع، فلا يمكن لنا اعتباره دافعًا لأي تغييرٍ سياسي في حالة العصيان، لأنه يتمحور حول ذواتنا وحول نقائنا الأخلاقي، ويبتعد عن الحراك الجماعي الذي قد يُحدث التغيير. 

توضح كيتي فيتزباتريك أن آرندت بقولها هذا لا تحجِّم من أهمية صوت الضمير، والدليل على ذلك ما ذكرته في كتابها «أيخمان في القدس» (1963)، عن العسكري النازي أدولف أيخمان الذي أدى افتقاره للحس الأخلاقي إلى مشاركته في جرائم ضد الإنسانية. ولكنها ترى أن ضمير الفرد، حتى وإن كان سببًا في مناهضته للظلم، إلا إنه لا يُلزم الفرد بأداء خطوات مهمة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، وهو ما لا يمكن أن يحدث دون المطالبة مع الجماعة بالتغيير الحاسم. 

بالنسبة لآرندت، يجب على العصيان المدني أن يحمل صفتين: أن يكون جهارًا، وأن ينفَّذ بشكل جماعي.

يرى ثورو أن مسؤولية الأفراد تنتفي بعدم مشاركتهم في أعمال الظلم والخراب، وأنه ليس من واجبهم أن يكرسوا أنفسهم ويصرفوا جُل جهودهم لمحاولة تغيير الواقع السيئ من حولهم، أو رفع الظلم عن الآخرين. وتتفق آرندت مع أنه من الأفضل دون شك الامتناع عن المشاركة في الظلم، لكن فلسفة ثورو في هذه المسألة قد تجعلنا نستهين بالشرور من حولنا طالما ليست لنا يد فيها. وقد تقود هذه الفلسفة الفرد إلى أن ينشغل بما يمليه عليه ضميره، ويتجاهل ما هو أهم: إيجاد بيئة اجتماعية تسود فيها العدالة.

تشرح كيتي في مقالها أن «نقطة الخلاف الجوهرية بين ثورو وآرندت أنه يرى العصيان عملية فردية بالضرورة، بينما تراه هي عملًا جماعيًا بطبيعته».

بالنسبة لآرندت، يجب على العصيان المدني أن يحمل صفتين: أن يكون جهارًا، وأن ينفَّذ بشكل جماعي، ولذلك ترى أن امتناع ثورو عن دفع الضرائب ليس عصيانًا مدنيًا، بل إنه لا يعدو كونه عملًا احتجاجيًا. 

وبالرغم من تأثر أهم حركات المقاومة السلمية بفلسفة ثورو، تعتقد آرندت أن هذه الحركات لم تكن ستُحدث تغييرًا في خارطة التاريخ لولا احتشاد وتعاضد أفرادها في الميادين، وممارسة الضغط الجماهيري بهدف إحداث التغيير.

أن نركز على الجماعة التي بإمكانها إحداث الفرق، خير من أن نركز على ما تدعونا ضمائرنا إلى عدم فعله. وأن تحاول الجماعة بكل ما أوتيت تغيير الظلم من حولها وإصلاح ما يمكن إصلاحه، خير من أن يحاول الفرد من داخل قوقعته المقاومة وإنكار الظلم، فقط لكي يرتقي أخلاقيًا ويتصالح مع ذاته.