الأقل حظًّا

أطفال اللاجئين في الجزائر: حق التعليم الضائع

الصورة: Getty/Billal Bensalem

شكَّل موضوع ترحيل اللاجئين الأفارقة من الجزائر، منذ تدفقهم الكبير إلى البلاد بعد التدخل الفرنسي عسكريًّا في مالي يناير 2013، حديث الصحافة والمنظمات الحقوقية الموالية للسلطة والمنتقدة لها على حد سواء. اختلفت الآراء بين مؤيد لترحيلهم، بما أن العملية تتم بالتعاون مع دول هؤلاء المهاجرين غير النظاميين، ومعارض يرى في إعادتهم إلى بلدانهم عدم ضمان لحقوقهم المكفولة في مواثيق دولية وقَّعت عليها الجزائر.

في خضم هذه الآراء المتباينة، ضاع حق تعليم أطفال اللاجئين الأفارقة القادمين من منطقة الساحل الصحراوي، الذين نادرًا ما يشكل موضوع تعليمهم أدنى اهتمام حتى من المنظمات غير الحكومية، رغم أن منظمة اليونسكو على لسان مديرتها العامة السابقة، «إيرينا بوكوفا»، قالت إن نسبة الأطفال اللاجئين الملتحقين بالمدارس الابتدائية والثانوية تقدر بـ50 و25% على التوالي، وإن الفتيات أكثر عرضة للحرمان من التعليم، ما يزيد من تهميشهن وضعفهن، وإن نسبة حرمان الأطفال والمراهقين اللاجئين من التعليم تفوق بخمس مرات نسبة حرمان أقرانهم من غير اللاجئين.

تنفق الجزائر، بحسب إحصاءات غير رسمية، أكثر من 30 مليون دولار سنويًّا للتكفل باللاجئين المقيمين على ترابها، غير أن ملف التعليم الذي يبقى من التحديات الأساسية التي تواجهها البلاد بالنسبة إلى أبنائها، يبقى محورًا ليس له الأولوية بالنسبة إلى اللاجئين الأفارقة، على الأقل مقارنةً بباقي الجنسيات.

حق دستوري ضائع

الحكومة الجزائرية تنفق أكثر من مليار دينار لمساعدة اللاجئين الأفارقة

يختلف المنهج الدراسي الجزائري عن المقررات المطبقة في مدارس اللاجئين الأفارقة، ما يجعل اندماجهم صعبًا.

أمام المركز التجاري في باب الزوار شرق العاصمة الجزائر تفترش الطفلة زينب (8 أعوام) الأرض، منتظرة من يتكرم عليها بدنانير معدودات، تبقيها حية وبعيدة عن جحيم الحرب في مالي، وكذلك أفراد عائلتها الذين يتخذون مواقع أخرى بالقرب من المركز التجاري علهم يحصلون على بعض الصدقات.

لا تلتقي زينب بأهلها رغم صغر سنها إلا في نهاية اليوم، لتجميع ما جادت عليهم به أيادي المحسنين لشراء قوت يومهم ومساعدتهم على مشاق الحياة، فهم كغيرهم من اللاجئين الأفارقة يتخذون تحت الجسور مكانًا لإقامتهم في برد الشتاء وحر الصيف، لذلك لا مجال للتفكير في الذهاب إلى المدرسة والتعليم، فتلبية حاجة الغذاء لها الأولوية بالنسبة إليها من أي حاجة أخرى، مثلما تقول لـ«منشور».

رغم أن الدستور الجزائري ينص في المادة 53 على أن «الحق في التعليم مضمون ومجاني حسب الشروط التي يحددها القانون»، فإن زينب لم تلتحق كغيرها من اللاجئين الأفارقة بالمدارس الجزائرية على عكس باقي اللاجئين، كالفلسطينيين والسوريين الذين يلتحقون بالمؤسسات التربوية بكل سهولة.

تشير المادة ذاتها إلى أن «التعليم الأساسي إجباري»، أي أن التعليم خلال المرحلتين الابتدائية والمتوسطة إلزامي، ويعاقب القانون من يمنع أبناءه من الحصول على هذا الحق، فالطفل في الجزائر من حقه التعلم حتى السن 16 عامًا، ولا يمكن طرده من أقسام الدراسة حتى ولو رسب عدة مرات.

غير أن حال أطفال اللاجئين الأفارقة يبقى غير معنيٍّ بهذا الحق الإلزامي، بالنظر إلى أن المنهج الدراسي الجزائري يختلف عن المقررات المطبقة في مدارس الدول الإفريقية التي جاؤوا منها، ما يجعل اندماجهم صعبًا في المدرسة الجزائرية، بحسب تصريحات مسؤولي وزارة التربية الجزائرية.

جاء في الدستور الجزائري كذلك أن «الدولة تنظِّم المنظومة التعليمية، وتسهر على التساوي في الالتحاق بالتعليم والتكوين المهني»، لكن ذلك لم ينطبق على آلاف من أطفال اللاجئين الأفارقة الذين يمثلون 40% من المهاجرين غير النظاميين الأفارقة المقيمين في الجزائر،  حسب تصريحات عبد الرحمن عرعار، رئيس جمعية «ندى» لحماية حقوق الطفل.

إفريقيا في الجزائر: الأرقام تتحدث

40% من المهاجرين الأفارقة في الجزائر أطفال

تقول عائشة، القادمة من نيجيريا حيث تنشط «بوكو حرام» الإرهابية، إن ابنتها لن تستطيع الالتحاق بالمدرسة مطلقًا لأنها لا تحوز وثائق إقامة.

حسب تقرير الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان أظهرت دراسة أجريت في 2016 عن طريق منظمة «أطباء بلا حدود» بالتعاون مع منظمة اليونيسيف ووزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة الجزائرية، أن ثلث الأطفال من الجالية الإفريقية في الجزائر فقط من يلتحقون بمقاعد الدراسة حسب نتائج مسح ميداني لـ361 طفلًا من مجموع 266 أسرة إفريقية.

وتوصلت الدراسة إلى أن 44.8% يتعلمون في مؤسسات عمومية، و55.2% في مدارس خاصة،  لكن هذه الدراسة مست الجالية الإفريقية المقيمة بطريقة قانونية فقط، والتي قد تدخل فيها الجاليات العربية، مثل الليبيين الذين هاجر كثير منهم إلى الجزائر بعد تردي الأوضاع الأمنية في بلادهم عقب الإطاحة بنظام معمر القذافي، وتكون في غالب الأحيان أوضاعهم المادية ميسورة، فيلتحق أبناؤهم في بعض الحالات بالمدارس الخاصة.

وتشير الإحصاءات الخاصة بالليبيين التي تعود إلى عام 2016 إلى وجود نحو 40 ألف لاجئ ليبي في الجزائر، حسب منظمات غير حكومية، لكن مفوضية الأمم المتحدة للاجئين بالجزائر تقول إن العدد أقل، ولا يزيد عن 32 ألف لاجئ ليبي.

وهؤلاء اللاجئون لا يشكل التحاقهم بالمدارس أي مشكلات بالنظر إلى أنهم مسجلون لدى السلطات، ومقيمون بطريقة قانونية، وتعليمهم في المؤسسات التربوية لا يشكل أي صعوبة لأن لغة التدريس هي العربية.

غير أن المشكلة تبقى في إلحاق الأطفال المقيمين بالمدارس بطريقة غير نظامية، إذ وصل عددهم في 2016 إلى 29 ألف مهاجر غير نظامي قادمين من 23 دولة إفريقية، وفق تقرير الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان.

عائشة، القادمة من نيجيريا عبر النيجر، حيث تنشط منظمة «بوكو حرام» المتشددة، توضح لـ«منشور» أن ابنتها لن تستطيع الالتحاق بالمدرسة مطلقًا لأنها لا تحوز وثائق إقامة.

ولا تتوقف المشكلة عند الأطفال الصغار، فالأمر يمتد إلى البالغين الذين يضطرون إلى دخول سوق العمل حتى ولو في ظروف صعبة كان يفضلون بدلًا منها  الالتحاق بمراكز التكوين المهني أو الجامعات، بالرغم من استقبال الجزائر أربعة آلاف طالب إفريقي في جامعاتها.

في ورشة للبناء تابعة لمقاول خاص غرب العاصمة الجزائر يعمل يوسف، الهارب من جحيم حرب مالي. يقول: «أعمل في ظروف ليست كما أريد، لكن تبقى أفضل من نيران الحرب في بلدي». ويضيف: «هنا نعمل لفترة تزيد عن ثماني ساعات أحيانًا مقابل راتب يومي لا يتجاوز 15 دولارًا، لكن ما باليد حيلة، فليس من حقنا الاحتجاج لأننا لا نملك وثائق إقامة».

حالة يوسف لا تختلف كثيرًا عن حالات الآلاف من اللاجئين الأفارقة القادمين من مالي والنيجر وتوغو وساحل العاج وغينيا ومختلف دول الساحل وغرب إفريقيا، فحالات كهذه تُصنَّف عند المهاجرين الأفارقة في خانة المحظوظين لأنهم سيظفرون، إضافة إلى العمل، بمأوى يبيتون فيه حتى لو كان في ظروف غير مقبولة ومن العصر البدائي.

يقول سعيد، القادم من مدينة غاو شمالي مالي، الذي التقيناه غربي العاصمة الجزائر قرب إحدى ورشات بناء مشروع سكني، إنه قصد هذا المكان بهدف البحث عن عمل، لأنه على عكس كثيرين يفضِّل كسب رزقه بعرق جبينه دون أن يضطر إلى التسول.

ويضيف: «الظفر بعمل ليس سهلًا، فأحيانًا نعمل شهرًا ونتوقف شهرًا، وبعض أرباب العمل لا يدفعون لنا رواتبنا، يعاملوننا أحيانًا كالعبيد، ولا يعطوننا حقوقنا، فنحن نشتغل دون تأمين، وأكثر من ساعات العمل المحددة قانونًا، لكن ما باليد حيلة لأننا مضطرون إلى أن نعمل ونرضى بالظروف».

أما العشريني إبراهيم، القادم هو الآخر من مالي، الذي يعمل لدى مؤسسة أجنبية تنجز مشروعًا سكنيًّا في العاصمة الجزائر، فيشتكي من تأخر بعض أرباب العمل في دفع رواتبهم، رغم أنه وأقرانه من العمال الأفارقة في أمَسِّ الحاجة لهذه الرواتب لأنهم تخلوا عن الأهل والدراسة مقابل تأمين غذاء يومهم.

يستطرد: «ظروف العمل ليست جيدة، أن تعمل في ورشة بناء معناه بذل مجهود شاق، لكننا تعودنا على هذا، وكنا نتوقعه عندما تركنا بلدنا، لكن ليس من المعقول أن نظل في مثل هذه الظروف ثلاثة أشهر دون أجر».

ويقر صاحب ورشة بناء بأن «جميع العمال الأفارقة لا يملكون تأمينًا لأنهم لا يحملون وثائق إقامة. صحيح أن ظروف عملهم قد لا تكون مثالية، لكن ليست بذلك السوء الذي تتحدث عنه منظمات حقوق الإنسان التي لا تنزل إلى الميدان وتكتفي بإصدار تقارير. وصحيح أننا لا نقدم أجورًا عالية، لكن رواتبهم تصل إلى أكثر من 300 دولار شهريًّا، وهي تساوي أو تفوق أحيانًا ما يحصل عليه بعض الجزائريين».

تعددت الأسباب والنتيجة واحدة

كيف يستقبل الشارع الجزائري اللاجئين الأفارقة؟

يحصي عدد من المهتمين في مجال التربية جملة من الأسباب التي تجعل التحاق أطفال اللاجئين الأفارقة بالمدارس الجزائرية أمرًا صعبًا، تأتي في مقدمتها اختلاف المنهج الدراسي، ولغة التدريس، لكن بعضهم يرى أن الحجة الأخيرة قد تكون غير مقنعة في بعض الحالات لأن هؤلاء الأطفال، وبخاصة الذين ولدوا في الجزائر أو وصلوا إليها وهم رُضَّع، قد استطاعوا تعلم اللهجة الجزائرية، ما يعني سهولة فهمهم اللغة العربية عندما يلتحقون بالدراسة.

الوضعية القانونية أيضًا تزيد من صعوبة قبول هؤلاء الأطفال بالمؤسسات التربوية التي لا تملك الحق في قبول تلاميذ لا يحوزون على وثائق ثبوتية وإقامة حتى ولو كانوا جزائريين، وحل هذا الإشكال يبقى صعبًا بالنظر إلى أن هذه الشريحة من الأطفال تكون في بعض الحالات هي وأهلها لا يحوزون وثائق الهوية حتى في بلدانهم، وعليه، فتسوية أوضاعهم القانونية شبه مستحيلة، حتى بتدخُّل الجمعيات الخيرية والتنظيمات غير الحكومية.

بحسب هواري قدور، المكلف بالملفات الخاصة في الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، فإن أهم عامل يعرقل إلحاق أطفال اللاجئين الأفارقة بالمدارس، هو تنقل عائلاتهم الدائم، فبسبب ظروف إقامتهم الصعبة لا يستقرون في مكان واحد في أغلب الحالات.

لعل ما قد يسهم أيضًا في استمرار عدم تعلم أطفال اللاجئين الأفارقة في الجزائر هو غياب قانون اللاجئين الذي دعت عدة منظمات حقوقية إلى تشريعه للوقوف ضد أي انتهاك أو حملة عنصرية تستهدف هذه الفئة الهشة،  وكذلك لعدم السماح لبعض المنظمات الدولية بتدويل هذه القضية.

انتقدت منظمة العفو الدولية (أمنيستي)، في تقريرها السنوي، طريقة تكفُّل السلطات الجزائرية بملف اللاجئين الأفارقة، وبخاصة بعد ترحيل الآلاف منهم إلى النيجر، إلا أن الحكومة أبدت انزعاجها من هذا التقرير وأكدت أنه مبني على معلومات مغلوطة، لأن ترحيل المهاجرين غير النظاميين النيجيريين كان بطلب من سلطات نيامي التي قدمت ضمانات للتكفل الأحسن برعاياها.

يوضح إبراهيم محديد، المسؤول عن الإعلام في «أمنيستي الجزائر»، أن المنظمة غير الحكومية التي يمثلها تُعوِّل على قانون اللاجئين الذي وعدت وزارة الخارجية بإخراجه، بالنظر إلى أنه سيكون الضامن الحقيقي لحقوق المهاجرين الأفارقة، داعيًا الوزارة إلى إشراك منظمات المجتمع المدني في صياغته.

إلى أن يخرج هذا القانون إلى العلن، تبقى الطفلة المالية زينب، وغيرها من الأطفال القادمين من الدول الإفريقية جنوب الصحراء، مجبرين على الهروب من جحيم الحرب، حتى وإن كلفهم ذلك الحرمان من التعليم والعيش في أمية وجهل قال السابقون إنه قد يفعل بصاحبه ما لا يفعله العدو بعدوه، لأن كل المحاولات غير الحكومية لتعليم هؤلاء باءت بالفشل، وفي مقدمتها حملة «مدرسة اللاجئين» التي لم يتجاوز صداها مواقع التواصل الاجتماعي.

, , , , , , ,