الملعب

أكثر من مجرد حلبة: كيف تلعب مصارعة المحترفين أدوارًا سياسية واجتماعية؟

الصورة: Ed Webster

«تمثيل ولَّا حقيقة؟». تنحصر فكرتنا في العالم العربي عن مصارعة المحترفين، وتحديدًا الاتحاد الأشهر في اللعبة «WWE» حول هذا السؤال. يعتقد معظمنا أن المصارعة ليست سوى حلبة وسيناريوهات وضربات قد تكون حقيقية، وقد تكون تمثيلية متقنة، حسب اعتقاد كل شخص. لكن ذلك يجعلنا نغفل حجم تأثير اتحاد «WWE» في العالم سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا. فكما يقال إن «كرة القدم ليست مجرد لعبة»، فمصارعة المحترفين «ليست مجرد حلبة».

الحقيقة أن اتحاد «WWE» يتعدى تأثيره ما يقدمه من عروض لمصارعة المحترفين، بل تمتد أذرعه كالأخطبوط في كل نواحي الحياة. وربما علينا أن نبدأ من الجانب السياسي، والذي تعزز مؤخرًا بانتخاب المصارع المخضرم «كين»، واسمه الحقيقي «غلين جاكوبز»، عمدة مقاطعة نوكس بولاية تينيسي الأمريكية، وهو المنصب الذي سعى إليه لمدة طويلة، ليصبح ثاني مصارع محترف يتقلد منصبًا حكوميًّا بعد «جيسي فانتورا» الذي فاز بمنصب مشابه عام 1990، حين أصبح عمدة بروكلين بارك بولاية مينيسوتا، قبل أن يُنتخَب حاكمًا للولاية بأكملها عام 1998.

ترامب أيضًا

يعطي السياسيون جمهور مصارعة المحترفين في الولايات المتحدة اهتمامًا كبيرًا.

لا تنحصر علاقة «WWE» بالسياسة في «كين» و«فانتورا»، بل تمتد إلى أكبر صانعي القرار في الولايات المتحدة، وتصل إلى داخل المكتب البيضاوي نفسه، وأعلى منصب في الدولة، رئيس الجمهورية. فقد لا يعلم كثيرون في منطقتنا العربية أن الرئيس دونالد ترامب يتمتع بعلاقة طويلة مع «فينس مكمان»، رئيس مجلس إدارة «WWE»، وتعود تلك العلاقة إلى عام 1988، حين نظم رجل الأعمال «ترامب» عرضي «ريسلمانيا 4» و«ريسلمانيا 5»، وظهر أكثر من مرة ضمن الحضور في عروض المصارعة.

بعد عدة سنوات، عاد ترامب للمشاركة في عرض «ريسلمانيا 23». لكن مشاركته هذه المرة كانت ضمن سيناريو أُعِد على أساس خلق عداوة بينه وبين «مكمان»، تحت اسم «معركة المليارديرات». حينها كان على كلٍّ منهما اختيار مصارع يمثله في الحلبة على أن يُحلَق شعر الخاسر من الثريَّيْن أمام الجماهير حال خسارة ممثله، وبالطبع أُعِد السيناريو ليفوز «ترامب» ويحلق بنفسه شعر «مكمان» وسط الحلبة.

استنادًا إلى هذه العلاقة القوية بين «ترامب» و«مكمان»، قرر الأخير تكريم الأول بضمه إلى قاعة المشاهير عام 2013، وهو أعلى تكريم في عالم المصارعة.

لم يتوقف ارتباط «ترامب» بالمصارعة بعد دخوله البيت الأبيض. وفي إحدى تغريداته المثيرة للجدل، هاجم شبكة «CNN»، على طريقة «WWE»، بنشره فيديو مركَّب من مباراة «ريسلمانيا 23» له وهو يضرب فينس مكمان الذي وضع مكان وجهه شعار الشبكة التلفزيونية.

الارتباط بين السياسة و«WWE» ليس متمثلًا فقط في «ترامب» و«كين»، فزوجة فينس مكمان (ليندا) التي أدارت معه الاتحاد جنبًا إلى جنب حتى عام 2009، كانت لها أيضًا تجربة في الترشح لدخول مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري عام 2010، ورغم هزيمتها، فإنها تحولت إلى مساندة حزبها ماليًّا كمتبرعة. ومن أبرز إسهاماتها تبرعها لحملة «ترامب» في الانتخابات الرئاسية بـ7.5 ملايين دولار، وفي فبراير 2017، وقع اختيار مجلس الشيوخ عليها لترأس هيئة المشروعات الصغيرة الحكومية.

يعطي السياسيون جمهور مصارعة المحترفين في الولايات المتحدة اهتمامًا كبيرًا. وفي أثناء الانتخابات الرئاسية عام 2008، ظهر المرشحون حينها «باراك أوباما» و«هيلاري كلينتون» و«جون ماكين» على شاشات الاتحاد الأشهر لمصارعة المحترفين، ليوجه كلٌّ منهم كلمة للجمهور مستخدمين خلالها مصطلحات خاصة باللعبة. فعلى سبيل المثال، قالت «كلينتون» في كلمتها إنه يمكن تسميتها بـ«هيل رود»، في إشارة إلى اسم الشهرة للمصارع الراحل، «رودي بيبر» (هوت رود)، فيما استخدم «أوباما» عبارة «If You Smell What Barack is Cooking»، وهي في أصلها العبارة الشهيرة للمصارع «ذا روك» «If You Smell What the Rock is Cooking». أما «ماكين»، فاستخدم العبارة الشهيرة في عالم المصارعة: «ربما علينا أن نحل هذا الأمر في الحلبة».

حثَّ المرشحون الثلاثة جماهير المصارعة للتصويت لهم في الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها «أوباما» في النهاية.

تأثير ممتد

المصارع «دانيال براين» يهتف «YES, YES»

من السياسة إلى الثقافة، إذ لا يمكن إغفال تأثير ما يحدث في عالم المصارعة، في غيرها من الألعاب. فعلى سبيل المثال، اجتاح هتاف «YES, YES» الذي كان منبعه المصارع «دانيال براين»، فيما عُرف في الحلبة بحركة «The Yes Movement»، الملاعب الرياضية الأخرى، فقاده دانيال براين نفسه في إحدى مباريات هوكي الجليد، واجتاح ملاعب كرة السلة الأمريكية للجامعات وكرة القدم الأمريكية والبيسبول. كذلك الأمر مع هتاف «Wooo»، الخاص بالمصارع الأسطوري «ريك فلير»، وأصابت موسيقى المصارع «فاندانغو» الولايات المتحدة بالجنون لتصل إلى المركز الثالث ضمن الأكثر استماعًا في البلاد،  حتى إنها وصلت إلى ملاعب كرة القدم في إنجلترا.

حركات المصارعة أيضًا نُفِّذت بشكل احتفالي على ملاعب الرياضات الأخرى، ككرة القدم في عدة مناسبات، وكذلك كرة القدم الأمريكية، ورياضات أخرى.

قدم عدد من المغنيين فقرات في عروض المصارعة، مثل «بيتبول» و«نيكول شيرزينغر» و«ساليفا»، و«فلو ريدا»، و«سنوب دوغ».

بعيدًا عن الملاعب، يمتد التأثير الثقافي للمصارعة إلى اللغة، وقد أُدرِجت إحدى الكلمات التي منبعها عالم المصارعة في قاموس «Merriam-Webster»، وهي كلمة «Smackdown» التي كان أول من تفوه بها المصارع «ذا روك». وبعد انتشار الكلمة في تسعينيات القرن العشرين، استحدث الاتحاد عرضًا أسبوعيًّا بالاسم نفسه، قبل أن يقرر القاموس إدراجها ضمن كلماته في اللغة الإنجليزية، عام 2007، كذلك الحال بالنسبة إلى تعبير «Tag Team» (الفريق الزوجي في عالم المصارعة)، وهو التعبير الذي دخل قاموس كامبريدج.

من اللغة إلى الموسيقى، كان دائمًا هناك ارتباط بين المصارعة وصناعة الموسيقى. ويرتبط الاتحاد بعلاقة قوية مع كثير من المغنيين المشاهير، وعلى رأسهم «سنوب دوغ»، الذي تعد قريبته «ساشا بانكس» إحدى أهم نجمات القسم النسائي حاليًّا، وإحدى الأعمدة الرئيسية لما تُعرف بـ«ثورة النساء» في الاتحاد.

كذلك قدم عدد من المغنيين فقرات في عروض المصارعة، وبخاصة العرض الأشهر سنويًّا «ريسلمانيا»، مثل، «بيتبول» و«نيكول شيرزينغر» و«ساليفا»، و«فلو ريدا»، إضافة إلى «سنوب دوغ» وعدد كبير آخر من المغنيين.

أما المصارعون أنفسهم، فخاض عدد منهم تجربة الغناء، وعلى رأسهم النجم الأول للألفية الجديدة، «جون سينا»، الذي أصدر ألبومًا عام 2005 بعنوان «My Time is Now»، وهو اسم الأغنية الشهيرة التي ترتبط بدخوله الحلبة. كذلك، فإن المصارعة المعتزلة «ليتا»، واسمها الحقيقي، «آمي داماس»، تملك فرقة غنائية تحمل اسم «ذا لوتشاغورز». ويملك أيضًا «كريس جيريكو» فرقة غنائية تحمل اسم «فُوزي». وأصدرت «ميكي جيمس» ألبومًا عام 2010 حمل اسم «Strangers & Angels»، إضافة إلى عدد من المصارعين الآخرين الذين فكروا في خوض تجربة الغناء، مثل «تريش ستراتس» و«زاك رايدر»، فيما كان آخرهم «ألايس»، الذي أصدر ألبومًا منذ فترة قصيرة احتل المركز السادس بين أعلى 10 ألبومات على موقع «ITunes».

حتى هوليوود

تمتد أذرع «WWE» إلى السينما. ولا يمكن أن نذكر هذا الجانب دون التطرق إلى نجم هوليوود، وأحد أعلى النجوم أجرًا في السينما الأمريكية، «دواين جونسون»، وهو نفسه المصارع «ذا روك»، أسطورة «WWE»، كذلك من أشهر نجوم المصارعة الذين اتجهوا إلى السينما «هالك هوغان» و«جون سينا» و«ديف باتيستا».

تقدم شبكة «WWE Network» برامج بعضها يحمل طابعًا ترفيهيًّا لا علاقة له بالمصارعة، فقط أبطاله هم المصارعون.

يملك «WWE» شركة إنتاجه الخاصة: «WWE Studios». أطلقها عام 2002، وأنتجت عددًا من الأفلام التي أدى فيها دور البطولة نجوم المصارعة، وكانت السبب الأول لانطلاقة دواين جونسون في هوليوود، بعدما أدى دور البطولة في أول ثلاثة أفلام للشركة: «The Scropion King» و«The Rundown» و«Walking Tall»، (أعوام 2002 و2003 و2004).

من أشهر الأفلام التي أنتجتها الشركة: «See No Evil» و«The Marine» و«The Condemned» و«12 Rounds»، وغيرها.

على المستوى التلفزيوني، أطلقت «WWE» شبكة تحمل اسم «WWE Network» هي في عالمنا العربي حصرية لشبكة «OSN»، تقدم من خلالها برامج كثيرة، بعضها يحمل طابعًا ترفيهيًّا لا علاقة له بالمصارعة نهائيًّا، فقط أبطاله هم المصارعون. كذلك ينتج الاتحاد ثلاثة برامج لتلفزيون الواقع، على غرار «Keeping up with the Kardashians».

تابع جمهور قناة «E!» التلفزيونية برنامجي «Total Divas» و«Total Bellas»، واللذان يعرضان حياة المصارعات خارج الحلبة. وقد جذبا عددًا من المشاهدين، وحققا نجاحًا كبيرًا، فيما أطلق «WWE» مؤخرًا برنامجًا آخر يتبع حياة المصارع «ذا ميز» وزوجته المصارعة السابقة «ماريس»، بعنوان «Miz and MRS».

وأدوار اجتماعية كذلك

إعلان حملة «Don’t be a bully be a Star» ضد التنمر في المدارس

بعيدًا عن الموسيقى والسينما، يلعب اتحاد «WWE» دورًا اجتماعيًّا في الترويج لفكرة المساواة بين الجنسين،  وتعظيم دور المرأة في المجتمع. ويقود هذا الفكر ما تُعرف بـ«ثورة النساء» في الاتحاد، وهي التي تعتمد على إعطاء فرص أكبر للسيدات في لعب أدوار لم يكن بإمكانهن لعبها من قبل، والتخلي عن فكرة ترويج المصارعة النسائية بمباريات تعتمد أكثر على إبراز مفاتن أجسادهن بدلًا من عرض مصارعة حقيقي.

خلال السنوات القليلة الماضية، احتل القسم النسائي في المصارعة الواجهة، وخاضوا عددًا من المباريات التي كانت مخصصة للرجال فقط، كمباريات «الأقفاص الحديدية» و«Elimination Chamber» و«Money in the Bank» و«Royal Rumble»، إضافة إلى الإعلان عن إقامة أول عرض شهري للنساء فقط في أكتوبر 2018 تحت اسم «Evolution».

تعبير «عالم المصارعة» ربما ليس مجازيًّا، بل واقعي وحقيقي إلى أبعد الحدود. فاللعبة «أكثر من مجرد حلبة».

شهدت السنوات الأخيرة إجراء أول مباراة نسائية في التاريخ على أرض الخليج العربي، حين تَصارع «أليكسا بليس» و«ساشا بانكس»، بينما ارتدين ملابس محتشمة احترامًا لتقاليد الدولة. كذلك أقام الاتحاد بطولة للمصارعات تحمل اسم إحدى أساطير المصارعة النسائية «Mae Young»، إضافة إلى السماح للمذيعة «رينيه يونغ» بالتعليق على حلقة كاملة من عرض «راو» الأسبوعي لتصبح أول امرأة في التاريخ تؤدي هذا الدور.

انضم مؤخرًا إلى الاتحاد إحدى أشهر الأسماء في عالم فنون القتال المتنوعة: «روندا روزي»، والتي تعد أيقونة رياضية نسائية، فيما يربط دائمًا الاتحاد في ترويجه لتصعيد النساء إلى الواجهة إلى فكرة الصعود النسائي في الرياضة العالمية ككل.

يتبنى «WWE» أدوارًا اجتماعية أخرى، كالترويج ضد اضطهاد التلاميذ لبعضهم في المدارس بحملة «Don’t be a bully be a Star»، ويساعد المصابات بسرطان الثدي بشراكة مع منظمة «سوزان جي كومان». والاتحاد من أكثر المتعاونين مع جمعية «Make a Wish» التي تحقق للأطفال المرضى أحلامهم بمقابلة نجومهم المفضلين، والمصارع جون سينا أكثر النجوم تحقيقًا لرغبات الأطفال بشكل عام.

مع استعراض كل هذه الأدوار التي يلعبها اتحاد «WWE» لمصارعة المحترفين، قد ندرك كيف يلعب المصارعون أدوارًا أكبر من مجرد بضعة مباريات وضربات داخل الحلبة، بل يُشكِّلون عالمًا بأكمله، يغيرون في لغته، ويتحكمون في مذاقه وأفكاره، ويحركون سياساته. فتعبير «عالم المصارعة» ربما ليس مجازيًّا، بل واقعي وحقيقي إلى أبعد الحدود. فاللعبة «أكثر من مجرد حلبة».

, , , ,