تحولات

«وودستوك 69»: الذين مسَّهم الحلم مرة

الصورة: Getty/Bill Eppridge

أي مُحب مخلص لموسيقى الروك سيعرف بالتأكيد ما تعنيه كلمة «وودستوك»، أحد أشهر مهرجانات الموسيقى في تاريخ «الروك آند رول»، والذي أُقيم في مزرعة ألبان في بلدة بيثيل بنيويورك، تحت عنوان «ثلاثة أيام من السلام والموسيقى».

كان من المُقدر لهذا المهرجان أن يستمر ثلاثة أيام فقط (من 15 إلى 17 أغسطس 1969)، لكن حماس الجمهور أدى إلى تمديده يومًا إضافيًّا، وقُدِّم فيه 32 عرضًا موسيقيًّا.

بدأ الأمر كله بفكرة للمنتج ومُنظم الحفلات «Michael Lang» الذي كان قد أنتج مهرجان ميامي لموسيقى البوب بولاية فلوريدا عام 1968، وانتقل بعدها إلى بلدة وودستوك بنيويورك، حيث تعرف إلى الموسيقي «Artie Kornfield»، وبدآ معًا التفكير في إقامة مهرجان لموسيقى الروك آند رول في نيويورك، مشابه لذلك الذي أنتجه لانغ في فلوريدا، لكن أكثر ضخامة وأهمية.

أولى خطوات تحقيق الحلم كانت عندما قرأ لانغ وكونفيلد إعلانًا في صحيفة «The New York times» نصه كالتالي: «شابان برأسمال غير محدود، يبحثان عن فرص استثمار ومقترحات عمل مثيرة للاهتمام»، التقيا في ما بعد بالشابين، وهما «John Roberts» و«Joel Rosenman»، وعرضا عليهما فكرة المهرجان، وفكرة أخرى لإقامة ستوديو للتسجيل في بلدة وودستوك. أبدى الأخيران اهتمامهما بالفكرة الأولى فقط.

واجه الأربعة صعوبة في إيجاد موقع لإقامة المهرجان، وبخاصة بعد رفض بلدتي «Woodstock» و«Wallkill» استضافته. استمر هذا الوضع إلى أن وافق «Max Yasgur» في يوليو 1969 على تأجير مزرعته لهذا الغرض، مقابل 75 ألف دولار للأيام الثلاث. لم يتغير اسم المهرجان بحسب البلدة التي استضافته، وبقي باسمه الأصلي لارتباطه بأسماء نجوم كبار عاشوا في وودستوك، على رأسهم «Bob Dylan» و«Van Morrison».

لم يكن وودستوك أول تجمع ثقافي يروج لثقافة الهيبيز، فقد اجتمع مئة ألف شخص في 1967 بسان فرانسيسكو، في ما سُمي بـ«صيف الحب».

كان المهرجان مُجهزًا لاستقبال 150 ألف شخصًا بمقابل مادي قدره ستة دولارات لليوم الواحد لكل شخص. لكن لضغف التغطية الأمنية استطاع ما يُقارب من نصف مليون شخص الدخول دون تذاكر، وبعد سقوط الحاجز الأمني تمامًا أصبح المهرجان مجانيًّا.

«الهيبيز» والحركات السياسية المُعادية للحرب

الصورة: Mark Goff

نشأت حركة «الهيبيز» الثقافية في بداية ستينيات القرن العشرين، وسط الطلاب الجامعيين، وثارت على عادات المجتمع الأمريكي وتقاليده، وازدادت شعبية مع الوقت، وانتشرت في جميع أنحاء العالم. فقد دعت الحركة للحب والسلام والبحث عن السعادة، ونبذت الحرب والوظائف الحكومية والحياة اليومية الرتيبة للمواطن الأمريكي العادي. تميز أفرادها بشعرهم الطويل وملابسهم الملونة الواسعة المصنوعة يدويًّا، وسياراتهم من نوعية «Volkswagen bus».

انتشر بين الهيبيز تناول مُخدر «LSD» ليصبح علامة مميزة لهم ولفترة الستينيات بأكملها. اقترن المخدر بالإبداع، فقد اعتمد عليه كثير من الفنانين في تلك الفترة كمصدر للإلهام ووسيلة لتوسيع مداركهم. إضافة إلى اعتناقهم تصورًا مفتوحًا عن العلاقات الجنسية.

لم يكن مهرجان وودستوك أول تجمع ثقافي يروج لثقافة الهيبيز، فقد اجتمع مئة ألف شخص في سان فرانسيسكو، 14 يناير 1967، في حدث سُمي «صيف الحب»، وتولى رواد «جيل البيت» من كُتاب وشعراء زمام الحدث، منددين بالطائفية والمركزية السياسية، مشددين على الاهتمام بالبيئة.

اقرأ أيضًا: صيف الحب: ثورة «الهيبيز» التي أعاد فشلها صياغة شكل العالم

كثير من الحب والسلام والطين:

«Carlos Santana» في مهرجان وودستوك

سقطت الأمطار بغزارة خلال أيام المهرجان الأربع، وامتلأت الأرض بالطين، وتخلى كثيرون من الحضور عن سياراتهم، وذهبوا إلى ساحة المهرجان سيرًا على الأقدام. نفد الطعام في اليوم الثاني بسبب الأعداد الزائدة غير المتوقعة للحضور، واضطر أهل البلدة إلى المساعدة في توفير الطعام لما يقرب من 190 ألف شخص.

لم يؤثر الزحام وسوء الأحوال الجوية ونقص الطعام في أجواء الحفل، فقد تشارك الحضور الملابس والأطعمة والخيام والكحول والمخدرات أيضًا.

«إذا كنت تتذكر وودستوك، ففي الغالب لم تكن هناك قط»

أحيا المهرجان كبار نجوم وفرق الروك آند رول، على رأسهم: «Jimi Hendrix» و«Janis Joplin» و«Carlos Santana» و«Joan Baez» و«Joe Cocker». وفرق موسيقية مثل: «The Who» و«Jefferson Airplane» و«The Grateful Dead» و«Crosby, Stills & Nash» و«Ten years after».

نجوم آخرون كادوا يشاركون في المهرجان، وحالت الظروف دون ذلك، مثل «بوب ديلان» الذي صرح بأن مرض أحد أبنائه منعه من المشاركة، و«جون لينون» الذي كان في كندا ذلك الوقت وأخبر منظمي الحفل بأن الحكومة الأمريكية رفضت منحه تأشيرة دخول أراضيها.

داخل المهرجان:

«جيمي هيندريكس» يؤدي النشيد الوطني الأمريكي في مهرجان وودستوك

تنتشر نكتة على مواقع السوشيال ميديا تتعلق بوودستوك تقول:

«إذا كنت تتذكر وودستوك، ففي الغالب لم تكن هناك قط»، ترمز النكتة إلى الكم الهائل من الماريغوانا و«LSD» التي تعاطاها وتبادلها الناس في الحفل، فجعلت ذاكرتهم مشوشة، وبدا كل شيء حولهم غير حقيقي وأشبه بالحلم.

لكن النكتة غير دقيقة، فالناس يتذكرون بدقة ما حدث في هذه الأيام الأربع، بل ويتشبثون بالذكرى. إذا سألتهم عن أفضل أداء في المهرجان، فسيقفز أحدهم قائلًا: «جيمي هيندريكس».  وسيحكي لك عن أدائه المُذهل للنشيد الوطني الأمريكي المعروف بـ«Star Spangled Banner»، وعن الصوت الصادر من غيتار هيندريكس في تلك الأغنية، والذي تشابه مع ضوضاء الحرب.

سيُعارضه آخر قائلًا إن فرقة «The Who» التي بدأت حفلها في الرابعة صباحًا، بعد جدالات طويلة تتعلق بأجرها، تربح في هذه الجولة بأغنية «See me, Feel me».

ربما سيميل أحدهم مثلي إلى أداء «Joan Baez» الهادئ المسالم والموثر لأشهر أغنيات الفولك، وصوتها الرقيق والقوي في الوقت ذاته الذي صدح بأغنية «We shall overcome» خلال عاصفة رعدية قوية.

لحظات مهمة في وودستوك 69:

هناك كثير من اللحظات المهمة والطريفة والمؤثرة أحيانًا في المهرجان. على سبيل المثال: عندما عجزت المغنية الأمريكية «Melanie Safka» في الحصول على تصريح للمشاركة في الحفل، واضطرت إلى أن تغني أغنيتها «Beautiful People» لضباط الأمن كي تتمكن من مشاهدة الحفل من وراء الكواليس.

موقف آخر، عندما عجزت فرقة «Sweetwater» عن الوصول في الموعد المحدد لأداء فقرتهم، التي كان من المفترض أن يُفتتح بها المهرجان، حاول أحد أعضاء منظمة «Hog Farmers» تسلية الجمهور بسلسلة من تمارين اليوجا حتى وصول الفرقة.

لم يشهد المهرجان أي أعمال شغب أو عنف من الجمهور، بل سادت أجواء من الحب والسلام بين آلاف الغرباء.

بالرغم من أن المناخ السائد للمهرجان كان مُعاديًا للحرب، فإنه للمفارقة، كان من الممكن أن يتحول المهرجان إلى مأساة لولا تدخل الجيش الأمريكي، الذي نقل الأطعمة والفرق الطبية والمؤديين عبر طائرات الهليكوبتر إلى موقع الحدث.

مات اثنان من الحضور في أثناء المهرجان: الأول جراء تعاطي جرعة زائدة من الهيروين، والثاني مراهق دهسه جرار زراعي، ولم يُعثَر على مرتكب الحادث قط.

لم يشهد المهرجان أي أعمال شغب أو عنف من الجمهور، بل سادت أجواء من الحب والسلام بين آلاف الغرباء الذين لا ينتمون إلى نفس البلاد أو الطبقية الاجتماعية أو الطائفة الدينية. حادثة العنف الوحيدة خلال المهرجان كله كانت عندما صعد الناشط السياسي «Abbie Hoffman» إلى المسرح في أثناء عرض فرقة «The Who» ليثير الجمهور بخطاباته السياسية، فأغضب ذلك عازف الغيتار بالفرقة «Pete Townshend» ورماه من على المسرح.

أخيرًا، عندما هاجمت وسائل الإعلام المهرجان بعناوين رئيسية، مثل تلك التي نُشرت في صحيفة «The Daily News»، وكان نصها: «اضطراب مروري حاد بمهرجان الهيبيز» و«هيبيز عالقون في بحر من الطين»، غضب أهالي الشباب المشاركين في المهرجان، وتوالت اتصالاتهم الهاتفية لتلك الصحف، مُنددين بما سموه «تضليلًا إعلاميًّا»، فقد أكد لهم أبناؤهم أن تلك المعلومات خطأ وغير دقيقة. استجابت وسائل الإعلام للضغط الواقع عليها، وأصبح توثيقها للمهرجان إيجابيًّا قرب انتهائه.

أيقوني أم نجعله كذلك:

الصورة: Ric Manning

بعد مرور 49 عامًا على أول مهرجان وودستوك، ما زال الجدل قائمًا حول مدى أهميته وتأثيره. فهناك من يستنكر الشائعة التي دارت حول أنه لعب دورًا كبيرًا في إنهاء الحرب في فيتنام، فالحرب لم تنتهِ بعده مباشرة، بل انتهت في 30 إبريل 1975، أي بعد ست سنوات من انقضائه. وهناك من يستنكر أيضًا المكانة التي يحتلها المهرجان كأعظم مهرجان موسيقي في تاريخ الروك آند رول.

في مقال للكاتب «Greg Kot» على موقع «BBC» يستعرض عددًا من الأسباب التي تجعله يخالف الرأي السائد بخصوص المهرجان. أبرزها أن الموسيقى لا تلعب دور البطولة في هذه المهرجانات كما يُروج البعض، والدليل على ذلك في ما يتعلق بوودستوك 69، أن نظام الصوت في المهرجان لم يصل إلى أكثر من 21 مترًا فقط من المساحة الكلية للمزرعة، أي إن أعدادًا قليلة جدًّا من الجمهور تسنى لهم أن يستمتعوا بالموسيقى، ويُعلل ذلك مهندس الصوت «Bill Hanley» قائلًا:

«كنا مجهزين لاستقبال أعداد تتراوح بين 150 ألف إلى 200 ألف شخص فقط. وبالطبع حضر 500 ألف».

إضافة إلى أن صغر حجم المسرح وعدم وجود شاشات ضخمة تبث العروض في ذلك الوقت، جعل المؤدين في حجم النمل بالنسبة إلى الحضور.

وودستوك، استراحة قصيرة من العالم

لقطة من الفيلم الوثائقي «Woodstock» - الصورة: Wadleigh-Maurice

بعد انتهاء المهرجان كان منظموه مديونين بما يقرب من 1.3 مليون دولار، واستطاعوا تعويض تلك الخسارة الفادحة في السنوات التي تلت المهرجان، عبر الحصول على جزء من أرباح الفيلم الوثائقي «Woodstock»، الذي صدر عام 1970، وحاز جائزة الأوسكار كأفضل فيلم وثائقي لهذا العام، وعبر الحقوق الملكية للأسطوانات الموسيقية التي وثقت العروض الحية لكبار نجوم الروك آند رول بالمهرجان.

جرت محاولات عدة لإعادة إحياء المهرجان في مواقع مختلفة في 1979 و1989 و1994، وأخيرًا في عام 1999، وأُغلِق المهرجان نتيجة العنف وأعمال الشغب.

يمتلئ يوتيوب بفيديوهات عن مساوئ المهرجان وجوانبه المظلمة وسوء تنظيمه وعدم جدواه، ويعلق المئات من الناس على هذه الفيديوهات مستنكرين هذه الصورة المظلمة غير العادلة لحدث ما زال يراه كثيرون نقطة مضيئة في حيواتهم الشخصية، أربعة أيام دون أي قيود أو أي أطماع، بعيدًا عن الحروب وآلامها وسلطة الأهل وتوقعات الآخرين.

نصف مليون إنسان في بقعة صغيرة في العالم بموارد محدودة، من الأَولَى أن يتصارعوا عليها، وعالم لا حدود له يختلق كل يوم أسبابًا للحرب والدمار، ويضع البنادق في أيدي شباب أبرياء لن تتُاح لهم الفرصة أبدًا للوقوع في الحب واستكشاف ذواتهم، وكل الاحتمالات التي يقدمها لهم العالم.

نستطيع أن نقول ما شئنا عن المهرجان، لكن معظم من شاركوا فيه يريدون أن يعرف العالم أنهم لمدة أربعة أيام، رقصوا وغنوا وأحبوا بعضهم دون شروط، قبل أن تسحبهم موجة الرأسمالية مرة أخرى، فتقص شعرهم وتُجلسهم على مكاتب وتُملي عليهم أفعالهم، وتجعل الواحد منهم يشبه الآخر، وإن كان لا يستطيع أن يتقبل ذلك الآخر الذي يُشبهه كما فعل منذ 49 عامًا.