وجدنا عليه آباءنا

بين «النقطة» و«العانية»: عادات الشرقيين في هدايا الأفراح

التصميم: منشور

ابتكر أغلب المجتمعات العربية والإسلامية أشكالًا متعددة تهدف إلى مساعدة المُقبلين على الزواج، تحولت إلى عادات يتقاسم فيها المجتمع الأعباء المادية التي تتطلبها المناسبة بشكل يحقق التكافل والتضامن. وبينما اختلفت طُرق تقديم المساعدات المالية للعروسين، استمر الجوهر كما هو، يصب في فكرة أن على الجميع الاشتراك في أعباء وتكاليف الزفاف، قبل الاشتراك في الاحتفال به كضيوف.

تشابهت أهداف عادة «النقوط» في أكثر من بلد، واختلفت أسماؤها بين منطقة وأخرى، ففي مصر تسمى «النُّقطة»، وفي تونس «الرِّمو»، وفي المغرب «الزرورة»، وفي العراق «الواجب»، وفي سوريا «العانية»، وفي شمال السعودية «الزورة»، وفي تركيا «takmak Altin»، وفي إيران «باي انداز/جراغ».

مصر: النقطة للزوج ووالد العروس

النقوط ركن أساسي في مناسبات المصريين المختلفة، من الزفاف والميلاد حتى الوفاة، وتنتشر في الأوساط الشعبية والأرياف أكثر من المدن، بحسب سامية خضر صالح، أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس.

في الموعد المحدد لليلة «حِنّاء» شقيقته (الليلة السابقة للزفاف)، جلس أحمد جمال داخل صوان، تحيط به الأنوار الملونة والأغاني الشعبية والأصوات المتداخلة.

بين يديه دفتر كبير وقلم أزرق، ويقبض بساقيه على حقيبة «سامسونايت» سوداء. يضع الدفتر على الطاولة الصغيرة أمامه ويكتب «عبد الحكيم السيد: 100 جنيه»، ثم يأخذ من عبد الحكيم الواقف أمامه مئة جنيه، يضعها داخل الحقيبة ويغلقها بحرص شديد. يرفع ناظريه من جديد ليدون في الدفتر اسمًا آخر، ويأخذ مبلغًا آخر، يضعه بجوار ما حصده منذ أكثر من ثلاث ساعات، في انتظار ثلاث ساعات أخرى حتى ينتهي الطابور الطويل من المدعوين المهنئين دافعي النقوط.

يقول أحمد إن أقل نقطة 50 جنيهًا: «مش قانون يعني، بس عيب تبقى أقل من 50 جنيه، لإنها بعد التعويم مش بتجيب حاجة».

أدّى أحمد جمال، وهو شاب في منتصف العشرينيات يعيش في إحدى قرى محافظة دمياط، دوره المنوط به في تلك المناسبة دون كلل أو ملل. إنها «حِنّة» شقيقته الكبرى، هو يدرك تمامًا أن كل ما يحصل عليه من أموال اليوم ما هو إلا سداد لأموال والده التي «نقّط» بها في مناسبات سابقة، واليوم حان دوره لاسترداد أمواله.

توضح سامية خضر لـ«منشور» أنه منذ زمن بعيد كان الأقارب يسألون في مناسبات مثل الزواج عما يحتاجه العروسان لتجهيز منزل الزوجية، ثم يهدونهما ما يحتاجان إليه في يوم الحنة أو بعد حفل الزفاف، سواء كان قطعًا من الأثاث أو أجهزة كهربائية أو حتى مبلغًا من المال ليشتريا به ما يحتاجان إليه، لكن «الأمر تحول تدريجيًّا، وأصبح الأقارب يُهدون العروسين علب شوكولاتة وحلوى، فيما بقيت الطبقات الشعبية والريفية قابضة على عادة النقوط بالأموال، التي قلّت في أوساط اجتماعية أخرى».

كثيرةٌ هي المناسبات التي حضرها والد أحمد، قدم نقوطًا في حفلات حنة ومرض وزفاف ووفاة: «له في كل بيت مجاملة، وحان الوقت لردها» كما يؤكد أحمد، مشيرًا إلى أن أقل نقطة 50 جنيهًا: «مش قانون يعني، بس عيب تبقى أقل من 50 جنيه (2.8 دولار أمريكي)، لإنها بعد التعويم مش بتجيب حاجة. وعمومًا، أي حد أبويا نقّطُه بمبلغ لازم يترد بنفس المبلغ أو زيادة شوية، لكن مش أقل. العادة كده».

تتفق أغلب العائلات على أن النقطة كلها تكون من نصيب أهل العروس، ولا تتحصل منها العروس على شيء، في حين يحصل العريس على كل النقطة التي يقدمها إليه أقاربه وأصدقاؤه، وفي بعض الحالات يتقاسمها مع والده.

«البنت عندنا أهلها بيتكفلوا بكل حاجة، بيجهزوها جهاز كامل، حتى ملابسها وذهبها اللي هتدخل بيه، مش بتبقى محتاجة فلوس لمّا تيجي تتجوز لإن جوزها هو اللي هيصرف، فأبوها هو اللي بياخد النقطة، عشان تعوّض شوية من المصاريف اللي دفعها في جهاز البنت. لكن أحيانًا بيدِّي الأب والأعمام بنتهم فلوس في إيديها يوم الصباحية (اليوم التالي للزفاف) يفرّحوها بها»، هكذا يوضح أحمد، مضيفًا: «في فرح ابن عمي، ورغم إن أبوه اللي جهزه من مجاميعه، أعطى زوجته نصف النقطة اللي خدها وكانت 60 ألف جنيه (3350 دولارًا)، لأنه راجل وهيبقى مسؤول عن بيت ومصاريف في أول جوازه».

التصميم: منشور

تؤكد الدكتورة سامية خضر أن النقطة في كثير من الأحيان تُسهِم بشكل مباشر في نفقات الزواج: «يتكافل الأهل والأقارب والمعارف ويجمعوا مبلغًا من المال يُسهِم بشكل كبير في تجهيز منزل الزوجية، وهذا نوع من التضامن مرحّبٌ به».

ترتفع تكلفة الزواج في مصر، وهو ما دفع عددًا كبيرًا من الشباب إلى العزوف عن الزواج. وأظهرت دراسة أجراها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع أعداد عقود الزواج خلال عام 2016 إلى 938,526 ألف عقد، مقابل 969,399 ألفًا عام 2015، بنسبة انخفاض 3.2%.

تشير خضر إلى أن الفتاة العربية عمومًا، والمصرية بشكل خاص، لا تقبل التنازل عن جهازها بالكامل، بل «تريد كل شيء عند الزواج، وهذا نتاج ثقافة قديمة متوارثة. تريد الذهب والأثاث والأجهزة، وتقارن نفسها بغيرها من الفتيات. ومع صعوبة الوضع الاقتصادي الحالي، انصرف كثير من الشباب عن الزواج».

ورغم أن عائلة أحمد جمال من العائلات الكبيرة، فإنها تحرص على النقطة، وتفسر خضر ذلك بأنه تمسك بالعادات والتقاليد: «في تلك الحالة، لا تعني النقطة تكافلًا اجتماعيًّا، لأنهم باستطاعتهم تجهيز العروس بالكامل دون جهد، ومن الممكن أيضًا أن تصل تكلفة حفل الحنة والذبائح إلى مبالغ خرافية، لكن التمسك بالنقطة لدى كثير من العائلات الريفية والشعبية الغنية يعني التمسك بالعادات والتقاليد، وهو أمر غاية في الأهمية والضرورة بالنسبة إليهم».

السودان: النقطة قبل حفل الزواج

تُدفع النقطة في السودان في حفل عشاء قبل الزفاف بيوم، لمساعدة العروسين على شراء ما ينقص من تجهيزات.

لا تختلف عادة النقطة في الزواج السوداني عن المصري كثيرًا، خصوصًا مع الوضع الاقتصادي المتدهور وارتفاع تكاليف الزواج في ظل ارتفاع نسبة البطالة في السودان، التي بلغت 19% من السكان، وهي نسبة مرتفعة حتى بمعايير الدول النامية، بحسب وزارة العمل السودانية.

ببشرة أكثر اسمرارًا من بشرة أحمد جمال، وملامح أكثر دقةً منه، يجلس سُهَيل حاملًا دفترًا وقلمًا وسط مأدُبَة عشاء، محاطًا بموسيقى سودانية هادئة، يكتب أسماء الحضور وبجانب كل اسم المبلغ الذي دفعه، والذي لا يقل عادةً عن 50 جنيهًا سودانيًّا (7.5 دولار).

في السودان، تُدفَع النقطة في حفل العشاء قبل الزفاف بيوم، وأحيانًا يحاول الأهل والأقارب التيسير على العريس فيدفعون النقطة قبل الزواج بمدة كافية، قد تصل إلى أسبوعين، حتى يتمكن من شراء ما ينقصه من تجهيزات، بحسب ياسر فايز، عريس سوداني.

دفعُ النقطة وردُّها أمر مفروغ منه في المجتمع السوداني، بحسب فايز: «النقطة لازم ترجع بنفس قيمتها، لكن في العرف والتقاليد ما ينفع تترد بأقل من قيمتها، لأنها تساعد كتير في ديون الزواج».

تونس: العروس لا تدفع

الصورة: مانويل ميزاروفيتس

في الوقت الذي تَسَلّم فيه أحمد جمال النقطة، ورقص المدعوون في حنة ياسر فايز في أم درمان، كانت التونسية نفيسة نصر الله تبتسم للمهنئين وتتسلم، خلال حفل «الوطيّة»، أظرُفًا ورقية فيها أموال جلبتها لها القريبات والصديقات.

تكاليف الزواج المرتفعة في تونس أدت إلى عزوف أكثر من 50% من الشباب والشابات عن الزواج.

تحتفل العروس في تونس بحنتها لمدة ثلاثة أيام متتالية، ويمتد حفل الزواج إلى سبعة أيام وليالٍ، وفي حفل «الوطية» الذي يقام، غالبًا، في قاعة زفاف كبيرة، ترتدي العروس لباسًا تونسيًّا تقليديًّا مطرزًا، وتتلقى في ذلك الحفل، وفي حفل الحنة الذي يسبقه بيومين، «الرِّمُو» أي النقطة من المهنئين، بحدٍّ أدنى 50 دينارًا (20 دولارًا) من كل شخص، وتحتفظ بها لنفسها، بحسب نفيسة.

وفي «السابع»، أي بعد مرور سبعة أيام على الزفاف، يذهب أهل العروس المقربون لزيارتها وتنقيطها مرةً أخرى.

توضح نفيسة لـ«منشور» أن الأهل في تلك المرة يجلبون الهدايا للعروسين، مثل الأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية، أو «مرة تانية يعطوهم فلوس»، موضحةً أن «العروسة في تونس، الرِّمو متاعها تخليه لروحها، تشتري بيه حاجات ناقصة، أو تخبيه، أما الراجل الرِّمو بتاعه يخلّص بيه ديون العُرس، على خاطر العُرس في تونس مكلف برشا، وكل حاجة على الراجل، أو ممكن يخليه لشهر العسل».

تكاليف الزواج المرتفعة في تونس، التي تقدر بنحو 30 ألف دينار (نحو 12 ألف دولار) بحسب رئيس مؤسسة «سيغما كونساي»، حسن الزرقوني، أدت إلى عزوف أكثر من 50% من الشباب والشابات عن الزواج، بحسب وزارة الشباب التونسية.

حذر الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري من خطورة ارتفاع معدل سن الزواج، وأشار في تقرير له إلى أن عزوبة الإناث في عمر الإخصاب (ما بين 25 و34 سنة) باتت تشمل نصف إناث البلاد. ويفوق عدد العازبات في تونس مليونين وربع، من أصل أربعة ملايين و900 ألف أنثى.

السعودية: العانية «قرض حسن»

ومن تكاليف الزواج المرتفعة في تونس التي تجعل «الرِّمو» ضرورة للعريس، إلى تكاليف الزواج المرتفعة في السعودية، التي تجعل أيضًا «الزورة/العانية/الرفادة»، وكلها أسماء للنقوط في المملكة، ضرورةً كبرى، وصلت إلى أن شابًّا سعوديًّا رفع دعوى قضائية ضد صديقه العريس لاسترداد «رفادته» كاملة، والتي بلغت 10 آلاف ريال (2666 دولارًا)، بعد مرور عام على منحها إياه باعتبارها «قرضًا حسنًا».

رغم غرابة الدعوى وطرافتها في آنٍ واحد، فإنها إن دلت على شيء فهو قطعًا أهمية النقطة وضرورة ردها، وكثير من العائلات في المجتمعات العربية تعتبرها دَينًا لا بد من قضائه.

في السعودية، يسمي الرجال النقوط عانية، ويفضلون استلامها في قاعة الزفاف.

النقوط في شمال السعودية تُسمى «الزورة»، وهي كلمة مشتقة من «الزيارة» بحسب دلال سالم، العروس السعودية، التي تحكي لـ«منشور» أن فترة استقبال النقطة تكون بعد عقد القران وقبل حفل الزفاف في بيت أهل العروس: «تزوجت منذ سبعة أشهر، وأخذت زورة من الأهل والأقارب اللي زاروني في بيت أهلي بعد كتب الكتاب، وكانت أدوات منزلية ومجموعة عطور وأطقم ذهب، ومبالغ مالية ما بين 200 و300 ريال من كل ضيف، وأقل مبلغ مئة ريال (26 دولارًا)».

حصلت دلال على مهر عند زواجها وصل إلى 80 ألف ريال (نحو 21 ألف دولار)، أنفقته على شراء لوازمها الخاصة من ملابس وعطور وذهب وبعض الأواني المنزلية، كما هي العادة هناك، لذلك حصلت على مبلغ متوسط من الزورة وضعته في حسابها الشخصي.

قبل زواجها بأربعة أعوام، تزوج شقيق دلال، فكانت الهدايا أكثر: «الرجال بيسموا النقوط عانية، ويفضلوا يستلموها حتى في قاعة الزفاف. الأهل والأقارب أعطى كل واحد منهم لأمي ثلاثة آلاف وأربعة آلاف ريال (800-1066 دولارًا)، لإنهم عارفين إن الأهل تكلفوا مصاريف كتير في زواج الولد غير البنت، حتى أصدقاء أخويا أعطوا له مبالغ كبيرة، أقل واحد فيهم أعطاه ألف ريال».

قديمًا، كانت العانية تُقدّم في السعودية بطريقة تقليدية، مبلغ من المال في ظرف ورقي عليه اسم المنقِّط وجملة للتهنئة. أما اليوم، ابتكر المهنئون أشكالًا وطرقًا مختلفة لتقديم النقوط، بحسب تأكيد دلال، منها على سبيل المثال وضع المال داخل علبة عطور، أو بوكيه ورد، أو علبة شوكولاتة، أو مفرش مطرّز ملفوف، وتعتبر دلال تلك الطرق أكثر حميميةً ووِدًّا من الطريقة التقليدية.

لبنان: الحساب البنكي قبل الاحتفال

لو كنا سنتحدث عن ابتكارات تقديم النقوط، فلا يفوتنا لبنان، إذ انتشرت في السنوات الأخيرة عادة فتح حساب بنكي خاص بالعريس يحمل اسم «Liste de mariage» (لائحة هدايا الزواج)، مع بطاقة دعوة حفل الزفاف، حتى يتسنّى للمدعوين تحويل المبلغ الذي يناسب وضعهم المادي، والذي لا يقل عادةً عن 50 دولارًا، بحسب عزة علامة، الباحثة في علم الاجتماع في لبنان.

«يظهر التكافل الاجتماعي في الضيعة اللبنانية، فنسوان الضيعة بِطبخوا أكل لكل الضيوف، وهَيْدا شكل من أشكال النقوط مع النقوط الأساسي».

«لازم تنقّطيه، ما هو نقّطك بعُرسك»، جملة لبنانية شهيرة تشير إلى ضرورة رد النقطة في مناسبات أخرى، وتؤكد عزة علامة لـ«منشور» أن رد النقطة يكون غالبًا بنفس القيمة التي نقّط بها العروسان سلفًا: «إلا لو كان وضعه المادي أفضل، فيردها بأكثر من القيمة التي حصل عليها».

تعتقد علامة أن النقطة في مدينة بيروت لا تمثل نوعًا من التكافل الاجتماعي، فشرط التكافل الاجتماعي في حالة الزواج أن تكون الأطراف غير قادرة على التكفُّل بمصاريف الزواج بمفردها، فتضطر إلى قبول مساعدة الآخرين، بشرط أن يساعدوا الآخرين في مناسبات مشابهة.

لكن ما يحدث في الزواج في بيروت، والكلام لا يزال لعزة، رفاهية أكثر منه تكافلًا: «تكاليف الزواج كلها بالتقسيط المريح، والنقطة غالبًا يستخدمها العروسان لمصاريف شهر العسل اللي لازم يبقى برا البلد»، مشيرة إلى أن التكافل في الزواج يظهر بشكل أكثر وضوحًا في مناطق لبنانية أخرى مثل بعلبك: «في الضيعة اللبنانية بيبين التكافل الاجتماعي بشكل واضح، الضيعة كلها بتساعد بالعُرس، يعني نسوان الضيعة بِطبخوا أكل بكفي كل الضيوف، خصوصي إنه أغلب الأعراس بتضل ثلاثة أيام، وهَيْدا شكل من أشكال النقوط مع النقوط الأساسي».

المغرب: «الزرورة» هدايا عينية

في مدينة القنيطرة المغربية، أحيت الحاجة وفاء حفل زفاف ابنها في قاعة كبيرة، توافد المدعوون لتهنئة العروسين حاملين الهدايا، واستقبلهم أفراد من العائلة لاستلام الهدايا داخل قاعة الزفاف.

تحكي الحاجة وفاء لـ«منشور» أن زفاف ابنها كلفها 150 ألف درهم (نحو 16 ألف دولار)، لكن «الواحد لمّا بيكلف غالي لا ينتظر مساعدة من أحد»، مؤكدةً أن «الزرورة» منتشرة أكثر في الأوساط الشعبية والريفية في المغرب.

حصل ابنها خلال زفافه على أظرف فيها مبالغ مالية من أصدقائه، لكنها لا تعني الكثير: «هو من أسرة ميسورة الحالة، وراتبه جيد ويستطيع تدبير أمره بنفسه. الأوساط الشعبية هي المستفيدة أكثر من الزرورة، ويسجلونها في دفتر خلال الحفل لتسديدها لاحقًا».

تعتَبِر الحاجة وفاء الهدايا مفيدة أكثر لابنها: «يعني الأعمام والأخوال ساهموا بهدايا لتجهيزه مثل الثلاجة والبوتاجاز والتكييف، وأشياء أخرى لتجهيز البيت، لأن الولد هو المسؤول عن تجهيز البيت بالكامل»، أما العروس فلا تُسهِم في تجهيزات الزواج، ومع ذلك تحصل على الهدايا.

إيران: أم العروس تحدد المبلغ

في إيران تسمى النقطة «باي انداز/جراغ»، وتنقسم إلى نوعين، بحسب شيماء محمد، الصحفية المصرية المهتمة بالشأن الإيراني: هدايا بسيطة يُشترط على كل المهنئين إحضارها يوم الزفاف، مثل الشوكولاتة والفواكه المجففة والمكسرات والشموع والبخور، أما النوع الثاني فيكون في الأغلب مبلغًا من المال لا يقل عن 20 دولارًا، يوضع في ظرف مزخرف.

تختلف قيمة المبلغ بحسب الحالة المادية للمهنئ ودرجة قربه من العروسين، بحسب شمياء، التي تضيف: «أحيانًا تحدد أم العروسة مبلغ النقطة المطلوب وتبلغ به الضيوف، وفي العادة، يدفع الأقارب مبالغ أكبر من المعارف والأصدقاء».

تُستخدم النقطة غالبًا لتسديد مصاريف شهر العسل، لكن نسبة قليلة من العائلات الإيرانية تسدد بها ديون الزواج.

يتخطى الأمر في إيران كونه عادة ويصبح التزامًا قويًّا، إذ على الطرف الآخر تسديد النقود في المناسبات التالية، ويكتب أهل العروسين أسماء المهنئين وقيمة المبلغ المدفوع لتسديده بعد ذلك.

لا يُشترط أن تكون النقطة مبلغًا ماليًّا، فمن الممكن أن تكون حِلية ذهبية، وأحيانا «يطلب العروسان أن تكون النقطة أجهزة كهربائية أو أدوات منزلية يحتاجان إليها، وفي تلك الحالة تُقدّم تلك الهدايا يوم الحنة» وفقًا لشيماء، بينما يجب على أهل العريس تنقيط العروس بهدايا غالية، تكون في العادة أحجارًا كريمة.

تُستخدم قيمة النقوط غالبًا في تسديد مصاريف شهر العسل، لكن نسبة قليلة من العائلات الإيرانية تستعين بها لقضاء ديون الزواج.

فلسطين: الجُودة بالموجودة

تُسهِم النقطة في حل أزمات مالية عند كل شاب مقبل على الزواج.

صندوق خشبي عند المدخل، بجانبه مجموعة أظرُف لوضع المال وكتابة الاسم. هذا طقس أساسي في فلسطين لتقديم النقطة للعريس قبل الزفاف بيوم، خلال الاجتماع حول مأدُبَة غداء.

ليست النقوط فرضًا في فلسطين، فهناك عائلات معروفة بالاسم أنها من محدودي الدخل ولا يمكنها تحمل ذلك العبء، بحسب الكاتبة الفلسطينية حسناء الرنتيسي، التي توضح أن متوسط النقوط في الضفة الغربية وأغلب القرى الفلسطينية يتراوح ما بين 50 شيكلًا إلى مئتي شيكل (14-57 دولارًا)، ومن الممكن أن يصل إجمالي النقوط إلى 30 أو 50 ألف شيكل (8500-14 ألف دولار)، وهو مبلغ كبير كما تؤكد لـ«منشور».

يُسهِم ذلك المبلغ في تسديد ديون الزواج: «تجهيزات الزواج عادةً تكون بالدّين، غير الحفل والتصوير، والعريس مفروض يردهم دُفَع صغيرة في المناسبات المختلفة، وهو يساهم في حل أزمات مالية عند كل شاب مقبل على الزواج، وممكن النقوط يكون بهدايا أو أدوات غذائية، كل حسب قدرته المادية»، وفقًا للرنتيسي.

تركيا: ذهبٌ للتباهي والتفاخر

الإفراط في النقطة في تركيا يرجع في الأساس إلى الرغبة في التباهي والتفاخر أمام المدعوين.

تختلف النقة، أو «takmak Altin» (ارتداء الذهب)، في تركيا عن غيرها من الدول، فالأصل فيها التنقيط بالذهب، بحسب مروة سيليك، المصرية المتزوجة من تركي، التي توضح أنه نادرًا ما تُدفع النقطة نقدًا.

خلال حفل زفافها في إسطنبول، فوجئت مروة بفقرة خاصة لـ«تلبيس الذهب»، وقفت إلى جوار عريسها، وتوافد عليهما المهنئون بعلب الذهب، وبدؤوا في وضع الأساور والخواتم حول عنقها وأصابعها هي وزوجها، وأعطاهما بعض المهنئين ليرات ذهبية.

تضيف مروة لـ«منشور» أن أقل نقطة تكون «في حدود ربع ليرة ذهبية (65 دولارًا)، لكن في أحيان قليلة ينقِّط أحدهم بمئة ليرة من الفئات الصغيرة، يربطهم في خيط ويضعهم كالعقد في رقبة العريس أو العروس».

تعتقد مروة أن الإفراط في النقطة المقدمة للعروسين يرجع في الأساس إلى الرغبة في التباهي والتفاخر أمام المدعوين، لكن ربما يفسر ذلك «الإفراط» الوضع الاقتصادي الجيد لتركيا، التي تحولت من الفئة الدنيا ضمن الدول متوسطة الدخل إلى أحد اقتصادات الفئة العليا في الفئة نفسها، وزاد حجم الطبقة المتوسطة إلى الضعف، بحسب تقرير البنك الدولي الصادر في نهاية 2014.

الأردن: النقوط ممنوع، السداد مسموح

في الأردن، دعت وثيقة «السلط» الحكومية إلى إلغاء عادة النقوط النقدية والعينية تمامًا.

في أغلب الدول العربية، يدفع كثيرون مبالغ كبيرة للعروسين تحت مسمى النقطة، في محاولة لإبراز المظهر الاجتماعي والتباهي، وذلك المبلغ الكبير يفرض على الآخرين السعي إلى مواكبته أو منافسته، ويضع العريس نفسه في موقف محرج، إذ يتعين عليه رد المبلغ في مناسبة أخرى، وقد يكون مبلغًا يتجاوز طاقته وإمكانياته.

أدى ذلك في الأردن إلى وثيقة «السلط»، التي صدرت عام 1981 وأُجري لها تطوير في 2008. ترفض الوثيقة كثيرًا من العادات الاجتماعية، وتدعو إلى إلغاء عادة النقوط النقدية والعينية تمامًا، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام كل من يرغب في سداد نقطة سابقة.

يرى الدكتور فهمي الكتوت، الخبير الاقتصادي والاجتماعي الأردني، أن وثيقة السلط هدفها التيسير على الشباب الراغبين في الزواج وتخفيف الأعباء وعدم المبالغة في المطالب غير المبررة، وعدم إلزام العريس بنفقات مرتفعة، وهي لا تشجع النقة المبالغ فيها بهدف التباهي والتفاخر لما تمثله من عبء على المهنئين، خصوصًا مع انخفاض معدلات الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، فنسبة 51% من العاملين في الأردن يتقاضون رواتب بين 300 و499 دينارًا (420-700 دولار)، و60% منهم بين 25 و39 عامًا، بحسب دائرة الإحصاء العامة.

تبدأ قيمة النقوط من 5 أو 10 دنانير (7-14 دولارًا) وتصل إلى الآلاف، وبعض العائلات تنقط أبناءها بالذهب والسيارات، بحسب الكاتبة والصحفية الأردنية ديمة محبوبة: «10 دنانير في المطلق مبلغ بسيط، لكن بالنسبة للأجور هو عبء، لأن متوسط الدخل 400 دينار، وإيجارات البيوت ارتفعت بعد أزمة اللاجئين السوريين ووصلت إلى 250 دينارًا، بالإضافة إلى ميّة وكهرباء والتزامات كثير، حينها الخمسة دنانير بتفرق».

«سداد ودين»، هكذا يطلق الأردنيون على النقوط، كما تقول ديمة لـ«منشور»، موضحةً أنها عادة قديمة جدًّا ومتوارثة: «يعني بتنقطيني اليوم وبنقطك بكره، والناس بتعتب على أي حد مش بينقط في مناسبات مثل الأفراح أو النجاح والولادة».

يدوِّن الأهل أسماء من أدوا واجب النقوط في دفتر كبير، وبجانب كل اسم المبلغ المدفوع، ويحصل العريس على ذلك الدفتر بعد أيام قليلة من زواجه ليبدأ رحلة التسديد.

ترى ديمة أن النقطة تسهم بشكل كبير في تسديد ديون الزواج بسبب الوضع الاقتصادي الصعب في الأردن: «في حفلات الزفاف العربية الأردنية بيصير فيه غداء عُرس وفيه مناسف (طعام) كثير، فبتكون النقوط كبيرة، بس في الحالة دي بيسكّر مصاريف الغدا بس لإنه مكلف جدًّا»، مشيرة إلى أن العشائر صارت تحيي «العرس العربي» للولد الأكبر فقط، والاكتفاء بالعرس العادي للأبناء الآخرين.

«تختلف قيمة النقوط بين شريحة اجتماعية وأخرى، وحسب صلة القرابة بين العروسين، وهناك عادات مختلفة ممكن ألا تتجاوز الأجر اليومي أو يومين لموظف أو عامل، وممكن تكون مرتفعة، وعند بعض الأوساط ممكن تكون النقوط حفلة غداء لأهل العروسين، وهي من العادات المبالغ فيها» بحسب الكتوت، الذي يعتبر النقوط تكافلًا اجتماعيًّا تُسهِم في تغطية جزء من نفقات الزواج، وتعكس نوعًا من الترابط الاجتماعي والعلاقات الإنسانية بين الأنساب والأقارب، وتُدخل البهجة والسرور على العروسين.

العراق: «الواجب» واجب

«الفضل» أو «الواجب» أمر شائع لدى النساء، تحرص العراقيات عليه أكثر من الرجال، يلتزمن بسداده في كل المناسبات، ويدفعن الرجال إلى الالتزام به كنوع من أنواع التكافل الاجتماعي، مثلما يؤكد الشاعر العراقي علي ثاريب.

لا يُشترط تقديم «الواجب» مبلغًا بعينه، فمن الممكن أن يكون هدايا عينية، كقطع أثاث أو أجهزة كهربائية يقدمها الأهل والأقارب لمساعدة العريس، لكنه «ممكن يكون مبلغ مالي ما بين ألف وخمسة آلاف دينار (0.85-4.25 دولار)»، بحسب ثاريب.

يؤكد الشاعر العراقي أن سداد الواجب أمر مفروغ منه في مجتمعه «بنفس القيمة أو أكثر إذا كان الوضع المادي يسمح، لكن من غير المقبول اجتماعيًّا أن يكون أقل من القيمة التي حصلتَ عليها في مناسبتك الخاصة».

سوريا: الثورة غيرت تقاليد النقطة

الثورة، الحرب، النزوح، الفقر، ارتفاع نسبة البطالة، كل ذلك فرض نمطًا جديدًا على تقاليد الزواج في سوريا، فاختفت أو كادت كل مظاهر البذخ والإنفاق، وصار الشباب والفتيات يفضِّلون العلاقات المبنية على الحب وليس على اختيار الأهل، أن تكون لحياتهم بدايات بسيطة وفق إمكانياتهم ووفق البلد الذي هاجروا إليه، بل وصار طلب يد الفتاة وتعارف العائلتين يحدث عبر «سكايب»، بحسب الكاتبة الصحفية السورية سوزان خواتمي.

عادة النقطة مشتركة في أغلب الدول العربية والإسلامية، وربما نشأت كقيمة تضامن، وهو ما جعلها مستمرة حتى اليوم وإن أخطأ بعضنا في فهمها.

في مدينة حلب، يقدم الأهل والأصدقاء الهدايا للعروس، وتكون عادةً حليًّا ذهبية، أمام المدعوين، ولا تعتبر «عانية» بالمعنى التقليدي، بحسب خواتمي، التي تشير إلى أن أهل العروسين يكتبون تلك الهدايا لردها في أفراح الآخرين.

لكن الوقت الحالي بما يحمله من تغيرات طرأت على سوريا، اجتماعيًّا واقتصاديًّا، ومع ارتفاع سعر الذهب بشكل يجعل الحُلي عبئًا على كثيرين، أما الآن صارت مبالغ نقدية يمكن أن يستفيد منها العروسان بالشكل الذي يريانه،  كما تقول سوزان خواتمي لـ«منشور».

يتجلى التكافل الاجتماعي في الأفراح، ويصبح أكثر وضوحًا في القرى السورية عنها في المدن، بحسب سوزان، إذ يجتمع أهل الضيعة من الصباح حتى المساء في جو احتفالي، ويجلبون معهم المواد الغذائية المتوفرة، من برغل وذبائح ولبن وطحين وقمح، وتساعد النساء كبيرات السن أهل العريس في طبخ «المناسف» وتقديمها مع «الخبز التنور» المصنوع منزليًّا، بكميات تكفي الجميع.

الواضح أن عادة النقطة مشتركة في أغلب الدول العربية والإسلامية باختلاف اللهجات والتقاليد، وربما نشأت في الأصل كقيمة تضامن أو تكافل اجتماعي، وهو ما جعلها موجودة ومنتشرة ومستمرة حتى اليوم، وإن أخطأ بعضنا في فهمها وتناولها، وحوّلها إلى شكل من أشكال التباهي والتفاخر. هذا، قطعًا، لا يعيب العادة، بل يتطلب بعض التريث وإعادة الأمور إلى نصابها، لتسود قيم التكافل الإنسانية المجتمعات المختلفة.