اعرف نفسك

الدنيا سيجارة وكاس: هل الإدمان مرض؟

الصورة: Veronique de Viguerie

«التعاطي لذيذ». بدأتْ حديثها بهاتين الكلمتين، صمتت لوهلة ونظرت إلى الأرض، ثم انطلقت تروي تجربة حياتها مع إدمان المخدرات. كان الاسترسال جميلًا بصيغته تلك، فرأيت أن أنقله دون تعديل في الضمائر، وأن لا أذكر اسمها حفاظًا على خصوصيتها.

...

حين يسألني أصدقائي إذا كانت المخدرات تستحق فعلًا خسارة كليتَي، والخوض في دراما قوائم انتظار زراعة الكلى، ثم العيش بعقدة ذنب كبيرة بسبب القبول بكلية «من تحت الطاولة» بسبب ظلم قوائم الانتظار، أجيب في كل مرة: نعم.

لو لم أكن «أخجل من دمع أمي» لتكبدت كل هذا العناء في سبيل ذلك الفعل اللذيذ، التعاطي، بل إن الإدمان جزء مني مهما بلغ سوء العواقب، لماذا؟

الإدمان: مرض

كيف نُدمن شيئًا ما؟ كيف تعمل أدمغتنا خلال ذلك؟

كنت في الثانية عشرة من عمري حين تبرمج دماغي إثر تشخيصي بسرطان في العظام، على أن الحبوب المخدرة كانت الرفيق الأوفى والمواساة الأجدى من كل ألم. استمررت في التعاطي بعد الشفاء حتى خسرت كليتَي.

المدمن أسير إفراز الدوبامين، فتتغير استجابة الدماغ له، وتصبح المادة التي يختارها المدمن هي الوحيدة التي تتحكم في نشاط الدوبامين في الدماغ.

التحقت ببرنامج للإقلاع عن الإدمان، برنامج يعتبر الإدمان مرضًا بتعريف المعهد الوطني الأمريكي لتعاطي المخدرات: «مرض عقلي مزمن يمتاز بنزعة قهرية للبحث عن المخدرات وتعاطيها، بالرغم من العواقب المؤذية»، ويؤمن بأن الخطوة الأولى للتعافي هي الاعتراف بالمرض وتقبله، ثم انتكست بعد زراعة كلية بفترة وجيزة، وعدت مجددًا إلى البرنامج، ثم توقفت عن عدِّ الانتكاسات.

أحسست أحيانًا أن إقلاعي نفسه هو الانتكاسة. أذكر مرة خلال دعوة للعشاء أن طرأ موضوع الحِمية وإنقاص الوزن، فقالت إحداهن: «أظن أنني مدمنة على النشويات»، فقلت لها مازحة: «أكلم لك دكتور شاطر؟». عمَّ الصمت، وأخذتني أمي على انفراد وطلبت مني أن لا أتطرق إلى هذا الموضوع بأي شكل.

تعريف الإدمان هذا يُترجم في المجتمع على شكل إقصاء اجتماعي، حتى أن أمي كانت تمنعني من حضور اجتماعات «رابطة المدمنين المجهولين» مخافة أن تفتح بابًا للانتكاس، مع أني انتكست مرارًا خلال فترة منعي من حضور الاجتماعات، وبعدها كذلك، وعبَّرت أمي مرارًا عن خوفها من أن لا «يتزوجني أحد» بسبب هذا «المرض المزمن».

هو مرض، مدعَّم بعلم يبرر التعريف. تدعم التغيرات الكيميائية الحاصلة في دماغ المدمن هذا التعريف من ناحية نشاط الدوبامين تحديدًا، فالمدمن أسير إفراز الدوبامين، إذ تتغير استجابة الدماغ له، ويظهر أن المادة التي يختار أن يدمن عليها الشخص تصبح الوحيدة التي تتحكم في نشاط الدوبامين في الدماغ.

قد يعجبك أيضًا: لماذا تلجأ أعداد متزايدة من الناس لتجربة «السايكديليك»؟

ما هو الدوبامين؟ وما علاقته بالإدمان والسيطرة على مشاعر الإنسان؟

الدوبامين موصل كيميائي في الدماغ مسؤول عن التحفيز والتوجيه والتركيز والانتباه والمكافأة، ولأنه يحسِّن تكوين وصلات جديدة بين الخلايا العصبية، فالتغيير في تكسير الدوبامين في الدماغ يغير الشبكة العصبية في رأس المدمن.

من ناحية أخرى، لوحظ أن المنطقة المسؤولة عن الرغبة العفوية في التعاطي في الدماغ مختلفة عن منطقة الرغبة القهرية في التعاطي، بمعنى أن استهلاك المخدرات مع مرور الزمن يُحدث نقلة في استجابة المخ لها، بما يتناسب مع الرغبة القهرية في التعاطي لدى المدمنين، ويرى بروفيسور علم الأعصاب الإدراكي، «تريفر روبنز»، أن المرحلة القهرية هي مرحلة الإدمان الحقيقة.

رغم كل ما سبق، هل تكفي هذه الأدلة لاعتبار الإدمان مرضًا فعلًا؟

نظرة على خفايا علم الأعصاب تكشف عن تشابهات مبهرة بين الحب والإدمان. يتكرر نمط نشاط الدوبامين، الأمر الذي يصفه يوصف بأنه يعبِّر عن شكل موحد للرغبة في كل الأشكال الواردة، منافع مالية أو مخدرات أو ممارسة جنس. فإذا كان الإدمان مرضًا، فالحب مرض كذلك.

لماذا نجد انحيازًا مكثفًا ضد إدمان المخدرات مقارنةً بكل إدمان آخر؟ أسأل نفسي مثل هذا السؤال في بحثي المحموم عن «سبب طبي» وراء انقيادي وراء الحبوب المخدرة، أريد ممَّن حولي أن يفهموا، لكني كنت أريد أن أفهم أولًا.

قد يهمك أيضًا: الفطر السحري.. علاج الطبيعة للاكتئاب

الإدمان: اضطراب تعلُّمي

لماذا فشلت الحرب ضد المخدرات؟

لا يمكن مكافحة المخدرات عن طريق وصمة العار المدعمة بالأبحاث، والافتراض بأن الانتكاس مصير حتمي.

عَقب انتكاستي الأخيرة في عام 2015 فشل كلوي حاد، تداركه الأطباء دون خسارة كليتي لحسن الحظ، أردت أن أفهم فعلًا سبب تمسك دماغي بهذا «السم». لماذا لا تكفي كل تلك العقوبات لأعترف بمرضي وأتقبله؟ هل هو قدر يوزعه الله على الناس هكذا كمن يرش مِلحًا على طبق؟

بحثت حتى وجدتُ «مايا زالافيتز»، مؤلفة كتاب «طريقة ثورية لفهم الإدمان»، التي واجهت في عام 1986 تُهمًا بحيازة الكوكايين حين كانت تَدرِس في جامعة كولومبيا، وطُردت من الجامعة بسبب بيع المخدرات، ووصل إدمانها إلى تعاطي مخلوط من الكوكايين والهيروين في جرعة واحدة 40 مرة في اليوم.

قررت زالافيتز في الثالثة والعشرين أن تقلع عن إدمانها، وتلقت العلاج التقليدي اللازم، ثم مضت في رحلتها لتقول إن الإدمان ليس مرضًا، إنما هو اضطراب تعلُّمي، والحل لمكافحة المخدرات لا يمكن أن يكون في وصمة العار المدعمة بالأبحاث، والافتراض المسبق المثبت بأن الانتكاس مصير حتمي، وأن المدمن كذاب ومتلاعب وسارق بطبيعته.

وجدتُ حكايتي في حكاية أحدهم.

تؤمن مايا بأن الإدمان اضطراب تعلُّمي، بمقتضى أن التعلم شرط لحدوث الإدمان، فحين لا تعلم أن مخدرًا ما يريحك، يمنحك مهربًا ما، يأخذ بيدك لتتكيف مع الحياة، لا يمكن أن تدمنه. تؤمن كذلك بأن نشاط الدوبامين الذي يحدث، هو نشاط طبيعي في كل عملية تعلُّم تقع في الدماغ.

ووجدتُ كذلك «مارك لويس»، مؤلف كتاب «بيولوجيا الرغبة»، الذي يعرِّف الإدمان بأنه أنماط متداخلة من الاستهواء والاقتفاء، تغرز صورًا عصبية مميزة في اللُّب التحفيزي للدماغ (منطقتا الرغبة العفوية والرغبة القهرية).

يسِمُ لويس الأدلة التي ارتكزت إليها الأقوال بمرضية الإدمان بأنها مضللة بعض الشيء، من ناحية أن أدمغتنا كبشر لا تتبع نظامًا واحدًا للتكيف مع ما يستقبله الدماغ، بل تتبع عملية تسمى «تنظيم الذات».

كل الأدمغة تتغير لتتكيف مع المؤثرات المحيطة، قد يساوي التغير، في نشاط الدوبامين المذكور، التغيير الذي لوحظ على أدمغة سائقي سيارات أجرة لندن، إذ وُجد أن المنطقة المسؤولة عن تذكُّر المساحات والخرائط تضخمت في أدمغتهم، ولا يعني هذا أنهم مريضون بقيادة سيارات الأجرة، بل هو مجرد «تنظيم ذاتي للدماغ».

بالمقياس نفسه، ما يحدث من تحول من منطقة الرغبة العفوية إلى منطقة الرغبة القهرية في الدماغ، يحدث بالفعل مع كل ممارسة تتحول إلى أي عادة، فهل نعتبر كل عادة سيئة مرضًا مرة واحدة؟ أم أن كونه عادةً يصعُب التخلص منها في كثير من الأحيان يمنحنا حق وصفه بالمرض؟

يوضح لويس، في ورقة بحثية نشرها عام 2016، أنه لا يعرف غير «زالافيتز» كمختص وكاتب يؤمن ويدعم، عن طريق علم الأعصاب، القول بأن الإدمان اضطراب تعلُّمي، وليس مرضًا مزمنًا بالمعايير المثبتة. ويبدي استغرابه من قلة الأبحاث في هذه الناحية، مع أن التصوير بالرنين المغناطيسي في علم الأعصاب يدعمها بقوة.

اقرأ أيضًا: ماذا تعرف عن «أبو هلالين» المخدر المفضَّل في الخليج؟

العهد الجديد

الصورة: rudamese

في الاجتماع الأخير للرابطة، لم أعرِّف نفسي بالسطر المشهور: «أنا فلانة، مدمنة متعافية»، وطرحت ما وجدته، داعيةً إلى أننا أحرار، لسنا محكومين بنصيب من المرض يتحتم علينا اعتناقه، مثل الحلقة التي يعقدها الأشرار في فيلم الكارتون «Wreck-It Ralph»: «أنا سيئ، وهذا جيد، لن أكون طيبًا يومًا، وهذا ليس سيئًا، ولا أفضِّل أن أكون غير نفسي».

وَجْه رالف في نهاية المقطع يطرح سؤالًا استنكاريًّا: «أيُّ نفس؟ النفس التي يجبرني عليها مطورو ألعاب الآركيد؟». ونحن المدمنون المقلعون مثل رالف تمامًا، نعرِّف أنفسنا في الجلسات الجماعية بأننا «مدمنون متعافون»، مهما طالت فترة الإقلاع، نظل مدمنين مع وقف التنفيذ.

عندما قلت إن الإدمان ببساطة هو ما تعلَّمه دماغنا، باختلاف حكاياتنا، قاطعني المشرف ورد عليَّ أحد الحضور بأنه إن انتكس اليوم سأكون أنا السبب.

نظام مكافحة المخدرات العقلاني يتمثل، في نظر زالافيتز، في الاعتراف أولًا برغبة البشر المحضة في الانتشاء، لا بالاعتراف بالمرض، ومحاولة محاكاة الرغبة تلك بالمواد الأقل ضررًا، والتركيز على الأشخاص الأكثر عرضةً للإدمان، أصحاب العوامل المؤثرة، مثل تعليم الأطفال مهارات إدراكية سلوكية بسيطة للتعامل مع القلق، باعتبار صدمات الطفولة عاملًا يزيد من احتمال الإدمان مستقبلًا.

في السنوات الأربعة الأخيرة، ركزت سويسرا وبريطانيا على «مراكز إعطاء الهيروين». هذه مراكز صحية منشأة خصيصًا لإعطاء مدمني الهيروين مخدرهم المعتاد، لكن مجانًا وفي بيئة صحية معقمة. أثبتت أربع سنوات من الدراسات فعالية المراكز، زاد عدد المقلعين عن الهيروين، انخفض عدد مرتكبي الجرائم من عينة المتعاطين أنفسهم، زادت إنتاجيتهم كأفراد، وتدرس المملكة المتحدة حاليًّا إنشاء المزيد من تلك المراكز.

ما حدث ببساطة هو مجاراة اضطراب التعلُّم (الإدمان) بما يحترم طبيعة الاختلاف البشرية.

الصورة: Philipp Müller-Dorn

الإدمان ببساطة هو ما تعلَّمه دماغنا، باختلاف حكاياتنا، لكن هذا لم يعجب الحضور. علت الهمهمة، وقاطعني المشرف وطلب مني أن لا أكمل حديثي، ورد عليَّ أحدهم بأنه إن انتكس اليوم سأكون أنا السبب. عدتُ إلى المنزل شاعرةً بأنني ربما كنت أنانية حين عبَّرت عمَّا وجدته، وأنني لم أراعِ أن المنهج الذي استنكرته مرارًا كان سبيل الخلاص الوحيد لأحدهم، أو ربما هكذا تُغسل الأدمغة؟ لأول مرة يرفضني مجتمعي الحميم نفسه.

قد يعجبك أيضًا: كيف أسهمت المخدرات في تطور البشرية؟

يدعو العلاج المتعارف عليه من الإدمان (باعتباره مرضًا) إلى الالتزام بخطة علاجية من خطوات متسلسلة، صوَّرها مسلسل «تحت السيطرة» بطريقة ربما تقترب من الواقع. ترتكز الخطوات في الأساس إلى أن يتقبل المدمن مرضه، ويعترف بالعطب في شخصيته التي جعلته مدمنًا، وبالعطب في كيمياء دماغه، الذي هو بتعريف الإدمان «مرض مزمن».

أستغرب كما تستغرب زالافيتز طريقة «المقياس الموحد» في معالجة الإدمان، وكيف يعتبر السجن حلًّا بديهيًّا لمرض.

طريقة مكافحة المخدرات المتعارف عليها تصبح إشكالية كذلك، وتشبه حبس مريض بوسواس الجراثيم بسبب استعماله عبوة مطهر، والنتيجة نفسها إذا صدقنا أن الإدمان اضطراب تعلُّمي فعلًا، أن طريقة مكافحة المخدرات المعتمدة الآن غير مجدية، وغير منطقية.

الإدمان تجربة تتخللها عقوبات قاسية: الإقصاء الاجتماعي، والخسائر المادية والاجتماعية والصحية والنفسية، فإذا اعتبرناه اضطرابًا تعلُّميًّا، فإن تعامل القانون والمجتمع معه الآن هي التعليم بالعقاب، وهي طريقة أثبتت فشلها بالنظر إلى حياة المدمن فحسب، دون إضافة مقطع العقوبات الأخرى.

اليوم، لم أعد أحسب إقلاعي مثلما علمني مركز التأهيل أن أحسبه، لا أحسب حبَّتي «تايلينول-3» مع بضعة جرامات من المورفين في الوريد في فترة تبدو صعبة لدفاعيتي المعطوبة «انتكاسة»، بل فقط تطبيقًا عمليًّا لدرس تعلمه دماغي.

أتمنى أن تنتهي الوصمة التي تجرِّم المدمن، وترميه مسبقًا في قالب لا يسعه في النهاية سوى الاستسلام له واعتناق صحته، لأن المنهج البديل ما زال خافت الصوت. أتمنى أن يتكلم المنهجان إلى طاولة واحدة، وأن يَنظُرا في معطيات علم الأعصاب وتصوير الرنين المغناطيسي، وأن يغيِّرا اللعبة.

, , , ,