وجدنا عليه آباءنا

أم كلثوم بنت علي: الزواج المختلَف عليه بين السنة والشيعة

الصورة: Granger

مسألة تزويج علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، من أهم المسائل التي أثير حولها كثير من المناقشات والمجادلات بين السنة والشيعة منذ القرن الأول الهجري حتى وقتنا هذا.

ذلك أن عددًا من كتب الحديث والتاريخ، منها على سبيل المثال «تاريخ اليعقوبي»، أقرت بأن علي زوَّج ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب عام 17 بعد الهجرة، وتلك الزيجة هي المصاهرة الأولى من نوعها في تاريخ العلاقة بين الأئمة الشيعة الاثني عشرية من جهة، ودول الخلافة السنية من جهة أخرى، إذ تبعها عدد من الزيجات الأخرى، تلك التي وقعت في عصر الدولة العباسية على وجه التحديد.

بسبب البُعد السياسي لهذه المصاهرة التي تشير إلى علاقة محتملة بين علي بن أبي طالب ودولة الخلافة السنية، تحولت الزيجة إلى ساحة للنزاع المذهبي. إذ رأى فيها أهل السنة اعترافًا من علي بدولة عمر، فيما شكك الشيعة في وقوع الزيجة، أو على الأقل في رضا علي عنها.

زواج متنازع عليه

لوحة بعنوان «مقتل علي» للرسام يوسف عبد نجاد

إذا رجعنا إلى الروايات السنية التي تناولت أخبار تلك الزيجة وتفاصيله، وجدنا أن معظمها يتفق على أن علي رحب بزواج ابنته من الخليفة.

يذكر محمد بن سعد البغدادي المتوفى 230 من الهجرة، خبر المصاهرة باقتضاب في كتابه «الطبقات الكبير»، فقال: «عمر بن الخطاب خطب إلى علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم، فقال علي إنما حبست بناتي على بني جعفر، فقال عمر: أنكحنيها يا علي، فوالله ما على ظهر الأرض رجل يرصد من حسن صحابتها ما أرصد، فقال علي: قد فعلت، فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين... فقال: رفئوني (أي هنئوني بالزواج)، فرفؤوه وقالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ قال بابنة علي بن أبي طالب».

يورد ابن سعد رواية أخرى أكثر تفصيلًا تتعلق بتلك الزيجة، وتوضح بعض الأحداث التي لم يذكرها في الرواية الأولى. يقول ابن سعد: «لما خطب عمر بن الخطاب إلى علي ابنته أم كلثوم، قال: يا أمير المؤمنين إنها صبية. فقال: إنك والله ما بك ذلك، ولكن قد علمنا ما بك. فأمر علي بها فصنعت، ثم أمر ببرد فطواه وقال: انطلقي بهذا إلى أمير المؤمنين فقولي أرسلني أبي يقرئك السلام، ويقول: إن رضيت البرد فامسكه وإن سخطته فرده، فلما أتت عمر قال: بارك الله فيك وفي أبيك قد رضينا. قال، أي الراوي: فرجعت إلى أبيها، فقالت: ما نشر البرد ولا نظر إلا لي، فزوجها إياه فولدت له غلاماً يقال له زيد».

معظم الروايات الشيعية التقليدية توضح أن زواج أم كلثوم حدث دون رغبة من ابن أبي طالب.

إذا ما انتقلنا إلى مراجعة أخبار تلك الزيجة في الروايات التي نقلتها إلينا المصادر الشيعية، وجدنا أن هناك اختلافًا كبيرًا في رد فعل علي بن أبي طالب من طلب الخليفة للزواج من ابنته.

فبينما توجد بعض الروايات التي تقر بحدوث الزواج، منها على سبيل المثال ما ذكره شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي المتوفى 460 من الهجرة، في كتابه «تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد»، وما نقله الباحث المعاصر محمد علي الحلو في كتابه «كشف البصر عن تزويج أم كلثوم من عمر»، وهي الروايات التي يُفهم منها أن علي بن أبي طالب رحب بمصاهرة الخليفة، فإن معظم الروايات الشيعية التقليدية توضح أن ذلك الزواج حدث دون رغبة من ابن أبي طالب، وأنه أُجبر على إتمام هذا الزواج دون إرادته.

على سبيل المثال، نجد أن ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني الرازي، المتوفى 329 بعد الهجرة، في كتابه «الكافي الشريف»، أفرد فصلًا مستقلًّا خصصه لذكر الروايات الواردة في مسألة زواج أم كلثوم من عمر، وأورد في هذا الفصل ما نسبه إلى الإمام جعفر الصادق، عندما قال بخصوص أم كلثوم بنت علي: «ذلك فرج غصبناه»، ما يعني أن الزواج لم يكن بموافقة علي بن أبي طالب.

ينقل الكليني رواية أخرى، توجد بها تفاصيل كثيرة، جاء فيها: «لما خطب إليه (يقصد عمر بن الخطاب) قال له أمير المؤمنين: إنها صبية، قال: فلقي العباس، فقال له: ما لي أبي بأس؟ قال: وما ذاك؟ قال: خطبت إلى ابن أخيك فردني، أما والله لأعورن زمزم ولا أدع لكم مكرمة إلا هدمتها ولأقيمن عليه شاهدين بأنه سرق ولأقطعن يمينه فأتاه العباس، فأخبره وسأله أن يجعل الأمر إليه، فجعله إليه».

في نفس الوقت، نرى عددًا كبيرًا من الباحثين ورجال الدين الشيعة المحدثين، ضعَّفوا قصة زواج أم كلثوم من عمر واعتقدوا ببطلانها. من هؤلاء: محمد جواد البلاغي في كتابه «عدم تزويج أم كلثوم من عمر»، وعبد الرازق المقرم في كتابه «في نفي زواج أم كلثوم من عمر»، وناصر حسين الموسوي الهندي في كتابه «إفحام الأعداء والخصوم»، وعلي أظهر النقوي في كتابه «الكنز المكتوم في رد زواج أم كلثوم».

حاول بعض هؤلاء الباحثين، أن يشكك في أن أم كلثوم المقصودة، التي ورد ذكرها في روايات الكافي، هي نفسها أم كلثوم بنت علي. فزعموا أن أم كلثوم التي جاءت فيها الروايات هي أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، والتي كانت ثمرة زواج الخليفة الأول من أسماء بنت عميس التي كان أبو بكر تزوجها بعدما قُتل زوجها الأول جعفر بن أبي طالب في غزوة «مؤتة».

استشهد هؤلاء الباحثون على ما ذهبوا إليه، بأن عددًا من الروايات المشهورة في كتب التاريخ، منها ما أورده ابن جرير الطبري المتوفى 311 هجرية، في كتابه «تاريخ الرسل والملوك»، يذكر أن عمر بن الخطاب خطب أم كلثوم بنت أبي بكر، وأن أم المؤمنين عائشة رفضت واعتذرت لعمر، إشفاقًا على أختها من غلظة الخليفة ومشقة العيش معه.

مسألة زواج أم كلثوم بنت علي من عمر إشكالية حقيقية في الفكر الشيعي، لأن الإقرار بالزواج يدل على طيب العلاقات بين الإمام والخليفة وصَفْوها، الأمر المرفوض بشكل قاطع في العقلية الشيعية التقليدية.

لذلك، لم يأت القرن الخامس الهجري إلا وظهر عدد من المحاولات الشيعية لإعادة صياغة الروايات المرتبطة بهذا الزواج، لتجد مخرجًا من تلك الإشكالية الصعبة.

واحدة من أهم تلك المحاولات، ما ذكره الشيخ محمد بن محمد بن النعمان العُكبري البغدادي المعروف بـ«الشيخ المفيد»، المتوفى في 413 هجرية، في كتابيه «المسائل العُكبرية» و«المسائل السروية».

في الكتاب الأول برر المفيد زواج أم كلثوم من عمر في المسألة رقم 15 من الكتاب، فقال إن «المناكح على ظاهر الإسلام دون حقائق الإيمان»، مستشهدًا على ذلك بتزويج الرسول ابنتيه برجلين كافرين، هما عتبة بن أبي لهب وأبو العاص بن الربيع، وكذلك ما عرضه النبي لوط على الكافرين من قومه، بأن يتزوجوا بناته رغم العداء واختلاف الدين.

أما في «المسائل السروية»، فيحتج المفيد على أن خبر زواج أم كلثوم بعمر «غير ثابت، وطريقه من الزبير بن بكار، ولم يكن موثوقًا به في النقل، وكان متهمًا في ما يذكره، وكان يبغض أمير المؤمنين عليه السلام، وغير مأمون في ما يدعيه على بني هاشم».

بم يمكن أن يخبرنا هذا الخلاف؟

علي بن أبي طالب - الصورة: Emamzadeh Esmaeil

الروايات الشيعية المتقدمة أثبتت زواج أم كلثوم من عمر بن الخطاب، بعكس موقف الروايات المتأخرة التي تحرجت من إثبات ذلك الزواج.

من المهم أن نشير إلى عدد من الملاحظات على الروايات السابقة كلها.

الأولى: التضارب الذي يحيط بقصة زواج أم كلثوم من عمر لا يقتصر على الزيجة فحسب، بل إن هناك كثيرًا من المعلومات المتضاربة حول شخصية أم كلثوم بنت علي نفسها.

فلما كانت أرجح الأقوال تؤكد أن أم كلثوم ولدت في السنة السادسة من الهجرة، وذهب إلى ذلك شمس الدين الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء»، ولما كان المشهور أنها تزوجت من عمر في العام السابع عشر من الهجرة بحسب ما ورد في «تاريخ اليعقوبي»، فمعنى ذلك أن عمرها وقت زواجها كان أحد عشر عامًا، وهي ليست بالسن التي يمكن التعلل معها بأنها صغيرة، كما ورد في كل من الروايات السنية والشيعية على لسان أبيها علي بن أبي طالب، فقد كانت تلك السن مناسبة للزواج ذلك العصر.

هناك أيضًا اختلاف في توقيت وفاة أم كلثوم. فقد أوردت بعض الروايات أنها توفيت في زمن الحسن بن علي، وذلك بحسب ما يذكر الطوسي في «تهذيب الأحكام»، ومحمد بن الحسن الحر العاملي في كتابه «وسائل الشيعة»، بينما توجد روايات أخرى، منها رواية أبي الفرج الأصفهاني المتوفى 356 هجرية، في «مقاتل الطالبيين»، تؤكد أنها حضرت معركة «كربلاء» مع أخيها الحسين بن علي، وأنها كانت ضمن السبايا اللاتي جرى تسفيرهن إلى دمشق لينظر الخليفة الأموي يزيد بن معاوية في أمرهن.

الثانية: الروايات الشيعية المتقدمة أثبتت زواج أم كلثوم من عمر بن الخطاب ولم تجد غضاضة في ذلك، بعكس موقف الروايات المتأخرة التي تحرجت كثيرًا من إثبات ذلك الزواج، وحاولت أن تتنصل منه بكل وسيلة ممكنة.

ربما كانت محاولة الشيخ المفيد التي عرضنا لها، من أولى المحاولات الشيعية التي عملت على الخروج من مأزق إثبات الزواج، إذ تردد المفيد بين تصديق الواقعة والتبرير لها من جهة، ونفيها والتشكيك في سندها ورواتها من جهة أخرى، الأمر الذي يبين أهمية الحادثة في الفكر الشيعي.

الثالثة: الروايات الشيعية التي تطرقت لإجبار عُمر عليًّا على القبول بالزواج من ابنته، تتكامل مع السياق القصصي الذي يعمل على شيطنة الخلفاء الأوائل، وينغمس في فكر المظلومية المطلقة لعلي بن أبي طالب وآل البيت.

أما الملاحظة الرابعة، فتتمثل في أن بعض الروايات السنية تأثرت بما ورد في الروايات الشيعية حول موقف علي الرافض لتزويج ابنته من الخليفة الثاني، وكيف أنه أُجبِر على ذلك الزواج.

ظهر ذلك التأثر في رواية المؤرخ السني الشهير عز الدين بن الأثير الجزري المتوفى 630 هجرية، في كتابه «أُسد الغابة في معرفة الصحابة» على سبيل المثال. فقد جاء فيه أن أم كلثوم لما ذهبت إلى عمر «وضع يده عليها، فقالت: أتفعل هذا؟ لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك، ثم جاءت أباها، فأخبرته الخبر، وقالت له: بعثتني إلى شيخ سوء، قال: يا بنية إنه زوجك».

يظهر تأثر الرواية السابقة بالروايات الشيعية التقليدية، في أنها حاولت أن توضح قبول علي مصاهرة عمر، حتى إنه أمر ابنته بالذهاب إلى الخليفة في بيته، ولم ير بأسًا في أن يكشف الخليفة ستر ابنته أو يمعن النظر فيها، مع ما في ذلك من حرمة ومخالفة لصريح الدين من جهة، والتعارض الواضح مع قيم المروءة التي اتصف بها علي بن أبي طالب من جهة أخرى.

ذلك التصرف الذي تذكره الرواية، أمر غريب على عمر بن الخطاب نفسه، ولا يليق به لما عُرِف عنه من زهد وحرص على اتباع الأخلاق الحميدة، خصوصًا أن هناك بعض الروايات، منها ما أورده ابن حجر الهيثمي في كتابه «الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة»، والتي يصرح فيها عمر لعلي بن أبي طالب بأنه لم يرد الزواج من أم كلثوم بسبب المقاصد الطبيعية والمعتادة للزواج، فهو يقول له بشكل واضح: «لم أرد الباءة»، والباءة تعني النكاح والجماع كما يذكر ابن منظور في «لسان العرب»، إذ يستطرد عمر  في الرواية، مفسرًا لعلي رغبته في الزواج من أم كلثوم بأنه لمجرد المصاهرة والنسب مع الرسول، من خلال الزواج بحفيدته.

تلك الرواية ما هي إلا محض اختلاق من جانب عدد من الرواة من أهل السنة والجماعة، الذين حاولوا عن طريقها أن يحبطوا أقوال الرواة الشيعة الذين ادعوا رفض علي للزيجة وإكراهه عليها.

من المهم أيضًا أن نشير إلى أن بعض الروايات السنية التي تناولت موضوع أم كلثوم أشارت إلى الخلاف السياسي القائم بين علي وعمر. يظهر ذلك في رواية ابن سعد في «الطبقات الكبرى»، والتي جاء فيها أن علي عندما اعتذر لعمر عن تزويجه من أم كلثوم ببعض الأعذار الواهية، رد عليه عمر قائلًا: «والله ما بك ذلك ولكن علمنا ما بك». لم يعلق ابن سعد ولا غيره من المؤرخين والمحدثين على تلك الجملة أو يوضح مقصد عمر من ذكرها.

غالب الظن أنه لو افترضنا صحة تلك الجملة، فإن عمر بن الخطاب قصد بها ما في نفس علي بن أبي طالب من اعتقاده بأحقيته في الخلافة، وما ارتبط بذلك من مسألة ميراث فاطمة ومنعها إياه، وهي المسألة التي ضخمتها الروايات الشيعية كثيرًا، لكن بالتأكيد لم تستطع الروايات السنية طمسها تمامًا.