إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

The End of the World: لعبة لذوي القلوب المنكسرة

بوجهٍ خالِ من الملامح، يمثُل شاب داخل إطار أيقوني مربع في اقتراحات متجر غوغل، واضعًا سيجارة بغير اكتراث في زاوية ما يُفترض أن يكون فمه، وواقفًا في إطاره بثبات، كما لو أنه يطل من نافذة حجرته على العالم. تحمل الأيقونة عنوانًا يليق بفتى لا يحمل وجهه أي تعبير : The End of the World.

«لعبة لذوي القلوب المنكسرة»، هكذا يصنفها متجر جوجل، فيدفعني الفضول، أو ربما شاعرية الوصف التي لم أعتد مصادفتها في ألعاب الفيديو، للتجربة. أضغط الأيقونة لتثبيت اللعبة على هاتفي، وما إن أبدأ اللعب حتى أفهم المجاز وراء خُلوِّ وجه بطلها، الشخصية الوحيدة في اللعبة، من الملامح.

اقرأ أيضًا: لعبة «Inside»: التجوّل في تجربة سينمائية مختلفة

أيهما أكثر افتراسًا؛ أن تُطارَد من قِبَل مجموعة من الزومبي، أم أن تحاصرك مأساتك الخاصة؟ إجابتي المفضلة على الأرجح ستكون: أن تحاصرني المأساة بينما يكون عليَّ الذهاب إلى العمل. لهذا السبب أحببت The End of the World، تحديدًا لاستجابتها لما لا يسمح به إيقاع الأيام في الواقع؛ ففي واقعك، وواقعنا جميعًا، الجميع يذهب إلى عمله ولا أحد يلتفت لمأساتك الشخصية. لا أحد يشعر بما تشعر به. لن يمنحك مديرك إجازة نهاية العالم لأن «الأبوكاليبس» يحدث فوق رأسك فقط. أنت وحدك صاحب هذا الحزن، وعليك أن تبتكر وسيلة لتصريفه.

ربما يكون هذا ما يميّز The End of the World عن أية لعبة أخرى؛ تعريفها المغاير لمفهوم الخسارة وتخليها عن المعارك النمطية التي عادة ما تكون في ألعاب الفيديو، وفي المقابل تتعرّض لأشكال أخرى من الخسائر أكثر اقترابًا من الإنسان وما يختبره في واقعه الشخصي من تجارب.

الوقت هو الوحش الأكثر شراسة.

تسمح لك اللعبة أن تختبر الحياة من منظور رجل وحيد، يستيقظ ليرتدي ملابسه، يشرب قهوته في تأنٍ، ثم يخرج ليتجول في عالم قد انتهى بفعل خسارته لحبيبته. هكذا فقط ولا شيء أكثر من هذا. لن يكلفّك أحد بمهمة إنقاذ الكوكب لأن، ولنواجه الأمر، مزاجك اليوم لا يشجعك على ذلك. لن تظهر لك مجموعة من المسوخ تهدد وجودك؛ لأن حزنك كفيل بإتمام تلك المهمة. في المقابل، ستحاصرك وحوش من نوع آخر.

هل سبق لك أن شعرت بأن عقارب الساعة تزحف داخل رأسك؟ تذكَّر هذا التشبيه لأنك ستختبره في كل مرة تشعر فيها بالوحدة بعد تعرُّضك لخسارة؛ الوقت هو الوحش الأكثر شراسة، ربما لهذا السبب تبدأ افتتاحية اللعبة بصوت دقات ساعة متواصل، سيختفي لاحقًا، لكن ثقله سيستمر مع ظهور أيقونة الساعة نفسها أمامك عدة مرات، في دار السينما والبار والحدائق العامة.

لن يُسمح لك بالجلوس على أيٍّ من المقاعد الزوجية، وبالطبع لن يُسمح لك بإنهاء حياتك.

قد تعتقد أن الضغط عليها سيقفز بك زمنيًا فوق الأيام البطيئة كي تتجاوز أزمتك سريعًا، إلا إن ما سيحدث هو النقيض؛ فالساعة تعود بك إلى الماضي لتذكيرك بشكل العالم كما كنت تألفه قبل أن يبدأ في الانهيار، وهي خطوة ستتعلم الإقلاع عنها تدريجيًا، لأن، كما أخبرونا للأسف، العيش في الماضي لا يفيد، سواء في مسارك الشخصي، أو مسارك داخل اللعبة.

بالإضافة لعنصر الزمن، سيجبرك مسار اللعبة على المرور بكل مساحة تحمل أثرًا لحبيبتك، والتي ستتفكك مساحةً تلو الأخرى بمجرد زيارتك لها؛ فالمطعم الذي زرته بالأمس لم يعد له وجود اليوم، لتنهار بذلك بقعة جديدة من عالمك بمعدل يومي، وبدرجة تكاد تعادل خرابك الداخلي المتزايد (ذاكرة الأماكن أشد فتكًا كما تعرف). كل ما اعتدته سيتبدَّل أمامك. كل ما اعتبرته ملاذًا آمنًا سيلفظك، حتى إنه لن يُسمح لك بالجلوس على أيٍّ من المقاعد الزوجية، وبالطبع لن يُسمح لك بإنهاء حياتك. مواجهةٌ شديدة القسوة لواقع كونك الآن إنسانًا وحيدًا، وعليك أن تنجو من حزنك.

لا مكسب في تلك اللعبة، فقط الخسارة. انتصارٌ للضعف الإنساني من خلال حكاية رجل وحيد.

في اليوم الأخير من اللعبة، بعد أن تكون قد مررت بمعظم أنحاء المدينة وشهدت تهدُّمها، ستخرج من منزلك الذي تآكل عن آخره، مثلما تفعل كل يوم، لتكتشف ظهور الناس في شوارع مدينتك للمرة الأولى. ستلاحظ أيضًا أن العالم قد كفَّ عن التحلُّل وعاد لصورته الطبيعية.

كل هذا سيصيبك بالشك فيما لو كان العالم قد أعاد بناء ذاته، أم أنه لم ينهَر منذ البدء، خاصةً أنك لا تكتسب أية قوة خارقة طول اللعبة لتعيد بها تشكيل أصول عالمك. ومع اقتراب النهاية، ستختار بين مسارين محتملين (وهي المرة الوحيدة التي يُسمح لك فيها بالاختيار، كل المسارات السابقة إجبارية وحتمية الحدوث).

لن أكشف طبيعة المسارين كي لا أفسدهما عليك، فقط سأضمن لك أن أيًّا منهما لا تقف عند نهايته أميرة جميلة تنتظرك لتحارب الوحش، حتى إنه لا يوجد وعدٌ ببداية جديدة مثلًا أو تجاوزٍ لخسائرك، لا مكسب في تلك اللعبة، فقط الخسارة. انتصارٌ للضعف الإنساني من خلال حكاية رجل وحيد ، مُضطر لابتلاع خساراته، بينما يشهد انهيار عالمه الشخصي، بوجهٍ لا يقوى حتى على إبداء التعبيرات.

 

دفعني الفضول للبحث عن «شون وينهام» (Sean Wenham) مصمم اللعبة على الإنترنت، ما قادني لقراءة تصريح على لسانه بشأنها؛ صمم شون اللعبة بسبب مروره هو نفسه بتجربة فَقْدٍ كان لها أثر ثقيل عليه ، الأمر الذي دفعه لمحاولة خلق المواساة بالطريقة الوحيدة التي يعرفها. يقول إن تصميم اللعبة استغرق منه ثلاث سنوات، وإنه تمنى أن تكون تجربتها شبيهة بالتأثير الذي يحدثه سماع أغنية حب حزينة. لم أكتفِ بما قرأت، فقمت بالبحث عن حسابه الشخصي على «فيسبوك»، لألمح صورةً لفتاة جميلة أفهم بعد قليل أنها زوجته. أظنه نجح أخيرًا في إخماد زحف العقارب داخل رأسه.