اعرف نفسك

هذا فراق بيني وبينك: هل تحتاج قصصنا لنهايات مرضية؟

الصورة: Salvatore Barbera

«وقد ترك الكاتب نهاية القصة مفتوحة لخيال القارئ». كم تَمَلملنا في مقاعد الدراسة حين سماع هذه الجملة، كيف تنتهي قصة ما دون نهاية؟ ما جدوى أن تكتب رواية من مئات الصفحات دون خاتمة تليق بشخوصها؟ ما الحكمة من كل هذا؟

نريد دومًا نهايات ثابتة تامة لا تقبل التأويل، رغم أنها محض قصص خيالية، وسواءً أحكم الكاتب حبكة النهاية أو تركها لخيال القارئ، فلا فرق سيحدث في حياتنا.

في فيلم «The Fault in our Stars» المأخوذ عن رواية تحمل الاسم ذاته للكاتب «جون جرين»، يأمل «أوغست» قبل مماته في تحقيق شيء ما يبقيه في أذهان الكثيرين، شيء عظيم يجعله عصيًا على النسيان، في الوقت الذي كانت فيه «غريس» مهووسة بفكرة إيجاد نهاية لروايتها المفضلة، مبتورة الخاتمة التي تنتهي فجأة تاركةً إياها في متاهة التساؤل.

تضع غريس نفسها مكان البطلة، طفلة تموت بمرض عضال تاركةً أمها التي كرست جُل حياتها في رعايتها للاشيء، أو كما سمِعتها تقول مرة: «ماذا سأفعل إذا أصابها شيء؟ لن أكون أمًا بعد ذلك». أرادت الاطمئنان عليها، أحبت تصديق أن الجميع سيكون بخير ويكمل حياته بعد رحيلها المفاجئ دون قلق.

حتى أنهما يسافران لبلد آخر، غم مرضهما، للقاء الكاتب ومعرفة ما يحدث. لا تعرف غريس إجابة لسؤالها، لأنه ببساطة لا توجد نهاية كما في مخيلتها، لا أحد سيخبرها ما يحدث لوالدة الفتاة بطلة الرواية بعد موتها، ولا لباقي الشخصيات، فقد تنتهي الحياة في منتصف جملة.

لماذا لماذا لما؟ 

«لما انت ناوي تغيب على طول.. مش كنت آخر مرة تقول»، هكذا تساءل عبد الوهاب في أسى. كيف يرحل شخص ما فجأة دون وداع، يتركنا صديق، نُرفض في وظيفة ما دون إبداء أسباب واضحة، توافي المنية عزيزًا دون إنذار، يهجرنا حبيب هكذا فجأة، تنقطع حبال ود وحب لما كان بيننا من علاقات وأمور معلقة؟

«بالليل أسيب نفسي لهمي ولأفكاري». لا يوجعنا الغياب بقدر ما توجعنا الحيرة، ولا يؤلمنا الجرح بقدر ألم الحاجة لضمادة «شرح» تقينا تلوثه بكل «اللماذات» التي تطحن خلايانا وتجعل التجاوز وقلب الصفحة صعبًا.

ويبقى السؤال: هل تحتاج حقًا كل قصصنا المبتورة لنهاية مُرضية؟ وماذا إذا لم تكن مرضية فعلًا؟

كيف نتخلى ونتجاوز؟ 

ترى الكاتبة «جيل موراي»، الصحفية الحائزة على عدة جوائز، والمتدربة والمتحدثة المؤثرة في جعل حياتك أفضل عبر التخلي، ومؤسسة «Let Go For It»، أن هناك خمس طرق مُثلى للتخلي، تحدثت عنها في واحدة من ندوات Tedx، ونسطرها هنا بتصرف:

  • لا تأخذ الأشياء بشكل شخصي: ما عيبي؟ لماذا لا أنجح في هذا العمل؟ ما الخطأ الذي ارتكبته؟ أنا شخص سيئ ولا أصلح كصديق أو حبيب. كيف يهتم شخص رائع مثله بي؟ كان علي أن أتوقع ذلك.
  • لا تضخم الأمر، فسير الأمور بعكس توقعاتك وإساءة الناس التصرف تجاهك لا يعني بالضرورة أنك مخطئ، ربما هي مشكلتهم الخاصة. وحتى مع خطئك، فلست وحدك في المعادلة.
  • لا تهتم كثيرا برأي الآخرين: في محاولتك للتجاوز، ستسمع الكثير من الآراء السلبية، هذا ديدن البشر، كل مجهول مخيف وكذلك تقبُّل التغيير. عليك الإصغاء لدائرة أمانك الخاصة ولقلبك، تجاوز الفراق واطوِ الصفحة لبداية جديدة.
  • تخلى عن فكرة أن تصبح شخصًا آخر: كل واحد منا مخلوق مميز، بكل صفاته، وتفاصيله، وتجاربه، وعثراته. قد يحبها البعض، ويغرم بها بعض، وقد يهرب آخرون منها. تعرف إلى ذاتك الحقيقية، وعزز ما يميزها، واكبح ما يؤذيك منها. هذا جيد، لكن كن نفسك فقط.
  • تخلى عن حاجتك لتكون مثاليًا، لا تدع أحدًا يشعرك بالسوء تجاه نفسك. «المثالية عدو التقدم» كما يقول تشرشل، الكل يبحث عن بلوغ الكمال، لكن لا أحد مثالي، وحين تتقبل هذه الحقيقة ستقدر قيمة ذاتك والآخرين.
  • تخلى عن جمل مثل «ليس الآن»، «لم يحن الوقت بعد»، «ما زال الوقت مبكرًا لأحاول تجاوز الصدمة». الوقت المناسب هو حين تضع خطة وتنفذها على الفور، حين تقرر ترك كل التساؤلات خلفك دون إجابة، دون أمل في إيجادها يومًا، توصد باب الذكرى جيدًا، تغلق نوافذ الحنين وتتقبل النهاية المبتورة التي جادت بها الحياة فقط.

تُشاركنا جيل هذه النقاط عن تجربة خاصة عايشتها، وقد أثمرت معها واستطاعت التخلي والتجاوز، لتهديها الحياة ما هو أجمل.

«أنت غمامة على شمسك، فاعرف نفسك» - ابن عربي

متى وقفت آخر مرة وقفة صادقة مع نفسك وسألت: أين أنا من علاقاتي؟ ما الذي علي تخطيه بعد تلك السنون؟ وما الذي لم أتخطه بعد؟ متى كنت حقيقيًا دون قيود أو قلق من رأي الناس؟ كم من قرار أجلت البتّ فيه للغد، للسبت المقبل، للعام الجديد، ولم أتخذ قراري بعد؟  

أحيانًا تختلط علينا المعاني، نسمي اكتناز كل صغير وكبير «هواية جمع»، الأفكار واجترار الذكريات والمشاعر «حنينًا»، وندَّعي انتظار الوقت الأنسب لتنفيذ خطوة ما بحجة «التفكير مليًا» وأن «في العجلة الندامة»، ونتغافل عن المورث الشعبي المضاد بأن «خير البر عاجله».

في رحلتنا مع الذات وعبرها، نتعلم أن النجاح الحقيقي يكمن في التخلي لا الامتلاك، أو كما تقول حكمة بوذا: «في نهاية المطاف، ما يهم حقًا هو ثلاثة أمور: كم أحببت، وكيف عشت بخفة، وكيف تخليت بإحسان عن الأشياء غير المُقدرة لك».

ماذا عنك؟ 

كان الخِضْر رفيقًا بموسى عند الفراق، لم يُلقه في جُب الحيرة تاركًا إياه يتخبط في غيابات جهله عن إجابات أسئلته.

ورغم موافقة موسى على شرط الخضر بألا يسأل عما يعجزه، فإن النفس لا يسعها المضي دون تأويل ما لم تستطع عليه صبرًا، فكان لقاؤهما لحكمة، وتأويل الخضر لشرح الحكمة.

لا تمُن الحياة دائمًا بخضر يخبرنا التأويل الذي ننتظر، ولكن لا ضير من التحلي ببعض المروءة وشرح أسبابنا للآخرين عند الفراق، والرأفة بهم مما لا يستطيعون عليه صبرًا.