ماذا تبقى من الصحوة الإسلامية؟

ظل الله ومملكته: رحلة الإسلام السُّني إلى «الإسلام السياسي»

الصورة: Robert Talbot Kelly

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر سبتمبر حول «ماذا تبقى من الصحوة الإسلامية». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


انهزم جيش المدينة وقُتل قادته، ومن تبقى منهم يساقون إلى القتل بدم بارد. المنتصرون يخترقون الشوارع ويقتلون ويسلبون ما يجدونه من أموال، أحاديث عن اغتصابات واسعة للنساء، وصحابة النبي خائفون ويهربون إلى الكهوف. يقتحم أحد الجنود الكهف على صحابي منهم، يستل الصحابي سيفه ليُفزع المقتحِم الذي يكمل شق طريقه إليه دون خوف، حينها يغمد الصحابي سيفه ويقول له: «لئن بسطتَ إليَّ يدك لتقتلني ما أنا ببساطٍ يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين».

ليس ذلك تصورًا تخيليًّا لهزيمة جيش النبي محمد في إحدى الغزوات، بل حدث عام 63 من الهجرة، في ما يُعرف بـ«وقعة الحرة»، حين بعث يزيد بن معاوية بن أبي سفيان جيشًا من الشام لقتال أهل المدينة، بعدما عزلوا واليه عليها وحاصروا من تبقى فيها من بني أمية، فأمهل الجيش أهل المدينة ثلاثة أيام ثم استباحها قتلًا. وقعة الحرة واحدة من المذابح التي شكلت الصدمة النفسية، التي ستصيب الفكر الإسلامي السياسي في مقاربته للسلطة والإمامة.

الرجل في الكهف كان أبو سعيد الخدري، وكان قدره رحيمًا، فبعد أن عرفه الرجل المقتحِم، ربما بسبب شهرة أبي سعيد كأحد أغزر رواة الحديث النبوي، تركه ومضى.

كثيرون لم ينالوا ذلك، يحكي شيخ من أهل المدينة«سألتُ الزهري: كم كان القتلى يوم الحرة؟ قال: سبعمئة من وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ووجوه الموالي، وممن لا أعرف من حر وعبد وغيرهم عشرة آلاف». ويروي ابن كثير كذلك أنه «وَلَدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج». ربما تكون الأرقام مبالغًا فيها، لكنها تبين بجلاء الأثر النفسي للوقعة في نفوس من روُوا عنها بعد ذلك.

جيش يزيد بين معاوية نفسه، قبلها بعامين فقط، في موقعة كربلاء، كان قد قتل الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد النبي، ومعه أبناؤه وعائلته دون أي رحمة. وبعدها بسنوات قليلة، سيضرب جيش عبدالملك بن مراون بقيادة الحجاج الكعبة بالمنجيق خلال محاصرته لعبد الله بن الزبير بن العوام، وابن أسماء بنت أبي بكر، ثم يقتله ويرسل رأسه إلى عبد الملك في الشام.

بجوار وقائع أخرى، تشكل هذه الثلاثة قلب الخبرة التاريخية المؤلمة التي سيتولد منها الخوف السني من «الخروج على الحاكم»، الخروج الذي ستصير شرعيته مرهونة بشرط مستقبلي هو أن يكون الخارج على الحاكم له القدرة على إزاحته بأقل قدر من «الشر» دون أن يفتح بابًا لمجرزة أخرى، وهو شرط لا يمكن التحقق منه إلا بحدوثه أو فشله.

تزخر الأدبيات السنية أيضًا بتصعيب شروط الخروج على الحاكم، لكن ليس لكون الإسلام السني مبنيًّا على التأييد الحماسي للحكام المتغلبين، بل لخوفه من تبعات ذلك. الشرعية التي يُسبغها الإسلام السني على الملك المتغلب هي شرعية الأمر الواقع، وهكذا فإن مقولة «المُلك لمن غلب» لا تبدو مقولةً محتفيةً بالملك المتغلب، إنها أشبه بحكمة تاريخية قاسية تقر بواقع الأمور: المُلك لمن غلب.

الفعالية وليس اليوتوبيا

الصدمة النفسية الناتجة عن العنف الأموي تجاه معارضي الأمويين من الصحابة وأبنائهم ستخلق التيارَيْن الإسلاميين الأكبر: السنة والشيعة، وكلاهما سيكون أثرًا للوحشية وردًّا عليها أكثر من كونه يمتلك رؤية مبدئية للسلطة.

سيتطور الإسلام الشيعي مصابًا بالصدمة وبالذنب من واقعة مقتل الحسين مخذولًا من أهل العراق الذين لم ينقذوه، وسيعتقد الإسلام الشيعي أن الإمامة/السلطة من حق نسل علي باختيار إلهي ونص نبوي، أي سيتطور في اتجاه انتظار تحقق اليوتوبيا، الاتجاه الذي سيجد تحققه الكامل عند الشيعة الاثني عشرية في اختفاء الإمام الثاني عشر وانتظار قدومه ليحقق العدل في الأرض.

في المقابل، لن تجعل الصدمة الإسلام السني يفكر في انتظار المخلِّص، بل ستخلق لديه حسًّا واقعيًّا سيغلب على الداوم أي أفكار مثالية.

فمثلًا، سيطور السنة نظريات لاختيار الخليفة عن طريق أهلٍ للحَلِّ والعَقْد، ينظرون في مَن هو الأصلح للمهمة، لكنهم بالتوازي سيطورون معها كيفية تجاوزها للرضوخ للأمر الواقع. هناك شروط للخلافة وشروط لأهل الحل والعقد، العدالة والعلم وغير ذلك، لكنها كلها تصبح غير ذات معنى ما دام المُلك لمن غلب، وما دامت الإمامة تنعقد بعهد من الإمام لمن يليه، وهي الثغرة التي عن طريقها اكتسبت الملكية الوراثية شرعيتها.

هناك طريقتان للخلافة في التنظير السني: يختار أهل الحل والعقد الإمام ويبايعه المسلمون، أو يعهد إليه الإمام الذي سبقه بالخلافة.

في كتابه «الأحكام السلطانية»، وبعد حديثه عن الشروط الواجبة في الإمام مثل العدالة والعلم، يقول أبو يعلى الفرَّاء الحنبلي: «رُوي عن الإمام أحمد (ابن حنبل) ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل، فقال: ومَن غَلَبَهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا عليه، بَرًّا كان أو فاجرًا، فهو أمير المؤمنين».

حصر الإسلام السني نفسه في دائرة متناقضة، فهو يفكر في شروط اختيار الإمام، ثم يعتقد أن انعدام وجودها كلها لا يترتب عليه أي شيء على الإطلاق، وأن الحاكم المتغلب يظل متمتعًا بالشرعية رغم كل مثالبه. ويبدو مثيرًا أن الفراء يستشهد في التنظير لشرعية المتغلب بجواب الإمام أحمد عندما سُئل «في الإمام يخرُج عليه من يطلب المُلك، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم، (فأجاب): تكون الجُمعَة مع من غلب. واحتج بأن ابن عمر صلى بأهل المدينة في زمن الحرة، وقال: نحن مع من غلب».

إذًا، في التنظير السني كانت هناك طريقتان للخلافة، الأولى أن يختار أهل الحل والعقد الإمام ويبايعه المسلمون، والثاني أن يعهد إليه الإمامُ الذي سبقه.

تختلف الآراء إن كانت الخلافة تثبُت لمن عُهِد إليه بها بعد رضا أهل الاختيار أم لا، والجمهور مع أنه لا يُشترط رضا أحد، استنادًا إلى الواقعة التي عهِد فيها أبو بكر بالخلافة إلى عمر بن الخطاب دون أن ينتظر رضا الناس. وفي كل الأحوال، فمهما كانت طريقة اختيار الخليفة شرعية أم لا، برضا أو دون رضا، فهذا الخليفة ما أن ينكسر حتى تصبح طاعة المنتصر واجبة.

رغم أن الجزئية الخاصة بكيفية تجاوز شروط الحاكم هي ما تم تفعيله تاريخيًّا، فإن التفكير في الجانب الآخر، أي في السباحة الفكرية التجريدية لكيفية اختيار الحاكم، توحي بأن المنطق وراء شرعنة المتغلب لم يكن لإضفاء شرعية أصيلة بقدر ما هو اجتنابٌ لشروره، فهي أثر للصدمة القديمة التي يحاول المسلمون السنة عدم تكرارها مرة أخرى.

باستعباد أثر الصدمة، والتوجه إلى الطريقة الأكثر تجريدًا لاختيار الحاكم، وهي الطريقة التي لم تُختَبر قط، فقد رأى السنة أن الإمامة تنعقد باختيار أهل الحل والعقد، يجتمعون وينظرون في من تتحقق فيه شروط الإمامة، ثم يختارون أكثرهم تأهيلًا.

لكن من هم أهل الحل والعقد؟ وكيف نختارهم؟ وفي أي بلد؟ وكم عددهم؟

يقول الماوردي أن انعقاد الإمامة يكون «باختيار أهل الحل والعقد، فقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة فهم على مذاهب شتى، فقالت طائفة لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل في كل بلد، ليكون الرضاء به عامًّا والتسليم بإمامته إجماعًا».

أهل الحل والعقد مصطلح غامض، ورغم ميل الماوردي والفراء إلى أن المقصودون به ذوو العدالة والرأي، فإنه يمكن تفسيره بأنهم ذوو الشوكة الذين يحلون الأمور ويعقدونها، وهو تفسير أبو المعالي الجويني، وهو بهذا مصطلح لا يبتعد كثيرًا عن «المُلك لمن غلب» كحكمة تاريخية، فبالتأكيد لا يمكن لأحد أن يتولى مُلكًا إن لم يكن أهل الحل والعقد بهذا المعنى في صفه. أما إن كان من في صفه أهل الحل والعقد بمعنى أهل المعرفة أو الدين الذين لا يملكون سوى علمهم، فلن يلبث طويلًا حتى يتغلب عليه من هو أقوى منه، ثم يكون حكم الأخير شرعيًّا بمجرد حدوث الغلبة.

أحد أسباب التخبط السني في تكوين فكرة عن اختيار الإمام أنه ما مِن طريقة لاختياره عن طريق أهل الحل والعقد في كل البلاد.

في العموم، يخترق التفكير السني في مسائل السلطة اهتمامٌ أصيلٌ بالنجاعة وليس بتحقيق المثال، وشرعية الإمام تعني قدرته على الحكم فعلًا، وليس مجرد أحقيته بذلك، ويظهر هذا جليًّا في كلام الجويني في كتابه «غياث الأمم في التِياث الظُّلَم»، خلال مناقشته لعدد وصفات أهل الحل والعقد.

يرى الجويني «أن نعتبِر في البيعة حصول مبلغ (عدد) من الأتباع والأنصار والأشياع، يحصل بهم شوكة ظاهرة ومَنَعَة قاهرة، بحيث لو فُرض ثَوَران خلاف لما غلب على الظن أن يصطلم (يخسر) أتباع الإمام. فإذا تأكدت البيعة وتأطدت بالشوكة والعدد، واعتضت وتأيدت بالمنة، واستظهرت بأسباب الاستيلاء والاستعلاء، فإذ ذلك تثبت الإمامة وتستقر، وتتأكد الولاية»، أي أن البيعة تصبح شرعية عندما تتمكن فعلًا.

أحد أسباب التخبط السني في تكوين فكرة واضحة عن كيفية اختيار الإمام أنه ما من من طريقة لتحقيق المثال، الذي يمكن افتراض أنه اختيار الإمام عن طريق أهل الحل والعقد في كل البلاد، أهل الحل والعقد الذين سيُعرَّفون في المنظور المثالي على أنهم أهل العلم والخبرة، وليسوا الرؤساء والمتنفذين وذوي الشوكة.

مشكلة هذا التصور المثالي واضحة، فلا يمكن عمليًّا في الزمان القديم أن يجتمع أهل الحل والعقد من كل بلد ليختاروا إمامًا يتفقون عليه، فضلًا عن عدم وجود آلية لاختيارهم هم أنفسهم، وليس هناك وجود لتعريف واضح بمن يكون من حقه اختيارهم من عدمه، ولا يمكن أن تنتظر إمبراطورية مترامية الأطراف تجمُّع هؤلاء حتى يتفقوا على اختيار رجل واحد يوكلون إليه الأمر، وفي غيبة أي طريقة لتفعيل المثال، بدا النظام الملكي الوراثي أكثر فعاليةً وقدرةً على ضمان درجة من الاستقرار والاستمرارية.

الاهتمام بالفعالية واضح أيضًا في حسم فكرة هل يجوز استخلاف إمام في وجود من هو أفضل، والحسم يكون للنجاعة. يقول الجويني إنه «لا خلاف أنه إذا عسر عقد الإمامة للفاضل، واقتضت مصلحة المسلمين تقديم المفضول، وذلك لصغو الناس وميل أولي البأس والتجدة إليه، ولو فُرِض تقديم الفاضل لاشرأبت الفتن وثارت المحن، تعيَّن إيثار ما فيه صلاح الخليقة»، أي استخلاف المفضول.

مسألة اختيار الإمام أو القبول بشرعيته في الإسلام السني ليست تفكيرًا في من سيتمكن من تحقيق اليوتوبيا، بل في من سيتمكن من الحكم فعلًا. الشرعية هنا شرعية تسيير الأمور بأقل الحروب والدماء الممكنة. وما دام محور التفكير السني هو النجاعة وليس اليوتوبيا، يصبح وجود من يسيِّر مهام الدولة، من حمايةٍ للمسلمين وبلادهم وإدارة شؤون حياتهم، مقدَّمًا على خوض حروب داخلية يمكن تجنبها، من باب «ما لا يُدرَك كله».

ظِل الله على الأرض: استبعاد الجمهور

لوحة «الصلاة في القاهرة» لـ«Jean-Léon Gérôme»

رأى أبو حامد الغزالي أن من أعطاه الله درجة الملوك وجعله ظله في الأرض، يجب على الخلق محبته وطاعته، ولا يجوز لهم معصيته.

في كل ما سبق، كان عموم الناس كيانًا شبحيًّا، ينوب عنهم «أهل الحل والعقد» في اختيار وبيعة الإمام، ويختلط مفهوم «البيعة» نفسه بين التعبير عن الرضا والتعبير عن الرضوخ، وهو الاختلاط الحادث في كل التفكير السني في السلطة عامة.

لم يكن هناك مثال سني يُدعَى إليه، فيتصدر أكثر المؤمنين به بقية المؤمنين للعمل على تحقيقه، وهو الأمر الملاحَظ حدوثه عند كثير من الشيعة، الذين أنشؤوا تنظيمات سياسية سرية قوية بهدف تمكين الإمام من الوصول إلى السلطة، وبالتالي أصبح الموقف من تدخل الجمهور في السياسة سلبيًّا في العموم.

أحيانًا لأن المُلك فضل إلهي يؤتيه من يشاء، مثلما يقول أبو حامد الغزالي في «نصيحة الملوك»، فينبغي أن يُعلم أن «مَن أعطاه (الله) درجة الملوك، وجعله ظله في الأرض، فإنه يجب على الخلق محبته، ويلزمهم متابعته وطاعته، ولا يجوز لهم معصيته ومنازعته، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعو الرسول وأولي الأمر منكم، فينبغي لكل من آتاه الله الدين أن يحب الملوك والسلاطين وأن يعطيهم في ما يأمرون، ويعلم أن الله تعالى يعطي السلطنة والمملكة، وأنه يؤتي ملكه من يشاء، كما قال في محكم تنزيله».

لكن في أغلب الأحيان يكون النهي عن التدخل في الصراع السياسي بسبب عواقب ذلك. ومثيرٌ هنا أن النهي السني عن الخروج على الحاكم هو نهي مرتبط، في الأساس، بموازين القوى، وما دامت السلطة القائمة أقوى وأقدر على القمع، فإن الخروج عليها يصبح محرمًا لحماية الناس، وليس لأن السلطة في ذاتها مثال لا يجوز هدمه.

يقول الجويني إن «المتصدي للإمام إذا عَظُمَت جنايته وفشى احتكامه وبدت فضاحته وتتابعت عثراته وخيف بسببه ضياع البضة وتبدُّد دعائم الإسلام، ولم يجد من تنصبه للإمام حتى ينتهش لدفعه حسبما يدفع البغاة، فلا يطلَق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا، فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأُبيدوا، وكان ذلك سببًا في ازدياد المحن وإثارة الفتن، ولكن إن اتفق رجل مُطاع ذو أتباع وأشياع ويقوم محتسبًا، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه، فليمضِ في ذلك قدمًا والله نصيره».

بالتأكيد يبدو موقف الجويني هنا ثوريًّا بعض الشيء، خصوصًا أنه رغم رفضه ثورة آحاد الناس وتقييده الخروج على الحاكم باتباع رجل قوي قادر على إنجاز المهمة، وهو معيار لا يمكن التحقق منه إلا بعد تجربته على كل حال، فإنه لم يربط هذا الخروج بـ«كفر» الحاكم، بل بمجرد فساده، وهو لذلك رأي يعتبر أقلَّوي، وإن كان من الممكن تفهمه بكونه يعكس عملية التغلب، فلو كان ممكنًا الاعتراف بشرعية المتغلب على الإمام الشرعي، لكان من المنطقي، أيضًا، الاعتراف بشرعية المتغلِّب على المتغلِّب.

احتضنت الخلافة الشرعية الدينية والدنيوية، لأن الخليفة خليفةٌ للرسول كنبي وكحاكم، لكنها لم تعنِ أكثر من تحريم الخروج عليهم.

انتهى تاريخ الإسلام السياسي السني مبكرًا، أي تاريخ المنازعات السياسية التي يتنافس فيها من يعتبرون أنفسهم مستحقين للشرعية الأصلية للسلطة، وانتصر تاريخ الحكم الملكي الصريح الذي لا يدَّعي تحقيقه لأي مثال.

استبطن جمهور علماء السنة النهي عن الخروج على الحاكم لتحقيق المثال، بسبب الخوف من عواقب ذلك على الخارجين وعلى مصير الدولة، لدرجة أنهم في أحيان كثيرة أصبحوا لا يبررون تحريمهم لهذا الخروج، بل يقولونه كأنه قاعدة أصلية.

لعلنا نستشهد هنا بكلام أحمد بن حنبل في رسالته «أصول السنة»، التي يرى فيها أن مِن أصول السنة «السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البَر والفاجر، ومن وَلِي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به وغلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمي أمير المؤمنين (...) ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كانوا اجتمعوا عليه وأقروا بالخلافة بأي وجه كان، بالرضا أو الغلبة، فقد شقَّ هذا الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية».

في العموم، شكلت الرضة النفسية والثغرات التي فتحها الفقهاء للحكام المتغلبين ليشرعنوا ملكهم، إنهاءً لأي إمكانية لتطور التفكير السياسي السني. لقد حوصر بالتناقضات، ولم يتطور نظام الحكم تاريخيًّا لأنه أصبح مجرد حكم ملكي. كذلك، ورغم احتضان «الخلافة» لكلٍّ من الشرعية الدينية والدنيوية، كون الخليفة خليفةً للرسول كنبي وكحاكم، فقد كان بديهيًّا أن الشرعية الدينية للسلاطين لا تعني أكثر من تحريم الخروج عليهم، وهو تحريم يفتح ثغرة لمن يستطيع الخروج أن يفعل على أي حال، فهي شرعية سلبية لا تُثبت لهم أي فضل أو أحقية أصيلة بموقعهم، عكس الشرعية الدينية لآل البيت مثلما تقدم.

ورغم الوحشية الأموية التي أسست لهيبة الخلافة، فقد افتقر معارضيها إلى أي طرح كلي مضاد للفكرة الوراثية نفسها، بل كانت غايتهم، كغاية أغلب ثوار ما قبل العصر الحديث، تنصيب حاكم أكثر عدالة.

انهيار بداهة الملكية

محمد عبده

«ذلك أهالي مصر قبل سنة 1876 كانوا يرون شؤونهم العامة، بل والخاصة، مِلكًا لحاكمهم الأعلى ومن يستنيبه عنه في تدبر أمورهم، يتصرف فيها حسب إرادته، ويعتقدون أن سعادتهم وشقاءهم مَوْكُولان إلى أمانته وعدله أو خيانته وظلمه، ولا يرى أحد منهم لنفسه رأيًا يحق أن يبديه في إدارة بلاده، أو إرادة يتقدم بها إلى عمل من الأعمال يرى فيه صلاحًا لأمته». محمد عبده في الجزء الأول من «الأعمال الكاملة».

محاور الحكم الجديدة كلها محاور دنيوية تريد تحقيق شيء ما في المستقبل القريب، وتتوقف شرعيتها على قدرتها على تحقيق وعودها للناس.

انبنى التفكير السياسي السني في غالبيته على الرضوخ لشرعية الحكم المتغلب والتمحور حول النجاعة وليس اليوتوبيا، وهذا بالضبط ما ستحطمه الحداثة السياسية، لتعيد توجيه التفكير السياسي إلى البحث عن المثال، تحقيق اليوتوبيا، وتكسر أيضًا بداهة الحكم الملكي لصالح أنماط جديدة من الحكم، يكون منطلقها الأساسي تعبيرها عن هوية أو مصلحة عموم الناس، الذين اكتسبوا حق الطموح في المشاركة في تشكيل دولتهم بالأصالة عن أنفسهم، وليس فقط تأييدًا لحاكم أكثر عدالة.

يوضح كلام محمد عبده في الأعلى التصور العام التاريخي لعلاقة الحاكمين والمحكومين، التصور الذي أدى انهيار هيمنته إلى التمكن من ملاحظته كخاصية سلبية. كان عبده يتحدث بالأساس عن تأثير جمال الدين الأفغاني في خلق الحِس المعاكس، الراغب في حكم دستوري يقيد سلطة الملك.

توازى تجديد الفكر السياسي ذلك مع صعود أيديولوجيات كبرى تدعي أنها الأصلح لتحقيق مصلحة الناس أو التعبير عن طموحاتهم، فإذا كان الحكم الملكي لم يعد بديهيًّا ومن طبائع الأمور، فالحكم الجديد إذًا يحتاج إلى دعائم مغايرة غير التغلب، هذه الدعائم كانت الوعد بيوتوبيا دنيوية، يكون محورها العدالة والمساواة عند المذاهب اليسارية، والحرية الفردية عند الليبرالية، وتحقيق الحلم القومي و«مجد الأمة» عند القوميين.

هذه المحاور كلها محاور دنيوية، أي تريد تحقيق شيء ما في المستقبل القريب، وتتوقف شرعيتها على قدرتها على تحقيق هذه الوعود للناس. وبما أن المُلك قد انكسر بفعل خروج الجماهير في الشوارع لإسقاطه في ثورات وانتفاضات شعبية، وبما أن كل الناس أصبحوا متساوين، بفضل تحريم العبودية المستند إلى أن الإنسان الفرد قيمة في ذاته، أضحى حق التطلع إلى المشاركة في الحكم باسم هذه الوعود مفتوحًا لكل الناس وليس لطبقات دون أخرى.

انهارت بداهة الملكية، مع تشكل جنيني لفئات مثقفة حديثة منشغلة بالتفكير في النهضة، مع مواجهة المستعمر، تيارات قومية وليبرالية ومحافظة، لكن كل ذلك نفذ أيضًا عملية أكثر جذرية، إذ زحزح الدين كجوهر للتفكير السياسي لصالح التمحور حول هموم أكثر دنيوية، هذه الهموم ستطلب وقتًا لتُكِّون فئات اجتماعية أخرى ردًّا للدين عليها ومحاولةً لإعادته إلى مركز الحياة.

كان انهيار بداهة الحكم الملكي ملائمًا لصعود تيارات الليبرالية والقومية واليسارية، كون هذه التيارات نفسها ابنة هذا الانهيار، وابنة محاولات التحديث والابتعاث إلى الخارج، وابنة محاولة التشبه بالنهضة الغربية، وهي كذلك الأقدر على مقارعة الاستعمار باسم الاستقلال القومي، الذي هو نفسه فكرة جديدة بدوره، بينما الدين، مركز العالم القديم، سيستهلك وقتًا حتى يهيئ لنفسه الفكرة التي تحاول جعل العالم الجديد يدور حوله مرة أخرى.

سقوط الخلافة: الإسلام ملكٌ للجميع

السلطان العثماني مصطفى الثالث - الصورة: Lycee Victor Duruy

كان الدين، بصفته مركزًا للعالم القديم، حاضرًا من البداية في عملية التفكير في النهضة الوطنية، ولذلك كانت محاولات تجديد الخطاب الديني أولى محاولات التجديد الفكري بشكل عام، لكن الدين كان في هذه المحاولات درعًا يستخدمه المثقفون للمطالبة بتقيد سلطة الملك/السلطان. وبشكل عام، كان المطالبون بحكم دستوري، مثل أغلب أنصار ثورة عرابي، ذوي نزعة محافظة، وإن لم تمنعهم هذه النزعة من الثورة، لكن الدين لم يكن منطلقهم، بل الوطنية.

هو ما يوضحه كلام محمد عبده في مقال في منفاه بعد فشل الثورة، الذي قال فيه: «أحب بلادي. ما أحب أن يكون الحاكم فيها تركيًّا ولا جركسيًّا، لأن استعداد أهل بلادي للحكم أقوى من استعداد هذين الجيلين. كنت أحب أن تكون بلادي حرة مستقلة، وحاكمها تحت قانون محترم، لا تحت تصرف هوى نفسه وأهواء حاشيته، وأن يكون قادرًا على حفظ القانون، محبًّا لرعيته، شأن كل حاكم يحب الخير لنفسه وبلاده».

عملية تحول الدين إلى نظرية سياسية بيد جماهير عادية تبتغي تحقيق عالم مثالي، لم تكن بعد ممكنة بوجود متحدث رسمي باسم الإسلام: الخلافة.

كانت السلطنة العثمانية منذ القرن التاسع عشر قد مرت بمحاولات تحديث، مثلها في ذلك مثل مصر في عهد محمد علي، ونشأت داخلها تيارات تدعو إلى التحديث والحكم الدستوري، وتيارات تدعو إلى القومية التركية الطورانية، ونشأت في دولها العربية حركة قومية تدعو إلى حكم أقل مركزيةً، وإلى إعطاء العرب نصيبًا أكبر في حكم أوطانهم، وإن ظلت هذه الحركة طويلًا لا تدعو إلى الانفصال الكامل عن العثمانيين.

ورغم أن السلطنة العثمانية لم تكن تحكم كل البلاد ذات الغالبية المسلمة، وربما حتى لم تكن تحكم أغلبها، فإن وجودها في ذاته كان يمنع الجمهور من التحرك باسم الدين، لكون الدين له صاحب هو الخليفة، حتى لو تحول هذا الخليفة، بعد انقلاب الاتحاد والترقي عام 1909، إلى حاكم صوري، بينما يدير الحُكم تيار قومي تركي.

لا يعني هذا بالطبع أن انكسار بداهة الملكية لم يجعل المسلمين ينتقدون الخليفة والملوك، بل كانوا يطالبون بالحريات السياسية وبالشورى ويدمغون كل هذه المطالبات باسم الإسلام. ومن الجيد التذكير هنا بأن كتاب «طبائع الاستبداد» لعبد الرحمن الكواكبي إنما كان موجهًا بالأساس لانتقاد تسلطية الخليفة/السلطان عبد الحميد الثاني نفسه وليس أحد آخر، عبد الحميد الثاني الذي كانت أغلب الانتقادات الموجهة إليه مبنيةً على تعطيله دستور 1876، الذي رأي فيه كثيرون وقتها خطوة إصلاحية كبيرة.

بنهاية نظام الخلافة، أصبح من حق أي أحد أن يصل إلى السلطة باسم الدين ويبني دولة جديدة، ما دامت أي دولة موجودة لا تدَّعي أنها دولة الإسلام.

في مطالبته بالحرية السياسية، يستند الكواكبي إلى الإسلام ويبتعد عن التقليد السني التاريخي، فيقول: «جاء الإسلام، مؤسَّسًا على الحكمة والعزم، ومحكِّمًا لقواعد الحرية السياسية المتوسطة بين الديموقراطية والأرستقراطية، فأسس التوحيد، ونزع كل سلطة دينية أو تغلبية تتحكم في النفوس أو في الأجسام، ووضع شريعة حكمه صالحةً لكل زمان وقوم ومكان، وأظهر للوجود حكومة كحكومة الخلفاء الراشدين، التي لم يسمح الزمان بمثال لها بين البشر حتى ولو يخلفهم فيها بين المسلمين خلف، إلا بعض شواذ كعمر بن عبد العزيز».

«هذا الطراز السامي من الرياسة هو الطراز النبوي المحمدي، لم يخلفه فيه إلا أبو بكر وعمر، ثم أخذ بالتناقص وأخذت الأمة تطلبه وتبكيه من عهد عثمان إلى الآن، وسيدوم بكاؤها إذا لم تنتبه لاستعواضه بطراز سياسي شوري، ذلك الطراز الذي اهتدت إليه بعض أمم الغرب، التي استفادت من الإسلام أكثر مما استفاده المسلمون».

تأريخ الكواكبي لعهد الخلافة الراشدة، كالعهد الوحيد الإسلامي الذي يمكن الاستناد إليه، والإهمال الجذري لبقية تاريخ الخلافة كله، هو تأريخ سيشترك فيه كل الإسلاميين بعدها، وهو تأريخ يستبعد بالضرورة كل التفكير السياسي السني المبني على النجاعة والإذعان للمتغلب، ولا ينتقد الاستبداد بسبب موقف فقهي أو عَقَدي من الخليفة، بل لخلاف سياسي محض يرى الاستبداد آفة كل شر. لكنه في انتقاده هذا لا يطمح هو بشخصه إلى السلطة، ولا ينتقد المنظومة نفسها، فالخليفة/الملك يظل منصبًا شرعيًّا معبرًا عن الدين، وإن كان يرجو إصلاحه بتوسيع دائرة الشورى والسماح بالاختلاف داخل هذا النظام.

بخسارة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، وعدم قدرة ما تبقى من الجيش التركي على السيطرة سوى على تركيا وحدها دون أي دولة أخرى، أصبحت الخلافة عمليًّا هي الدولة التركية، ولم يتبقَّ إلا إعلان ذلك. وبإعلان انتهاء نظام الخلافة، لم يعد للدين صاحب، بل صار ملكًا للجميع، من حق أي حد أن يصرِّح برغبته للوصول إلى السلطة باسم الدين، ومن حقه التفكير في بناء دولة جديدة، ما دامت أي دولة موجودة الآن لا تدَّعي حتى أنها دولة الإسلام.

إسلام «الأفندية»

حسن البنا

«إنَّا نعتقد أن الإسلام معنًى شامل ينتظم شؤون الحياة جميعًا، ويُفتي في كل شأن منها ويضع له نظامًا محكمًا دقيقًا، ولا يقف مكتوفًا أمام المشكلات الحيوية والنظم التي لا بد منها لإصلاح الناس». حسن البنا في رسالة «دعوتنا».

كان انتهاء الخلافة فرصة ذهبية لـ«الأفندية المتدينين» المحافظين الراغبين في التحرك في المجال العالم والمطالبة بالسلطة باسم الدين. ورغم أن العنوان العريض للإسلام السياسي في بدايات تبلوره سيكون الدعوة إلى إعادة الخلافة، فإن عدم وجودها نفسه هو ما سيسمح لها بالتبلور في اتجاه سيسمح لها مستقبلًا بالتطور نحو انتقاد شكل الخلافة الإسلامية التاريخي ذاته.

كان ميلاد الجماعة إيذانًا ببدء عصر الحركات السياسية السنية التي تتطلع لتحقيق المثال، ويقودها «أفندية» متعلمون لا يستندون في زعامتهم السياسية إلا إلى مواهبهم الشخصية وتمثيلهم للفكرة الإسلامية الجديدة.

عندما كان البنا يؤسس جماعته، كان بالفعل ابنًا صافيًا للعالم الجديد، الأفندي الذي رأى أنه كمواطن في دولة حديثة يحق له، بالبديهة، أن يشارك برأيه ويتطلع إلى السلطة، وأن يخطط لذلك، مجردًا من أي وسيلة سلطوية تقليدية مثل الادعاء بالأحقية الدينية بالنسب أو بمبايعة المسلمين. لم يكن مجرد شيخ دين تقليدي ذا استقلالية يعظ الناس ويحذرهم، ولا حتى عالم دين بارز يستند إلى مكانته العلمية، كان البنا يؤسس حزبًا حديثًا بصفته مواطنًا من الجمهور يرى لنفسه الحق في ممارسة السياسة.

لكن البنا، الذي أخذت جماعته تتعاظم في الحجم والانتشار، وأخذ هو يحاول تطوير أفكاره السياسية، موجهًا انتقادات جزئية إلى الدستور وداعيًا لحل الأحزاب وراضيًا بالشكل البرلماني للحكم، لم يطرح أي نظرية كبرى عامة سوى الحديث المجرد عن أن الإسلام نظام حكم متكامل يجيب عن كل شيء في الحياة.

كان حسن البنا متخلصًا من الاستبطان السني للقمع كعدو كلي القدرة لا يجب مواجهته، بل حمَّس أنصاره لتحمل هذا القمع في سبيل الفكرة.

وفيما كان معيار الإسلام السني هو الفعالية شبه الفورية، ولم يعرف تنظيمات سياسية تعمل طويلًا للوصول إلى السلطة، فالبنا، في رسالة «بين الأمس واليوم»، كان يصارح أتباعه بأن طريقهم طويل.

قال إنهم سيؤذون وإن «جهل الشعب بحقيقة الإسلام سيقف عقبةً في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم، وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء ،وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فستسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان، ولكن الله وعدكم مِن بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين، فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟».

هنا يبدو البنا متخلصًا من الاستبطان السني للقمع كعدو كلي القدرة لا يجب مواجهته على أي حال، بل يحمس أنصاره لتحمل هذا القمع في سبيل الفكرة. وبينما كان جمهور السنة يحذرون من عواقب الخروج على الحاكم، ويحاولون بكل الطرف تفادي الاصطدام، فإن البنا سيجعل «الجهاد»، والجهاد هنا جهاد لتحقيق المثال، أحد ركائز دعوته، «فإما النصر والسيادة وإما الشهادة والسعادة».

صراحة البنا في دعوة أتباعه إلى الاستعداد لمواجهة القمع، وهو يتحدث في أواخر الثلاثينيات، تحيلنا إلى التفكير في سبب يقينه من حدوث هذا القمع، الذي كان بعيدًا وقتها. وبشكل عام، هناك حضور واضح في رسائل البنا لفكرة المواجهة والاستعداد، ليس فقط الاستعداد للقمع، ولكن أيضًا الاستعداد لتنفيذ الفكرة، تحكيم الإسلام في كل شيء، وإن لم تأخذ هذه الفكرة شكلًا واضحًا.

يقسم البنا المراحل التي ستمر بها دعوته إلى ثلاثة أقسام: مرحلة الدعاية والتعريف، ثم مرحلة التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود، ثم بعد ذلك مرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج، لكن ما شكل مرحلة التنفيذ هذه؟ غير واضح إلا أنها مرحلة التحقق الكامل لفكرة الإخوان المسلمين مثلما يقول البنا، وإن لم يوضح ماهيتها.

وإن كان البنا، في رسالة المؤتمر الخامس نفسها، عند الحديث عن موعد «الخطوة التنفيذية»، يقول لأنصاره إنه «في الوقت الذي يكون فيه منكم، معشر الإخوان المسلمين، ثلاثمئة كتيبة جُهِّزت كلٌّ منها نفسيًّا وروحيًّا بالإيمان والعقيدة، وفكريًّا بالعلم والثقافة، وجسميًّا بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالِبوني بأن أخوض بكم لُجَجَ البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزوا بكم كل عنيد جبار، فإني فاعلٌ إن شاء الله، وصدق رسول الله القائل: ولن يُغلَب اثنا عشر ألفًا من قِلَّة».

على الأغلب، لا ينتظر البنا تكوُّن ثلاثمئة كتيبة بهذا الوصف ليخوض بهم الانتخابات البرلمانية، وإن ورد مصطلح «القوة التنفيذية» مرة في سياق تبريره دخول الإخوان إلى البرلمان، وأن «القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام، تدخل في نطاقه وتندرج تحت أحكامه، وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركن من أركانه وفريضة من فرائضه، وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية وإصلاح الأداة التنفيذية».

لكن البنا يكرر غير مرة الحديث عن الاستعداد واحتمالية استخدام القوة، ففي رسالة «منهاج الإخوان» يقول إن «الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يٌجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسيُنذِرون أولًا، وينتظرون بعد ذلك، ثم يُقْدِمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح».

عاش البنا في دولة ملكية، وهو نظام مبرَّر وشرعي في الإسلام السني، ولا يمكن نقده بسهولة باستخدام الدين، فكيف تصور البنا نظامًا بديلًا؟

عدم وضوح فيمَ ستستخدم هذه القوة، وفي شكل هذه الخطوة، قد يحيله البعض إلى أن البنا كان يخطط للوصول إلى الحكم بالقوة في وقتٍ ما عندما يكون مستعدًا، ولكن هذا التفسير قد لا يصمد أمام الغموض المستمر في كتابات البنا عن ذلك في كل المراحل وباختلاف الأحوال السياسية، وحتى هذا التفسير لا يمكن بواسطته حسم إن كان الرجل قد فكر في تشكيل حكومة بالقوة، أم في إزاحة الملك نفسه.

بالطبع يمكن تفسير الخطوة التنفيذية بأنها مجرد دخول الانتخابات، عن طريق الاستشهاد بكلام البنا السابق عن إصلاح الأداة التنفيذية، لكنه تفسير أيضًا يعجز عن توضيح أسباب مركزية الاستعداد البدني والرياضي والسمع والطاعة للقيادات، والاستخدام المكثف للمصطلحات العسكرية في كتابات البنا.

ما يبدو أكثر صلابةً في تفسير هذا الغموض هو افتراض أنه غموض أصيل في ذهن البنا نفسه، وليس مجرد مراوغة خطابية، أن الرجل كان مشتتًا بين الطموح للوصول إلى القوة وبين الإصلاح من الداخل، وهو غموض يمكن ببساطة فهمه في إطار أنه لم يمتلك تصورًا كاملًا لعالم مختلف تمامًا عن الذي وُجد فيه، وإن كان يرفض هذا العالم. ونقص التصور البديل مع رفض الموجود من الطبيعي أن يجعله مشتتًا بين الوعد بتغيير كامل سيأتي بمجرد القدرة على إنفاذه بالقوة، وبين العمل على إصلاح الموجود مع تغييرات بسيطة هنا أو هناك.

هناك نقطة قد تكون أوقفت خيال حسن البنا في تصور النظام البديل، هي أنه كان يعيش في دولة ملكية، والنظام الملكي عامةً نظام مبرَّر وشرعي في الإسلام السني، ولا يمكن نقده في ذاته بسهولة باستخدام الدين. وما دام الأمر كذلك، فأقصى ما سيسعفه به خياله أن يجعل نفسه ندًّا للأحزاب وليس للقصر، الأحزاب التي ظل يكرر أنه يجب حلها، وأن النظام البرلماني من الممكن قيامه دون أحزاب.

كيف إذًا سيصل البنا بالقوة إلى الحكومة في وجود ملك شرعي له قوة أيضًا؟ وما بديل النظام الملكي أصلًا؟ وهل رفضه للنظام القائم يصل إلى درجة ضرورة العمل على إنهائه تمامًا واستبداله بنظام إسلامي؟ يتوقف تفكير البنا عند هذه التناقضات ولا يقدر على تجاوزها.

مملكة الله على الأرض

سيد قطب

«إن هذا الدين إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية للعباد، وذلك بإعلان الألوهية لله وحده، إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصورة. هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصَب ورده إلى الله، معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض». سيد قطب في «معالم في الطريق».

قطب ليس مترددًا كالبنا في موقفه من النظام الذي يعيش فيه، لكن وضوح قطب ليس فقط مرتبطًا باختلاف طبائع الشخصيتين، بل أيضًا بالمساحة المفتوحة للخيال عند كلٍّ من الرجلين.

خيال البنا كان محصورًا في النظام الملكي، ولم يقدر على تخيل عدم وجوده، بينما كان قطب يناطح نظامًا جمهوريًّا مبنيًّا على مساواة الناس جميعهم، وعلى شرعية طموح كل فرد، بشكل نظري طبعًا، للتطلع إلى الحكم بشكل صريح. كذلك، كانت شرعية النظام الملكي ضاربة في عمق تاريخ الإسلام، بينما كانت الجمهورية حديثة من الممكن معاندتها بشكل جذري والدعوة إلى تحطيمها تمامًا.

هذا يفسر ما وصل إليه أبو الأعلى المودودي في الهند، التي لم تكن تحت حكم ملكي بل تحتلها بريطانيا، ثم انفصل المسلمون عنها بدولة جمهورية هي باكستان، إذ رأى في كتابه «الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية» أن «ما نحن بصدده الآن من الكفاح إنما هو إحداث الانقلاب في القيادة، وأعني بذلك أقصى ما نبتغي الوصول إليه والظفر به في هذه الدنيا، أن نطهر الأرض من أدناس قيادة الفسقة الفجرة وسيادتهم، ونقيم فيها نظام الإمامة الصالحة الراشدة». لكن هذا هو الانقلاب والتحطيم، فماذا عن البناء والنموذج البديل؟

لم يعتبر قطب خلو طرح «أصحاب الدعوة» من أي نظرية سياسية أو تصور للنظام البديل عجزًا، بل أمر طبيعي يتسق مع طبيعة الإسلام نفسه.

وبينما كان البنا يرضخ للنظام الدستوري والبرلماني، وإن كان يطالب بإصلاحات فيه، فإن قطب صادر على السؤال واعتبر مجرد طرحه من البداية تربصًا واستهزاء، فـ«الجاهلية التي حولنا، كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية، فهي كذلك تتعمد أحيانًا أن تحرجهم، فتسألهم: أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه؟ وماذا أعددتهم لتنفيذه من بحوثه ومن دراسات ومن فقه مقنن على الأصول الحديثة».

«كأن الذي ينقص الناس في هذا الزمان لإقامة شريعة الإسلام في الأرض هو مجرد الأحكام الفقهية، وكأنما هم مستسلمون لحاكمية الله راضون أن تحكمهم شريعته، ولكنهم فقط لا يجدون من المجتهدين فقهًا مقننًا بالطريقة الحديثة، وهي سخرية هازلة يجب أن يرتفع عليها كل ذلك قلب يحس لهذا الدين بحُرمة»، وواجب «أصحاب الدعوة» في رأي قطب أن يتعالوا على هذه الأسئلة، و«أن يرفضوا إملاء منهج غريب على حركتهم وعلى دينهم».

لا يعتبر قطب خلو طرح «أصحاب الدعوة» من أي نظرية سياسية أو تصور للنظام البديل عجزًا، بل يعتبره أمرًا طبيعيًّا يتسق مع طبيعة الإسلام نفسه، فـ«هذا الدين منهج عملي حركي جاد، جاء ليحكم الحياة في واقعها، ومن ثَمَّ فهو لا يشرع إلا لحالة واقعة فعلًا، في مجتمع يعترف ابتداءً بحاكمية الله وحده. وحين يقوم هذا المجتمع فعلًا، تكون له حياة واقعية تحتاج إلى تنظيم وإلى تشريع، عندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وفي سن الشرائع».

ما يقدمه قطب باﻷساس هو اليوتوبيا، وكأي يوتوبيا، لا يمكن التكهن بنمطها وأحكامها قبل الوصول إليها فعلًا، فأي تخيل سابق لها سيكون مشوبًا بتصورات من المجتمع القديم الذي ينبغي تحطيمه.

وبما أن اليوتوبيا هي الطموح، فلا عجب أن تخترق الفكرة كتابات قطب الإسلامية بدايةً من كتابه الإسلامي الأول «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، قبل حتى أن ينضم إلى الإخوان، فيرى أنه «ظلت الإنسانية أدهارًا طويلة لا تهتدي إلى فكرة شاملة عن القوى الكونية والإنسانية، ظلت تفرق بين القوى الروحية والمادة، تنكر إحداهما لتثبت الأخرى، أو تعترف بوجودهما في حالة تعارض وخصام».

«وقد ظلت هذه المعركة قائمة بين هذه القوى وتلك، وظل الإنسان ممزقًا في هذه المعركة، حيوان لا يهتدي إلى قرار، حتى جاء الإسلام، فإذا هو يعرض صورة كاملة متناسقة، لا عِوَج فيها ولا اضطراب، ولا تعارض ولا خصام. جاء ليوحد القوى والطاقات جميعًا، ويمزق الأشواق والنزعات والميول. جاء بين الأرض والسماء في نظام الكون، والدنيا والآخرة في نظام الدين، والروح والجسد في نظام الإنسان، ويسلكها جميعًا في طريق موحد: هو الطريق إلى الله، ويخضعها كلها لسلطان واحد: هو سلطان الله».

وكأي أيديولوجيا للخلاص، فهي تأتي لتنقذ عالمًا ينهار تمامًا، أو بتعبير قطب في مقدمة «معالم في الطريق»: لتنقذ «البشرية التي تقف اليوم على حافة الهاوية». إنها تأتي لتلبي الطلب على الخلاص، «إن هتافات كثيرة من هنا ومن هناك تنبعث من القلوب الحائرة، وترتفع من الحناجر المتعبة، تهتف بمنقذ، وتتلفت على مخلِّص، وتتصور لهذا المخلص سمات وملامح معينة تطلبها فيه. وهذه السمات والملامح المعينة لا تنطبق على أحد إلا على هذا الدين».

لكن هذه اليوتوبيا ينقصها حاكمها، الذي يبدو مهمَلًا تمامًا في كتابات قطب. إنها يوتوبيا تقيمها جماعة هي «الطليعة المؤمنة»، دون نظام سياسي واضح، لتُحكِّم شرع الله، النظام السياسي الذي يرى قطب كما أسلفنا أنه من العبث الحديث عنه قبل أن يكون المجتمع قد أصبح مستسلمًا للشريعة.

غموض نظام الحكم عند البنا يبدو مفهومًا بسبب محدودية طموحاته في ظل النظام الملكي، لكن وراثة قطب لنفس الغموض يبدو متعلقًا بسبب أكثر جذرية، هو أن «مملكة الله على الأرض» ستحتاج إلى «ظل الله على الأرض» ليحكمها. يرفض قطب ذلك أيضًا، لأن «مملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم، هم رجال الدين، كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة، كما كان الحال في ما يعرف باسم الثيوقراطية أو الحكم الإلهي المقدس، ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة، وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة».

مأزق قطب هنا هو نفس ما يرفضه، فصحيح أنه لا توجد مؤسسة كهنوتية صلبة في الإسلام تحتكر الدين وتعريفه، ورغم أن هذا عامل إيجابي لمساحة الحرية التي يتركها ذلك للاجتهاد، فإنه بالتأكيد عامل سلبي عندما يكون الغرض أصلًا إزالة كل سلطان باسم الله والدين.

هذه المهمة تحتاج نظريًّا إلى أن يحتكر من يفعل ذلك الدين، ومأساة التصورات الحاكمية أنها لا تستطيع أن تدعي أحقيتها بهذا الاحتكار، فضلًا عن أنها لا تستطيع فرضه حتى لو أرادت، ولذلك تترك الأمور غامضة دون إيضاح، ليس لأن المجتمع ليس مؤهلًا بعد لسماع نظريتها الإسلامية، مثلما يرى قطب، ولكن لأن أي نظرية في السلطة ستضطر بالضرورة، بعد انكسار بداهة النظام الملكي وعدم القدرة على العودة إليه، إلى أن تقتبس من الديموقراطية الغربية، على أقل تقدير، نظام الانتخاب، أيًّا كان شكله.

عندما ستفعل ذلك، ستعلن عدم امتلاكها نظامًا كاملًا بديلًا لا يقتبس من أي أحد، إلا الله نفسه، أي شيء، واقتباسها من الحضارة الغربية سيحطم قداستها، وستكون مجرد اجتهاد بشري آخر في نظام حكم، وهو الأمر الذي يرى قطب أنه يجب عدم السماح به ومحاربته أصلًا.

الدائرة المغلقة

محمد رشيد رضا

يعرف سيد قطب أن اعترافًا مثل أن الإسلام لم يصِغ قانونًا لنظام الحكم سيعكر صفو الحاكمية الإلهية، التي لا تستند إلى أي شئ سوى الدين وأوامر الله.

في بدايات تخمُّر الفكرة الإسلامية، كان بوسع رجل مثل محمد رشيد رضا، في كتابه «الخلافة»، أن يعترف أن «التطورات الاجتماعية (في بدايات التاريخ الإسلامي) كانت تقضي وقوع ما وقع من التصرف في شكل الحكومة الإسلامية (أي تحولها إلى نظام ملكي)، ولم يكن يمكن في تلك الأزمنة أن يوضَع لها نظام يكفل أن تجري على سنة الراشدين. ولمَّا صار هذا ممكنًا، كان أمر الدين قد ضعف، وتلاه في جميع الشعوب الإسلامية ضعف حكوماتها، وضعف حضارتها، فلم تهتدِ إلى مثل ما اهتدى إليه الإفرنج من القضاء على استبداد ملوكهم شعبًا بعد شعب».

يلوم رضا المسلمين لأنهم «تركوا الخلافة لأهل العصبية يتصرفون فيها تصرف الملوك الوارثين، الذين كانوا يزعمون أن الله فضَّلهم على سائر البشر لذواتهم ولبيوتهم، وأوجب طاعتهم والخضوع لهم في كل شيء، فلم يوجد في أهل الحل والعقد من الرؤساء من اهتدى إلى وضع نظام شرعي للخلافة بالمعنى الذي يسمى في هذا العصر بالقانون الأساسي».

لكن قطب يعرف أن اعترافًا مثل هذا، أي بأن نظام الحكم وترتبياته، وهو أساس أي أيديولوجيا سياسية، لم يصِغْ له الإسلام قانونًا، وأن الغرب تمكن من صياغة شكل حكم أكثر مثاليةً من كل تخيلات المسلمين.

اعتراف مثل هذا سيعكر صفو الحاكمية الإلهية، التي لا تسنتد إلى أي شيء سوى الدين وأوامر الله، وستتحول هذه الحاكمية إلى محض اجتهاد بشري، بل واجتهاد بشري من الغرب، وهو ما سيقتل زخم قدرتها على الإلهام ودفع الناس إلى التضحية بأنفسهم في سبيلها، وهو ربما ما يجعل «الشريعة» حتى الآن شعارًا أساسيًّا عند الإسلاميين، لكن دون أن تتحول هذه الشريعة إلى قوانين محددة، لأنها حينها ستطبق طاقتها بمقولة كبرى ملهمة.

كمثقفين يعيشون في ظل دولة ملكية أو سلطانية، كان الإسلاميون الأوائل، مثل الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي، وبدرجة أقل رشيد رضا، خليطًا من مصلحين دينيين وسياسيين ليبراليين ودعاة وطنيين، وبتبلور المذاهب السياسية الأخرى ورغبتها في زحزحة الدين عن مركز السياسة، حاول الإسلاميون المتأخرون، سيد قطب والمودودي، وبدرجة أقل حسن البنا، إعادة الدين إلى المركز عن طريق نفي إيجابيات النموذج الغربي نفسه.

لكنهم، وهو يعادون هذا النموذج بشكل كامل، لم يستطيعوا أن يطرحوا سوى يوتوبيا غامضة في المستقبل، هذه اليوتوبيا تقوم على احتقار العقل البشري ومنجزاته في مجملها، لكونها منجزات تتجنى، في رأيهم، على الحق الإلهي، لكنهم أيضًا بصفتهم يعيشون في عصر انكسار الفكرة الملكية، وهو انكسار حدث باسم الحرية وحق عموم الناس في السياسة، لم يستطيعوا التنكر بشكل عام للحرية، لكنهم علموا أن التمحور حولها سيعني ضرورة الاقتباس الديموقراطي، وإذًا سيفقدون الجوهر الفلسفي لفكرتهم عن مملكة الله، لذلك كان التوقف عن طرح النموذج محاولةً لكسر هذه الدائرة المغلقة، ولو بعدم طرح أي شيء أصلًا.