إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

تريند هاشتاغ: كيف تحولت السوشيال ميديا إلى محارق ساحرات؟

الصورة: pxhere

يبدأ الأمر بخبر يتهامسه بعض الناس في مجالسهم، لا يهم صحته من عدمها، كل ما يهم هو مدى قابليته لإثارة الجدل، ثم ينتشر الخبر أكثر فأكثر وتتحول التهكمات والاعتراضات إلى أفعال، ثم تظهر المشاعل والفؤوس تحملها جماعات غاضبة لتطبق مفهومها من الديمقراطية العمياء، يصرخون ويهللون مطالبين بإنزال العدالة و«إحراق الساحرة».

الديمقراطية العمياء: هل أطفأنا الحرائق؟

محاكم الساحرات جزء من تاريخ أوروبا و مستعمراتها في أمريكا خلال العصور الوسطى، التي اتسمت بالجهل والخوف والقدرة على إرعاب الجماهبر وخلق الهستيريا. لكن يُفترض الآن أننا تطورنا ونضجنا وصرنا نؤمن بالعلم والحقائق وتعلمنا من أخطاء الماضي، فتركنا جلسات الشحن والمشاعل خلفنا، لكن هل بتركنا لها أطفأنا الحرائق؟

ربما اخترعنا نوعًا جديدًا من المحارق التي لا تحتاج إلى نار، محارق تتسم بطبيعة العصر، ألا وهي التحول الرقمي، محارق السوشيال ميديا، حيث الجموع وفيرة، والنيران تغريدات، والساحرات كثر.

«نحن، شعب الولايات المتحدة الأمريكية» هي الكلمات التي يبدأ بها الدستور الأمريكي، حاملًا أفكار الآباء المؤسسين التي تحدثت عن حرية الشعب ليحكم ويقرر، متمردة على الحكم الملكي للملك جورج، لكن كُتاب الدستور الأمريكي وقعوا فى معضلة فلسفية: هل يستطيع الشعب أن يحكم؟

انفراد شخص واحد منتخَب بمقاليد السلطة أمر في غاية الخطورة، قد يضع الشعب تحت براثن هذا الشخص ويجعله عرضة لأهوائه حسنت أو فسدت، لكن فى نفس الوقت رأى كُتاب الدستور أن الرأي العام متقلب، قصير النظر، تحركه الأهواء، وهو بالتالي لا يستطيع أن يحكم.

تلك المعضلة عبَّر عنها الرئيس الرابع للولايات المتحدة «جيمس ماديسون» فى الورقة العاشرة من الأوراق الفيدرالية (The Federalist Papers)، حين قال: «مثل تلك الديمقراطيات كان غالباً مسرحاً للاضطراب والصراع، ولقد ظلت طوال الوقت غير منسجمة مع الأمن الفردي ولا مع حقوق الملكية (...) ومن جانب آخر، فإنه يمكن أن تنعكس النتيجة. إذ قد يفوز الأفراد ذو الطبائع التحزبية، وذوو الأحقاد المحلية، أو المكائد الشريرة».

انتهى الخلاف بأن يكون الحكم مبنيًا على رأي المجتمع لكنه لا يتحرك بواسطته، أو كما عبَّر عنها «أليكسندر هاملتون»، أحد الآباء المؤسسين، في الورقة رقم 71: «إن المبدأ الجمهوري يطلب أن يتحكم الإحساس الرفيع لدى المجتمع في تصرفات وسلوك الأشخاص الذين يُعهد إليهم بتدبير شئون أفراده؛ ولكنه لا يطلب استرضاءً لا داعي له لكل هبّة مفاجئة من العواطف، ولا لكل إحساس عابر».

وضع كُتاب الدستور الأمريكي عدة قوانين وطرق كي توجِد وسيطًا يتخذ القرارات بشكل مباشر، أهمها التعديلات العشرة للدستور، وذلك بهدف حماية الشعب من نفسه ومن الديمقراطية المطلقة.

ما نراه اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي أو السوشيال ميديا استعراض لتلك الديمقراطية المطلقة في صورة تكاد تشابه جموع العصور الوسطى الغاضبة، إذ نرى مبادرات تضم مئات الآلاف أو الملايين من المتابعين تتحدث عن قوة السوشيال ميديا و كيف أنها المصباح السحري الذى يهاجم و يدافع ويلصق الاتهامات ويحاسب المذنبين، لكن هل يصح أن يتحول الرأي العام على تلك المنصات الرقمية إلي قاضٍ وجلاد؟

السوشيال ميديا: هتاف لا مفر منه

الصورة: pxhere

تلك المبادرات ربما ساعدت في بعض الحالات لا شك، لكنها أضرت بعضها الآخر، فمقولة «المتهم بريء حتى تثبت إدانته» لم تعد موجودة في العصر الرقمي، وحيوات بأكملها دُمرت بسبب جماعة غاضبة قررت أن شخصًا ما مذنب، فأخذت ترمى التغريدات والتعليقات دون حتى محاولة فهم الموقف.

كيف نأمن على أنفسنا من ألا نكون الساحرة القادمة عندما يسئم الجمع الغاضب ضحيته الحالية ويبحث عن مكان جديد ليضيء به مشاعله؟

أحد الأمثلة على ذلك ذُكرت فى مقال على منصة«Medium»، يحكي قصة طالب اتهمته زميلة بالاعتداء عليها. ورغم تبرئته قانونيًا، لم تعترف السوشيال ميديا إلا بعدالتها الخاصة، وانتهى به الأمر مفصولًا من جامعته، بل واستمرت مطاردته في جامعته الجديدة وعمله.

إذا رجعنا إلى موقف الدستور الأمريكي نجد تشابهًا كبيرًا بين الموقفين، فمن يحاكم البشر على مواقع التواصل الاجتماعي ليس مؤهلًا لذلك، ويحركه نسيم الشغف والآراء العارضة، فكيف نأمن على أنفسنا من ألا نكون الساحرة القادمة عندما يسئم الجمع الغاضب ضحيته الحالية ويبحث عن مكان جديد ليضيء به مشاعله؟

الحل، أو بدايته على الأقل، يتمثل في نقطتين:

  1. التثقيف، فكل مستخدم لمواقع التواصل الاجتماعي عليه أن يدرك تأثيره في الواقع، وتأثير كل تغريدة له في حياة أشخاص حقيقيين، وكيفية التفريق بين الحقائق والآراء والقصص الكاذبة
  2. تطبيق قوانين تعاقب تلك الأفعال باعتبارها نوعًا من التشهير

التحكم فى الرأي العام لسهولة التلاعب به ليس مفهومًا جديدًا، وربما مقولة هيرمان غورينغ، القيادي النازي ومؤسس البوليس السري الألماني، خير مثال على سهولة تحريك جموع الجماهير باستغلال عاطفتها: «دائمًا ما يمكن قيادة الشعب نحو اتجاهات القادة، وهذا سهل جدًا، كل ما عليك فعله أن تقول لهم إنهم يتعرضون للهجوم».

في عالمنا الرقمي، تحريك الجماهير أصبح أسهل بكثير، مثلما تدخلت روسيا فى الانتخابات الامريكية فقط باستخدام إعلانات فيسبوك، التي استهدفت مشاعر معينة لتحريك الجماهير نحو اتجاهات مرغوبة.

نحن أمام ظاهرة تحتاج حلًا قريبًا، ليس لأن الجماهير على الوسائط الرقمية تتحرك وفقًا لأهوائها غير المنظمة فحسب، بل أيضًا لإمكانية تحريكها وتوجيهها دون إدراكها لذلك. شئنا أم أبينا، تلك الجموع على مواقع التواصل ستظل تهتف، لكن ربما ما يمكن أن نأمله هو تقنين وتثقيف ذلك الهتاف.