فكر فيها

كيف تعامل المفكرون المصريون مع «عُقَد» فرويد النفسية؟

سيغموند فرويد - الصورة: Getty/RDA/RETIRED

«الاكتئاب ليس علامة ضعف، بل إشارة إلى محاولتك البقاء قويًّا لفترة طويلة جدًّا»، هكذا كانت مقولات العالم والطبيب النمساوي سيغموند فرويد تنضح بما يمتلكه من معرفة فريدة أهَّلته ليكون مؤسس أحد العلوم التي تعاقبت أجيال من مختلف أنحاء العالم، ولا تزال، على دراستها وكشف خباياها.

أسس فرويد علم التحليل النفسي عبر وضع أساسيات لاستكشاف العقل والسلوك وعلاج الاضطرابات النفسية، وهي الأفكار التي جذبت المفكرين والعامة من مختلف أنحاء العالم، ومن بينهم المفكرون المصريون، الذين تناولوا مفاهيم فرويد بالتحليل والنقد والشرح ودمج ذلك مع ثقافتهم العربية.

يعرض مقال منشور على موقع «Aeon» جوانب من تناول الثقافة المصرية لنظريات التحليل النفسي التي أتى بها فرويد، وما تحمله من عُقَد واضطرابات وظواهر سلوكية واجتماعية.

عقدة أوديب في المجتمع المصري

نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم - الصورة: AlAhram

تفوق نجيب محفوظ في تجسيد نظرية عقدة أوديب لفرويد بشكل أكثر واقعية واتساقًا مع المجتمع العربي في روايته «السراب» عام 1948.

احتفى المفكرون العرب من روائيين ونقاد وعلماء نفس وباحثين بفرويد باعتباره «أبو علم التحليل النفسي» وأحد علامات الفكر الإنساني في القرن العشرين.

وفي مصر نجد حضور فرويد مألوفًا في الأعمال الفكرية، وهو ما أبرزه مقال في صحيفة الهلال عام 1938، سلَّط الضوء على أن جيلًا جديدًا من الدارسين المصريين تشرَّب أفكار فرويد حول الدافع الجنسي واللاوعي.

وخلال الحرب العالمية الثانية وما شهدته من غارات للجيش الألماني على مصر عام 1941، جمع الكاتب علي أدهم أفكار فرويد حول ما أسماه «غريزة الموت» في مقال، أشار فيه إلى أنه في وقت الحرب تتحول غريزة الموت لدى الإنسان باتجاه الآخر، لتستخدم لإشباع نزعة العدوان والحقد. بعدها بعامين نشر الأكاديمي يوسف مراد كتابه «شفاء النفس»، الذي أسس فيه مدرسة لعلم النفس مبنية على أفكار فرويد.

دخل الاحتكاك الثقافي بين فرويد والثقافة العربية مرحلة جديدة عندما تعرَّض أباطرة الفكر المصري لأفكاره، ومنهم طه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم.

جاءت البداية مع طه حسين الذي قدم أول ترجمة علمية لمسرحية «أوديب ملكًا» للكاتب اليوناني القديم «سوفوكليس» عام 1939، والتي تطرح نظرية «عقدة أوديب»، ومن دون تلك المسرحية لا يمكن اكتمال فهم أفكار فرويد. وفي قراءة الحكيم للمسرحية، لم يجعل مركز الصراع بين الإنسان والقدر، بل بين الحقيقة و«الواقع الخفي»، وهي رؤية فرويد في الأساس.

تفوق نجيب محفوظ على أقرانه في هذا الصدد، فقد نجح بشكل كبير في تجسيد عقدة أوديب بشكل أكثر واقعية واتساقًا مع المجتمع العربي في روايته «السراب» عام 1948، التي يروي فيها قصة «كامل»، الذي يعاني من الانطواء والخجل بسبب تعلقه الزائد بوالدته، ما يجعل تلك العاطفة المبالَغ فيها سببًا في فشل دراسته وانتهاء زواجه نهاية مأساوية.

اقرأ أيضًا: 10 من أفكار «سيغموند فرويد» المؤثرة في علم النفس إلى اليوم

فرويد داخل قاعات المحاكم المصرية

لم يقتصر طرح عقدة أوديب في الحياة المصرية على ما تناولته الروايات، بل ظهرت بقوة لدى رجال الفكر القانوني.

ففي أواخر أربعينيات القرن العشرين، دافع محمد فتحي، أستاذ علم النفس الجنائي، عن أهمية نظريات فرويد لفهم دوافع جريمة القتل، وذلك في سلسلة مقالات برهن فيها على التشابه بين علمي التحليل النفسي والجريمة، إذ يتيح الأول فهمًا عميقًا للسلوك الإجرامي وتفسيرات جرائم العنف، بل وسلوك المحققين أيضًا. ويمكن للتحليل النفسي تقديم نموذج للشخصية يُعرَف بـ«المجرم الشاعر بالذنب»، الذي يرتكب جريمته بدافع تلقيه العقاب على أفعاله.

قدم فتحي في مقالاته نماذج حية للنظريات النفسية لفرويد، منها نموذج المرأة المسنة التي يقتلها زوجها، وعرض الدوافع النفسية التي قد تقف وراء مثل هذه الجرائم. وكانت تلك المقالات أحد أسباب التفات المصريين إلى العلاقة المحتمَلة بين عقدة أوديب ودوافع أنواع من الجرائم، ما زاد من شعبية أفكار فرويد بينهم، بحسب ما يؤكده المقال.

يُعد عالم النفس المصري مصطفى زيوَر أحد أوائل المسهمين في نقل أفكار فرويد إلى الثقافة المصرية عن طريق الترجمة، فقد كان أول عضو عربي في معهد فرنسا للتحليل النفسي، وكان المعلم الأول لعدد من الدارسين، من بينهم العالم المصري مصطفى صفوان، الذي كانت له إسهامات جليلة في ترجمة أعمال فرويد، وبخاصة في خمسينيات القرن العشرين، فقدم في أواخرها سلسلة حلقات إذاعية حول علم النفس تناولت مشكلات الحياة اليومية، مثل الدعارة وإدمان الحشيش والإصابة بالاكتئاب وغيرها.

اقرأ أيضًا: سيغموند فرويد: هل كانت مدرسة التحليل النفسي مجنونة؟

التحليل النفسي أداة في يد الحاكم

من اليمين: عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر وأنور السادات - الصورة: Bibliotheca Alexandrina

بدأت مواضيع التحليل النفسي في الفترة بين الخمسينيات والستينيات تشغل الطبقة الوسطى في مصر.

ينقل المقال أنه قبل تولي جمال عبد الناصر مقاليد الحكم، اطَّلع مع زملائه في تنظيم الضباط الأحرار على النظريات النفسية لفرويد، ووجد أنه من المفيد إجراء الاختبارات النفسية لضباط الجيش وطياريه. بعدها أسس المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، الذي أخذ علماء الاجتماع فيه على عاتقهم دراسة ظواهر انتشرت في القاهرة في الفترة بين 1957 و1964، مثل البغاء وتعاطي الحشيش، وشارك في إحدى هذه الدراسات مصطفى زيوَر بنفسه.

هكذا أصبح التحليل النفسي الذي أسسه فرويد أداة في يد الدولة المصرية الحديثة لإدارة البلاد، أداة قادرة على معالجة الأمراض الاجتماعية والنفسية للأفراد. إلا أن تلك المرحلة لم تخلُ من جوانب سلبية، تتمثل في كون المحللين النفسيين خطرًا يهدد المواطنين بأن يتحكم بهم حكامهم بتطويعهم وإقناعهم بالتكيف مع أنظمتهم السياسية والاجتماعية. ففي خضم المحاولة الجادة لبناء شخصية مواطن ما بعد الاحتلال، غفل المحللون النفسيون عن مثل هذه القضايا الأخلاقية أمام تحقيق أهدافهم الشخصية.

يمكننا تلخيص دور فرويد في حياة المجتمع المصري بمروره بعدة مراحل تراوحت بين إنارة وعي فئة المثقفين، الذين نقلوه بدورهم إلى طبقة العامة، الذين سرعان ما استوعبوها وشعروا بأهميتها في حياتهم الخاصة والاجتماعية، لتبدأ الأعراض الجانبية للعلاج النفسي متمثلة في الشد والجذب بين الحكام والمحكومين.