كالنقش على الحجر

الضوء أو لماذا يهرب الأطفال من النوم؟

لقطة من فيلم «Monsters Inc» - الصورة: Pixar Animation Studios

إجبار الأطفال على النوم مشكلة حقيقية تواجه الآباء الذين تفشل محاولاتهم دومًا رغم تجددها المستمر. يملك الطفل دائمًا أسبابًا مختلفة للهروب من النوم، أغلبها تتعلَّق برغبتهم في اللعب، أو في عدم قدرة اذهانهم البسيطة على إدراك أن العالم سينتظرهم عندما يستيقظون. معاناة مشتركة بين كثير من الآباء، وإن كان الحل أبسط من الطرق المعقدة التي يلجأون إليها.

في مقالها الذي نُشِرَ في جريدة «نيويورك تايمز» تحاول «بيري كلاس»، طبيبة الأطفال، أن تستعرض حل المشكلة.

الأطفال أكثر حساسية ضد الضوء

الطفل الذي يقاوم وضعه في السرير قد يخرج من غرفة النوم المظلمة ليقترب من والديه في غرفة مضاءة، وهذا التعرض للضوء يثبط الميلاتونين، وينهي عملية النوم.

في تقرير نُشر على موقع «Physiological Reports» تحدث الباحثون عن تجربة رصدوا فيها مستوى «الميلاتونين»، الهرمون المنظم لعملية النوم، في مجموعة مكونة من 10 أطفال، تتراوح أعمارهم من ثلاث إلى خمس سنوات. في البداية اتَّبع الأطفال جدولًا زمنيًّا عاديًّا في النوم، وجرى فحص لعابهم عدة مرات لقياس مستويات الميلاتونين الأساسية، ثم في اليوم السادس حولوا منازل الأطفال إلى مناطق منخفضة الإضاءة، إذ غطوا النوافذ بالبلاستيك، وبدلوا مصابيح منخفضة القوة بالأخرى الأقوى.

تقول «لميس أكاسيم»، الأستاذة في جامعة كولورادو بمدينة بولدر الأمريكية، والتي قادت البحث، إن الأطفال قضوا يومهم في ضوء خافت، ثم قاس الباحثون مستوى الميلاتونين، وفي اليوم التالي، وقبل موعد النوم بساعة واحدة، عُرضوا للضوء الساطع لمدة ساعة عن طريق اللعب على طاولة ضوئية.

نعرف من الدراسات السابقة التي أجريت على الأطفال في سن المدرسة، وكذلك على البالغين، أن ساعة الجسم البيولوجية حساسة تجاه التعرض للضوء، وبخاصة في فترة المساء لأن الضوء يثبط إنتاج هرمون الميلاتونين، فيقلل من الرغبة في النوم، لكن لم تُجْرَ أي أبحاث على الأطفال في سن ما قبل المدرسة، وكان هناك أسباب كثيرة للاعتقاد بأن أجسادهم حساسة ضد الضوء أكثر من الآخرين.

تقول الطبيبة «مونيك لبورغوا»، وهي أستاذ مساعد في الفسيولوجيا التكاملية بجامعة كولورادو، إن الطفل الذي يقاوم وضعه في السرير قد يخرج من غرفة النوم المظلمة ليقترب من والديه في غرفة مضاءة، ويتعرض للضوء، وهذا التعرض للضوء الساطع مهما يكن قصير الأمد، فإنه يثبط الميلاتونين، وينهي عملية النوم.

قد يهمك أيضًا: هل يجعلنا السُّبات نتخلص من ذكرياتنا؟

كان موعد النوم المعتاد للأطفال في فترة الدراسة هو الثامنة و27 دقيقة مساءً، واكتشف الباحثون أن الأيام التي تعرَّض فيها الأطفال للضوء الخافت فقط بلا أي أنوار ساطعة كان إنتاج الميلاتونين يبدأ، في المتوسط، عند السابعة و47 دقيقة مساءً، ما يجعل هذا الوقت نقطة بداية الليل البيولوجي.

في الليلة التي تليها لعب الأطفال على الطاولات الضوئية، وحينها وجد الباحثون، وفقاً لأكاسيم، أن التعرض للضوء الساطع قلل إنتاج الميلاتونين بنسبة 90% تقريبًا، واستمر تأثير الضوء على الأطفال حتى بعد عودتهم إلى الإضاءة الخافتة، وأغلبية الأطفال لم يعودوا إلى إفراز نصف كمية الميلاتونين التي كانت لديهم في اليوم السابق، حتى بعد مرور 50 دقيقة على تعرضهم للضوء الساطع.

دراسات النوم: مجال حديث، ونتائج مبشرة

الصورة: indrairawan

يُفرز هرمون الميلاتونين من الغدة الصنوبرية والمتصلة عصبيًّا بساعة الجسم البيولوجية، وكذلك نواة التكيّف في الغدة النخامية التي تتأثر بكمية الضوء التي تمر إلى شبكية العين. ينخفض إفراز الميلاتونين خلال اليوم، ويرتفع في المساء حتى يجهز الساعة البيولوجية للنوم.

وتضيف أكاسيم مفسرة أن عدسة العين أكثر نقاءً عند الأطفال في عمر ما قبل المدرسة، ما يسمح لمزيد من الضوء بالنفاذ إلى الشبكية، فيرسل إشارات قوية لساعة الجسم البيولوجية، لكن الدهون تتراكم على الشبكية بزيادة العمر، ما يسبب نوعًا من الاصفرار في الرؤية، وحين نصير في الأربعينيات تعتم أعيننا الضوء قليلًا.   

قد يعجبك أيضًا: 5 نظريات وضعها البشر لتفسير ما نراه خلال النوم

الأمر المهم الذي نخرج به من البحث هو أن علينا ألا نعرض الأطفال للضوء الساطع قبل موعد النوم، أما بالنسبة إلى الموضوع نفسه، فتعتقد أكاسيم أن هذه الدراسة تفتح الطريق أمام مزيد من البحث عن حساسية الصغار تجاه الضوء، وسيستطيع الباحثون حينها تقديم توصيات أكثر دقة للآباء بهذا الخصوص.

تشيع مشكلة صعوبة النوم، ومقاومته بين هذه الفئة العمرية، فالأطفال الذين قلت استجابتهم للميلاتونين يبدون متعبين، وغريبين، ويخرج عدد من الأطفال من سرائرهم بطلبات مفاجئة جديدة، أي أنهم يغادرون غرفهم المظلمة إلى الضوء، لذا توصي لبورغوا بأن يكون الضوء خافتًا حيثما ذهب الأطفال خارج الغرفة. على الآباء إذن أن يأخذوا في اعتبارهم خفض ضوء المنزل قبل ساعة من موعد النوم، بإغلاق المصابيح الضخمة، واستخدام الأنوار الخافتة، إضافة إلى إيجاد بديل للضوء الساطع في دور الخلاء، لأن خفض الضوء يتيح للميلاتونين أن يُفرَز بصورة طبيعية.

شددت لبورغوا على أهمية وضع موعد ثابت للنوم حتى أيام الإجازات للأطفال في هذه الفئة العمرية، ووضعهم في سرائرهم قبل التاسعة مساءً حتى يحصلوا على ساعات النوم الكافية التي يحتاجونها.

يتطلع الأطفال إلى العالم بعيون جديدة نسبيًّا، واختبار تأثير الضوء على عقولهم يمكن أن يساعدنا في فهم السلوكيات التي يقومون بها، ويدفعنا لتقدير السرعة التي يتأثر بها العقل بما يحيطه، وبخاصة في عالم تحيط بهم شاشاته من كل ناحية.

, , , , , , , ,