إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

ت ش ت ت الانتباه ي ن ت ظ ر ك م: كيف تؤثر إشعارات الهاتف على تركيزنا؟

الصورة: Mixmike

«أحدهم أرسل إليك طلب صداقة»، «لديك فرصة للحصول على خصم على السلع الجديدة على موقعنا»، «قام صديقك بالتعليق على منشورك الأخير»، «هناك من أعاد نشر التغريدة التي كتبتها»، «مرحبًا، لقد لاحظنا أنك لم تستخدم تطبيقنا منذ مدة طويلة، جرب استخدامه مرة أخرى». هذه عينة من سيل الإشعارات الذي يكتسح هواتفنا الذكية منذ اللحظة التي نوافق فيها على استقبال إشعارات التطبيقات المحمولة.

بعض هذه الإشعارات قد يستوجب ردًّا فوريًّا، مثل رسالة إلكترونية تُعلمنا بشيء طارئ ينبغي إنجازه، أما بعضها الآخر، مثل إعادة تحميل تطبيق لم نكن راضين عن مستواه، فيدخل في خانة إهدار الوقت والإزعاج الذي لا يُطاق.

وفي مقاله على موقع «وايرد»، يعرض أستاذ علم النفس والاقتصاد السلوكي «دان رايلي» رأيه بخصوص هذه القضية، ويخلص إلى أن تكلفة هذه الإشعارات أكبر بكثير ممَّا نتخيل.

الإشعارات: هوس متابعة الأحداث الجديدة

كيف يؤثر الهاتف المحمول عليك خلال السير؟

ارتفع عدد مستخدمي الهواتف الذكية سريعًا خلال السنوات القليلة الماضية، وبمعدلات لا يبدو أنها ستتراجع في أي وقت قريب، إذ تشير الإحصائيات إلى أنه بحلول عام 2020 سيكون هناك نحو ثلاثة مليارات شخص بحوزتهم هواتف ذكية.

أثَّر الهوس المتزايد بالحصول على الهواتف الذكية على علاقتنا مع هذه الأدوات، ففي حين كانت الهواتف في السابق مخصصة للاتصال فحسب، صارت الهواتف الجديدة تقدم إمكانيات متنوعة غيَّرت كيفية تعاملنا معها، فصرنا نسمع عن أشخاص يصطدمون بالأشجار وهم يمشون، أو يتعرضون لحوادث سير، لأنهم يُبقون أعينهم على شاشة الهاتف على مدار الساعة.

التحقُّق المستمر من الهاتف يؤثر على أداء الأفراد عند القيام بمهام تستلزم التركيز والانتباه.

تقدم الهواتف الحديثة محتوًى يبقينا دائمًا على اتصال، وذلك بفضل تيار الإشعارات الذي لا يتوقف، والذي نقف أمامه مستسلمين، نتفقد كل إخطار جديد لحظة بروزه إلى واجهة الهاتف، حتى وإن كان عن حدث لا يدخل في دائرة اهتمامنا، لأننا نخاف تفويت الأحداث التي تجري حولنا.

قد يعجبك أيضًا: التكنولوجيا عدو أم صديق؟

الإشعارات: فقدان تركيز وأخطاء أكثر

كيف يؤثر الهاتف المحمول على التركيز؟

لتوضيح الآثار السلبية للإشعارات، لا بد أن نشير إلى ما توصلت إليه دراسة نشرتها مجلة علم النفس التجريبي، من أن التحقق المستمر من الهاتف يؤثر على أداء الأفراد عند القيام بمهام تستلزم التركيز والانتباه.

في هذه الدراسة، طُلب من المشاركين مشاهدة سلسلة من الصور تحمل أرقامًا من 1 إلى 9 والضغط على زر معين عند رؤية أيِّها، لكن عليهم أن لا يضغطوا الزر إذا أظهرت الشاشة الرقم 3. طُلب من المشاركين كذلك أن يضعوا هواتفهم جانبًا ولا يتحققوا منها حتى تنتهي التجربة، ثم اتصل المسؤولون عن الدراسة ببعض المشاركين وبعثوا رسائل نصية إلى آخرين، بينما تركوا مجموعة تُنهي الاختبار دون مقاطعة.

أظهرت النتائج أن أفراد المجموعتين الأولى والثانية زاد احتمال ارتكابهم أخطاءً وفقدانهم الانتباه، كما كان مستوى أداء المجموعتين المنخفض متماثلًا رغم اختلاف نوع الإشعارات التي تلقتها كل مجموعة.

نعرف من نتائج الدراسة أن عقولنا تُتخَم وتمتلئ بأفكار غير ذات صلة بالمهام التي يُفترض أن ننجزها، والتي ينبغي أن تستحوذ على انتباهنا الكامل،  وهو ما يولد مشاعر الإحباط والإحساس بالإجهاد والقلق عندنا.

اقرأ أيضًا: إنو.. ع أساس.. طق حنك.. فاهمني؟ ما هي لوازم الكلام وكيف نتخلص منها؟

الإشعارات: رسائلك الإلكترونية ليست بتلك الأهمية

فتاة في يدها هاتف محمول
الصورة: JÉSHOOTS

قد يقول أحدهم إن سبب تفعيلنا الإشعارات هو توقُّعنا استقبال رسائل إلكترونية فائقة الأهمية تستدعي ردًّا فوريًّا، لكن العكس صحيح، إذ تشكِّل الرسائل الإلكترونية المهمة والعاجلة نسبةً منخفضةً للغاية من الرسائل التي تصلنا.

نسبة 35% من الرسائل الإلكترونية التي تصلنا لا نحتاج لقراءتها أصلًا.

يورد المقال التجربة التي أجراها باحثون من جامعة ديوك الأمريكية، إذ تتبعوا الرسائل الإلكترونية التي تصل إلى موظفي إحدى الشركات متوسطة الحجم، ثم نظروا في عينة من هذه الرسائل لتحديد مدى أهميتها وإذا ما كانت تستدعي ردًّا فوريًّا.

كما كان متوقعًا، كانت نسبة 12% فقط من الرسائل تحتاج إلى رد في غضون خمس دقائق من تلقيها، و11% خلال الساعات القليلة التي تلي استلامها، في حين كان من الممكن تأجيل 17% منها إلى نهاية اليوم.

الأكثر إثارة للقلق أن 10% من رسائل البريد الإلكتروني التي فُحصت كان يمكن تفقُّدها خلال أسبوع، و15% في أي وقت آخر، أما نسبة 35% من الرسائل فلا حاجة لقراءتها أصلًا.

يعني هذا أن اقتصاد تشتيت الانتباه الذي تقوم عليه الشركات الكبرى، مثل غوغل وفيسبوك، وسياسة الإخطار التي لا تفرق بين إشعار يستوجب اهتمامًا فوريًّا وآخر لا ضرورة لرؤيته، والتي تكلفنا وقتًا وتركيزًا نحن بحاجة إليه إذا أردنا زيادة إنتاجنا، كل ذلك أصبح يستدعي اتخاذ إجراءات حاسمة لإيقاف هذا النزيف، قبل أن يودي بما تبقى من تركيزنا.