يهمني الإنسان

دائرة إنتاج الشر: هل تصنع السجون مجرمين جددًا؟

الصورة: Getty/Peter Macdiarmid 

في الأغلب سمعتَ عن فيلم «The Shawshank Redemption». في ذلك الفيلم الهوليوودي الشهير يدخل أحدهم السجن مدانًا بجريمة قتل زوجته. تقضي الساعتين (مدة الفيلم) بين جدران السجن. يرسم لكَ المخرج مشاهِد ملحمية تحمل تفاصيل مرعبة.

في نهاية الفيلم ربما تغلق تلفزيونك وتتساءل: «لِمَ كل هذه المبالغة في تصوير حياة السجون؟ هل الأمر بهذا السوء فعلًا؟».

لا أعرف إن كان السؤال قد خطر لك من قبل أم لا، لكن ما الذي تفعله السجون، بصفتها الوسيلة الأشهر المتبَعة للعقاب في معظم دول العالم، بالمجرمين؟ أعتقد أن سؤالنا هنا عن جدواها مهم للغاية.

فلنحدد سؤالنا إذًا: هل تُقَوِّم السجون سلوك المخطئين، أم أنها تزيد الأمر سوءًا؟

فلنَرَ.

في دواخل السجون: بمَ يخبرنا العلم عن هول التجربة؟

الصورة: Dennis Jarvis

السجون من الآلات الأكثر شيوعًا (وربما هي الآلة الوحيدة) المستخدَمة منذ زمن لمعاقبة المجرمين. في السنوات الأخيرة بدأ العلم ينظر في داخل السجون للمرة الأولى. ما الذي تُخلِّفه لنا تلك الغرف الضيقة والأبواب الموصدة؟ هكذا تساءلت الدراسات.

في بحث صدر عن وزارة الصحة والخدمات البشرية في الولايات المتحدة الأمريكية، حاول المؤلفون أن يستكشفوا النتائج النفسية التي قد تسببها السجون، وكيف يؤثر ذلك في حياة السجين حتى بعد الإفراج عنه.

نسبة محاولات الانتحار بين السجناء الذين ينتظرون محاكمتهم 7.5 ضعف أمثالهم خارج السجن، وستة أضعاف الذين حوكموا بالفعل.

يُطلِعنا المؤلفون هنا على العالم داخل السجن: القوي يحكم الضعيف، وأي إظهار منك لضعفك يعني أن الآخرين سيسحقونك. مع الوقت يضطر المسجونون لإظهار حالة من القسوة كي لا يستضعفهم أحد. بل إن بعضهم اعترف للباحثين أنه بالفعل أذى شخصًا آخر في السجن فقط كي يُظهر للجميع أنه قوي ويؤمِّن نفسه. السجن غابة تُعلم القسوة، فكيف من المفترَض له أن يقوِّم السلوك؟

وسيلة بعض الناس للتأقلم، كما يخبرنا البحث، تكون بالانعزال والتبلد التام.

سلبك أساسيات خصوصيتك، وضعك في غرفة ضيقة مع غريبين لم يكن لك حق اختيار أن يشاركوك مساحتك، عدم تحكمك في أبسط أنشطتك، مثل ميعاد الاستيقاظ والنوم والأكل، كلها ظروف ربما لن تجد وسيلة أفضل للتأقلم معها سوى بالتبلد ونزع أي مشاعر لديك تجاه أي شيء. مع الوقت، يتحول الأمر لدى بعض المسجونين إلى اعتلالات نفسية تتمثل في الاكتئاب ومتلازمة القلق وغيرها.

يشير البحث إلى أن 20% من المسجونين في أمريكا يعانون شكلًا من أشكال المرض النفسي أو العقلي. لن تُفاجأ إذًا عندما أخبرك أنه، بحسب تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية، يُعد الانتحار السبب الأكثر شيوعًا لموت المساجين. وتبلغ نسبة محاولات الانتحار بين السجناء الذين ينتظرون محاكمتهم 7.5 ضعف أمثالهم من الذكور خارج السجن، بينما تبلغ النسبة ستة أضعاف لدى السجناء الذين حوكموا بالفعل.

أرقام مرعبة تخبرنا بأننا فشلنا فشلًا ذريعًا في ما ظنناه وسيلةً لردع الشر. وضَعنا المذنبين تحت ظروف وحياة جعلت الموت بالنسبة إليهم أهون من أي شيء.

اقرأ أيضًا: مسلسل «Rectify»: الاحتفاء بخَلق الجمال في زمن صعب

لا يتوقف الأمر عند ذلك الحد. فلو لم ينتحر المسجون أو يمت داخل السجن، وأُفرج عنه، فإنه بحسب إحدى الدراسات سيظل يعاني تبعات ما واجهه في السجن حتى على المدى الطويل. «النتائج النفسية الناجمة عن الحبس ستمثل بصورة كبيرة عوائق شديدة أمام تأقلم هؤلاء مع الحياة بعد السجن»، هكذا تخبرنا الدراسة.

إننا بذلك نصنع في السجن مجرمًا آخر ربما يرتكب مزيدًا من الجرائم انتقامًا مما حدث له. هل يصح إذًا أن نستنتج على استحياء أن من يحمل الذنب الأكبر لتلك الجرائم لن يكون المجرم نفسه، بل من سجنه؟

كتابات عن السجن: كيف عبَّر الأدباء عن المأساة؟

الصورة: Dennis Jarvis

يُعرَّف أدب السجون بأنه: «نوع من الأدب الذي استطاع أن يكتبه أولئك الذين عانوا السجن والتعذيب، خلال فترة سجنهم وتعذيبهم أو بعدها، أو كتبه الذين رصدوا تجارب سجناء عرفوهم أو سمعوا عنهم».

يتساءل مصطفى خليفة في رواية «القوقعة»: ما الذي قد يفعله بك السجن لتخرج منه إنسانًا آخر؟ لَم يُجِب السؤال، لكنه ترك لنا حرية تخيُّل الإجابة.

كثير من الأدباء، لحسن حظنا، ولسوء حظهم بالطبع، ذاقوا مرارة السجون. لحسن حظنا لأن الأديب يمتلك قدرة فائقة على التعبير. الشخص العادي سيخبرك بأنه حزين، لكن الأديب سيجسد لك حزنه في مشهد متكامل يجعلك تشعر بأنك ترى الحزن شيئًا ماديًّا بأم عينيك. سيُشعرك بما شعر به بالضبط. سيُلقي داخلك بكل تلك الأحاسيس التي مرَّ بها، فتظن أنك كنت موجودًا في الموقف، ومررتَ به بكل تفاصيله الدقيقة. لحسن حظنا إذًا أن كثيرًا من الأدباء سُجنوا، وخرجوا ليحكوا لنا عن تجربة سجنهم.

يختلف إنتاج أدب السجون بين قصص أو شعر أو رسائل، وتشترك جميعها في تعبيراتها المُفجِعة عن الحدَث. لن تكفي هنا الصفحات للحديث عن أدب السجون، فهذا فرع كامل من فروع الأدب، لكن يمكنني أن أذكر لكَ مثالًا واحدًا أظنه قد أحسن التعبير عن المأساة.

في أثناء بحثي، وجدتُ أن العمل الذي يتكرر ذكره في قوائم المواقع المختلفة لإنتاجات أدب السجون هو رواية «القوقعة» للكاتب مصطفى خليفة، الذي أمضى 13 عامًا في السجون السورية ليخرج في أواخر تسعينيات القرن العشرين، ويكتب لنا الرواية التي عبَّر بها عن جزء قليل من مأساته.

في إحدى صفحات الرواية يتساءل: «من هو أول سجين في التاريخ؟ من الذي اخترع السجن؟ كيف كان شكل السجن الأول؟ هل هناك سجين واحد في كل العالم، في كل الأزمان، في كل السجون، قضى في السجن عامًا واحدًا أو أكثر، ثم عندما يخرج يكون هو.. هو؟».

سؤال خليفة هذا هو الذي سنجد أن معظم أعمال أدب السجون، مهما اختلفت بلدانها وأزمنتها، اتفقت عليه. ستدخل السجن إنسانًا وتخرج إنسانًا مختلفًا تمامًا. إدراكك للعالم سيختلف، وتلك الندوب التي خلَّفتْها التجربة بداخلك ستظل تطاردك لسنوات طويلة. هذا ما يحاول المسجونون إخبارنا به في كتاباتهم بمختلف الطرق واللغات.

ما الذي قد يفعله بك السجن لتخرج منه إنسانًا آخر؟ لَم يُجِب مصطفى خليفة عن السؤال، لكنه ترك لنا حرية تخيُّل الإجابة على أي حال.

قد يعجبك أيضًا: تجربة سجن ستانفورد: هل الشر جزء من تكويننا؟

من الأعمال التي ناقشت فكرة السجون بشكل مختلف رواية «أسطورة فيراتا»، وهي خارج نطاق أدب السجون لأنها تخيُّلية، لكنها بالتأكيد تخدم نقطتنا.

«أسطورة فيراتا» رواية شديدة الرقة للكاتب «ستيفان زفايغ»، الذي حاول فيها أن يخبرنا بأن محاولتنا كَفَّ الخطأ ستفضي دائمًا إلى خطأ آخر، وهي الفكرة التي تناولها على مدار روايته من خلال مواقف مختلفة يتعرض لها البطل.

في الرواية يحكم القاضي «فيراتا» على أحد المتهمين بالسجن 11 سنة، والجلد مئة جلدة كل عام. لكن المتهم كان لبقًا حقًّا، ولأنه ليس لديه ما يخسره، يجادل القاضي في حكمه قائلًا: «لكن أيها القاضي، ما هو المقياس الذي تقيس به العدالة؟ وكيف تستطيع أن تحصي السنين على أصابعك كأن السنة التي تمضي في ضوء النهار مثل السنة التي تنقضي في غياهب الأرض؟».

ولأن فيراتا كان رجلًا صالحًا، أثَّر فيه كلام السجين. أراد أن يعرف معنى السجن الذي ظل يحكم به على المتهمين طوال حياته كقاضٍ، ولم يجربه قط. في اليوم التالي ذهب فيراتا إلى المتهم في سجنه، وطلب منه أن يتبادلا الأدوار، فيُطلَق سراح السجين، ويوضع القاضي في السجن بدلًا منه لمدة شهر، على أن يظل الأمر سرًّا بينهما.

يصور لنا الكاتب في الصفحات التالية حياة فيراتا في السجن: كيف يقتله مرور الوقت البطيء، وكيف يتأمل الحياة وحيدًا منعزلًا عن العالم الخارجي. بعد مرور شهر، يعلم الملك بالأمر، فيذهب إلى السجن لإطلاق سراح القاضي. يقابله الرجل بالدموع والجزع، لا لأنه سُجِن، بل لأنه تذوَّق الحياة التي أذاقها بنفسه لكثيرين.

«والآن، وقد عرفت أن قانون مقابلة الشر بالشر هو نفسه قانون ظالم، أَطلِقْ سراح المساجين، ومُر الناس بالانصراف لأن هتافهم يملأ نفسي خجلًا». هكذا يقول فيراتا للملك، قبل أن يجثو على ركبتيه ويطلب منه أن يُقيله من عمله فورًا.

هل يعرف القضاة الحياة التي يحكمون بها على المتهمين؟ هل يظنون أن تلك العقوبة قادرة على تقويم سلوكهم؟ لِمَ لا يجرب قُضاتنا أيامًا في السجن إذًا، ويخبرونا عن ذلك بأنفسهم؟

رحلة البحث عن بدائل: متى نمضي قدمًا؟

يتجه عدد من دول العالم الآن لخلق أشكال أفضل للسجون، وربما تكون تلك خطوة أولى لكسر الحلقة المُفرَغة التي تدور فيها معدلات الجريمة.

بدأ العالم في الآونة الأخيرة يدرك فداحة ما ارتكبه في حق المسجونين، وفشل تلك الطريقة بشكل عام في الردع.

إحصائية مُفجِعة تخبرنا بأنه في عام 2013 عاد 8.6% من السجناء المُفرَج عنهم إلى السجن بسبب جريمة ارتكبوها في خلال 18 يومًا فقط من إطلاق سراحهم. بينما تشير إحصائية أخرى إلى أن أكثر من 76% من مسجوني الولايات المتحدة يعودون إلى السجن خلال خمس سنوات من الإفراج عنهم بسبب ارتكابهم جرائم.

أنت لا تُعرِّض فقط إنسانًا لأسوأ الظروف وأعتاها لأنه ارتكب خطأً ما، ولا تصرف فقط ملايين الدولارات من أموال الشعوب لبناء سجون جديدة تستوعب المجرمين، بل إنك زيادةً على كل ذلك تخلق معدلات أكبر للجريمة. لا تنسَ أيضًا أن السجن عقاب حتى لأبسط الجرائم. لا يلزم أن تقتل أو تسفك الدماء لتدخل السجن. أخطاءٌ أبسط بكثير قد تُدخلك السجن لسنوات عدة، ونسب الغارمات في سجون مصر قد تعطيك فكرةً بسيطة عن الأمر. لربما إذًا تخلق مجرمًا من شخص لم يكن مجرمًا من الأساس.

اقرأ أيضًا: بيولوجيا الشر: علماء الأحياء يحاولون إجابة أصعب أسئلة الفلسفة

إذا نظرتَ إلى الحياة على الأرض على مدار العقود السابقة ستجد أن كثيرًا من أوجه حياتنا قد اختلف كليًّا، إلا في طريقتنا كف الخطأ. ظلت السجون هي الطريقة المُتبَّعة للعقاب على مدار السنوات، حتى إن كثيرًا من السجون الموجودة والمستخدَمة الآن كانت بالفعل قد بُنيَت منذ مئات السنين.

غريبٌ أننا رغم كل ذلك التطور التكنولوجي لم ننتبه للأمر. شُغِلنا بتطوير الاتصالات وظروف العمل والحياة، وتركنا خلفنا ثغرةً مهولة مفتوحة في أحد الجوانب تُدِرُّ علينا مزيدًا من الجرائم كلما حاولنا كفَّها. تلك الغرف الضيقة كريهة الرائحة معتمة النوافذ تصلح كأفضل مصانع الشر والجريمة. الأمر بهذه الخطورة، وخطورته الأكبر أن أحدًا لا يعيره اهتمامًا. نرى السجون الآن أمرًا بديهيًّا في بلداننا، ولا نكلِّف أنفسنا عناء التساؤل عن أثرها أو جدواها.

يتجه عدد من دول العالم الآن نحو خلق أشكال أفضل للسجون: تقديم ورش عمل للسجناء، والبرامج التعليمية والترفيهية أصبحت وسائل مُتبَّعة في سجون تلك الدول لتقويم سلوك السجناء وإعادة تأهيلهم. ربما تكون تلك هي الخطوة الأولى لكسر الحلقة المُفرَغة التي تدور فيها معدلات الجريمة في مجتمعاتنا.

الردع بالطبع مهم لكفِّ الخطأ، لكن شكلًا محددًا منه هو القادر على ذلك. ربما سيتوجب علينا في السنوات القادمة أن نجد بدائل ذكية تساعدنا على ردع المخطئين دون أن نصنع مزيدًا منهم. حينها، فقط، قد نتمكن أخيرًا من خلق عالم أكثر أمانًا لنا ولأحفادنا، عالم أقل بؤسًا من ذلك الذي نعيشه الآن.