الأقل حظًّا

أمومة غير معترف بها: تجربة شخصية حول كتالوج يجب اتباعه

الصورة: pixabay

أكره المتون، لم تجب يومًا عن تساؤلاتي، ولم تشملني كإحدى حالاتها. ها أنا للمرة الألف، أبحث عن إجابات بداخل متن الأمومة التقليدي، فلا أجد أي أثر لحيرتي ومشاعري المضطربة.

يُنظَر إلى الأم والأمومة نظرة لا تتغير: الإيثار والتضحية. لكن هل هناك متسع لنظرة أكثر شمولية وإنسانية؟ لسنا كأسنان المشط؛ إذًا لماذا يُطلَب من كل امرأة تنجب طفلًا، أن تتعاطى مع أمومتها بنفس الطريقة؟ لماذا يُطلَب منا أن نكون آليين؟ المشكلة في المتون والقوالب المعدة مسبقًا، والتي إذا عبَرتَ ساحتها، فلن تستطيع الفكاك منها.

الولادة كتجربة ليست فريدة

الصورة: pxhere 

لم تكن تجربتي مع طبيبة النساء والولادة حالة فردية أو مجرد سلوك غير مهني من طبيبة بعينها، إنما تجربة متفقة تمامًا مع الإطار العام الذي تتعرض له غالبية الأمهات، سواء من الأطباء أو المحيطين بها.

هناك كثير من الحكايات التي يمكن تلخيصها في: «أنتِ لست أول امرأة تحمل وتلد. فعليك إذًا أن تغلقي فمك وتكملي الأمر في صمت».

هذا ما حدث لي أيضًا. فقد تعاملت الطبيبة مع رغبتي في الحفاظ على وزني بشيء من التوبيخ: «هل تريدين أن تفقدي جنينك؟ كُفي عن الركض». وعندما أخبرتها بأني أريد أن أستخدم حقنة مخدرة حتى لا أشعر بألم خروج رأس الجنين، قالت: «هل أنتِ أول امرأة تنجب وتتألم؟ ما المشكلة إذا تألمتِ؟». وأقول أنا: «ما المشكلة في أن أرغب بتجربة الولادة دون ألم؟ هل ينتقص ذلك من أمومتي؟».

الأم تُعرَف من خلال أطفالها، وتكتسب قدرًا من الاحترام ربما لم تحصل عليه طوال حياتها كأنثى.

هناك دائمًا حالة من الاستنكار والرفض لمحاولة أي أنثى أن تحافظ على ذاتيتها وكينونتها بعيدًا عن كونها أمًّا، أو على وشك أن تصبح أمًّا. كأن الإنجاب قرار في جوهره تخلي عن النفس. كأن الأمومة «تتر نهاية» للمرأة ككيان له جسد وطموح وأحلام وتطلعات منفصلة وخاصة.

هناك كثير من اللوم وإلقاء المسؤولية على عاتق الأمهات بصورة تخلف قدرًا هائلًا من الإحساس بالذنب لا يمكن الفكاك منه. أحب ابنتي أكثر من أي شيء. تلك حقيقة لا أحتاج إلى إثباتها عن طريق الخضوع للطريقة التي اتفق عليها آخرون بأنها «الأمومة الحقة». لا أريد أن أفقد أحلامي وطموحاتي لأنني أصبحت أمًّا. لا أريد أن يُنظر لي تلك النظرة التي ينظرها الناس للأمهات، بأنهن مجرد كائنات ثانوية في حضور أبنائهن.

الأم تُعرَف من خلال أطفالها، وتكتسب قدرًا من الاحترام ربما لم تحصل عليه طوال حياتها كأنثى.

طور الأمومة هو الأكثر تبجيلًا في حياة الإناث عمومًا. ربما لذلك السبب تستكين نساء كثيرات لتلك المرحلة، ولا ترغب في تجاوزها والعودة إلى معترك الحياة ذاتًا مستقلة تحتاج إلى إثبات نفسها بعيدًا عن «جلال الأمومة».

لا أحاول هنا الانتقاص من رغبات أحد. لكن أود أن يكف المجتمع عن وصم الأمهات اللاتي يمتلكن تطلعات خارج نطاق أمومتهن. أود لو يكون هناك قدر من التسامح والمرونة في نظرتنا إلى الأمهات التي تتعاطى مع أمومتها بشكل مختلف عن المعتاد.

أمومة طبقًا للكتالوج

الصورة: pxhere

عندما علمت بحملي تابعت كثيرًا من مجموعات الدعم المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي. كنت أبحث عن المعرفة والمشاركة والمؤازرة والونس ممن مروا بنفس تجربتي من النساء، لأنه رغم دعم زوجي ومحاولته أن يعوضني عن ابتعادي عن أمي وصديقاتي بسبب السفر، استمرت حاجتي لصوت المرأة في تلك الرحلة، ولا أنكر أن تلك المجموعات أفادتني وقدمت لي الدعم الذي أحتاج غير مرة. إلا أن أكثر ما أزعجني منها هو اليقين الزائد الذي يغلف النصائح التي تقدمها الأمهات ومحاولات الوصم وفرض الرأي، إلا قليلًا.

هناك دائمًا محاولة لتأطير كل تفاصيل الحمل والولادة وعملية التربية في «افعل ولا تفعل». على سبيل المثال، إذا لم تختاري الولادة الطبيعية، فأنتِ أُم من أبناء الجيل الجديد المستهترات وغير القادرات على تحمُّل المسؤولية، وإذا لم تُرضعي رضاعة طبيعية، فالويل لكِ: كيف تحرمين طفلك من فوائد الرضاعة الطبيعية؟ إنها كل ما يحتاجه الطفل في سنته الأولى.

تظل كل مشترِكة تعدد فوائد الرضاعة الطبيعية حتى تعتقد أن من يرضع صناعيًّا سيهلك لا محالة، إلا أن ذلك لا يحدث.

إنهن يغضضن الطرف تمامًا عن الحالة الصحية أو الظروف الاجتماعية لتلك الأمهات. لسنا في صحة أمهاتنا وأجدادنا، وغالبيتنا يصعب عليهن التفرغ من العمل لفترة طويلة حتى يبقى بجانب طفله السنتين الأوليين من حياته، مثلما يوصي خبراء التربية، والقوانين لا تعطي للأم إجازة وضع كافية.

أمور كثيرة باتت تأتي بالتبعية في ذهن كل أم حامل، من شأنها أن تثقل كاهلها وتدخلها في حمى شرائية لا تنتهي.

أعرف أمهات اضطررن إلى الرجوع إلى العمل بعد أسبوعين فقط من ولادتهن، حتى لا تفقدن وظائفهن التي هي جزء أساسي في إعالة الأسرة. لست أحاول تشجيع الولادة القيصرية أو الرضاعة الصناعية، لكن لدينا معطيات يجب أن تؤخذ في الحسبان، قبل جَلد الأخريات بكلمات من قبيل «المفروض» و«الواجب».

أصابت عدوى الاستهلاك مجتمع الأمهات، وفرضت نمطًا شرائيًّا شَرِهًا يتعلق بكل تفاصيل تلك المرحلة. فإذا لم تستطيعي إعداد غرفة طفلك بالشكل الفلاني، وأحضرتِ كل مستلزمات الطفل كما تخبرك مئات مقاطع الفيديو على يوتيوب بأنها الأغراض التي يجب شراؤها لحديثي الولادة، فلماذا تنجبين من الأساس؟

إذا لم تقومي بجلسة تصوير لكِ في أواخر فترة الحمل، ولم تقيمي حفلة «البيبي شاور»، ثم «السبوع» أو «العقيقة»، فربما يكبر طفلك ويسألك عن سبب إغفال تلك الأشياء؟ هكذا أتت تعليقات بعض الأمهات إجابة عن سؤال: ما أهمية «السبوع»؟

هناك أمور كثيرة باتت تأتي بالتبعية في ذهن كل أم حامل، من شأنها أن تثقل كاهلها وتدخلها في حمى شرائية لا تنتهي، سواء على مستوى الأشياء التي يجب أن تبتاعها أو نمط الحياة التي يجب أن توفرها لطفلها.

المؤسف في الأمر أن غالبية تلك الأمور لا ترقى لمرتبة الضرورات أو الأساسيات. لم أشترِ رُبع تلك الكمية، ولم أعقد جلسة تصوير ولا حفلات، وكبرت ابنتي حتى أتمت العام منذ أيام دونما حاجة لكل تلك الأمور.

لكن لا أنكر أنه كان لدي إحساس متوارٍ بالذنب، وتساؤل عما إذا كنت أمًا مقصرة. إنني ممتنة لأنني لم أمر بتجربة الأمومة في بلدي، لأن الأمر يشبه تمامًا عادات الزواج التي ضجت بقيودها وتكاليفها المسرفة غالبية جيلنا.

هكذا الأمر بالنسبة إلى الإنجاب، بدايةً من الإلحاح الشديد على الشروع في الحمل بعد الزواج بأيام، وليس نهاية بكل تفاصيل الفرح بهذا المولود، لتجد أن الملمح الأساسي للتعبير عن الفرح لدى الأهل والأقارب هو مقدار ما أنفقته من أموال، وإذا لم تفعل، فسترافقك إلى الأبد حسرات الأهل بأنك لا تريد لهم الفرح، وأنك تحرجهم أمام الناس، وكيف يفسرون للناس أنك لا تريد أن تفعل كذا وكذا مثل كل مَن هم في سنك وظروفك، ثم تلاحقك نظرات الاستهجان والهمسات والقيل والقال من كل معارفك عن عدم رجاحة عقلك وطيشك وانعدام تقديرك لنفسك ولمولودك ومدى بخلك وحرصك على المال.

الآخرون وحجم المال المدفوع هما المحركان الرئيسيان في أي خطوة نخطوها في حياتنا، ولا عزاء لما نريد أو نحب أو تتطلبه شخصياتنا.

الحاجة إلى الاحتواء والتفهم

الصورة: pexels

لقد عشت في حالة قلق وخوف، طوال فترة حملي، من أن يصاب جنيني بأي مكروه أو تشوه خلقي نتيجة تناولي أدوية بطريق الخطأ، أو تناولي شيئًا قد يضره، أو لأنني استغرقت في النوم على بطني دون أن أدري، أو لأنني لم أنتبه لحركته، أو لأنني تعثرت، فارتطمت بطني في حافة المائدة، أو، أو.

كلها مخاوف تمر بها غالبية الأمهات. وتقابَل بكثير من الاستخفاف عند البوح بها، سواء للأطباء أو للمحيطين بالأم. أما بعد الولادة، فحدِّث ولا حرج بدايةً من بكائي المتواصل في الأيام الأولى دون سبب محدد، رغم سعادتي الغامرة بابنتي وبولادتي التي مرت بسلام وهدوء. مرورًا بكل الأيام التي شعرت فيها بالاختناق والثقل والعجز، وأن حياتي انتهت، وأني سأظل أغير الحفاضات، وأرضع وأغسل وأطهو إلى الأبد.

كانت كل تلك المشاعر الجاثمة على صدري تتبدد بمجرد أن أنال قسطًا من الراحة أو أتحدث مع زوجي بصوتٍ عالٍ، فتخرج تلك الهواجس إلى العلن، فتنزوي وتتضاءل أمام صوت المنطق.

حالة «اكتئاب ما بعد الولادة» تصيب أمهات كثيرات دون أن يدرين عنها، وتتطلب توعية من الأطباء ومراعاة من الزوج والأهل.

في كل لحظة تحتاج فيها ابنتي كل الصبر والرحمة والحنان وطول البال، كنت ألبِّي حاجاتها ورغباتها حتى لو كان ذلك يعني أن أنسى نفسي واحتياجاتي شديدة البدائية، كالنوم والأكل ودخول الحمام، لأن أي شيء آخر محض رفاهية وخطة مؤجلة، الله وحده يعلم متى يحين أوان تحقيقها.

حالة «اكتئاب ما بعد الولادة» التي غالبًا ما تصيب أمهات كثيرات دون أن يدرين عنها شيئًا، تتطلب مزيدًا من التوعية بها من الأطباء، ومراعاة تلك الحالة من الأزواج والأهل وتقديرها، لأن ما أدركه بوضوح الآن أن الأمومة ما هي إلا كتلة من التناقضات والأحاسيس المرتبكة التي تصيبنا نحن الأمهات بمجرد علمنا أن جنينًا ينمو في أحشائنا. وهي قدْر هائل من المسؤولية التي تحتاج كل الدعم الممكن والتشجيع المستمر والاحتواء والتفهم التام لكل ما تمر بها كل أم من ضغط نفسي وذهني وجسدي، منذ أول لحظة تدرك فيها أن بداخلها كيانًا سيغدو يومًا ما إنسانًا مسؤولًا وناضجًا، وعلى عاتقها بشكل أساسي، على الأقل في السنوات الأولى من عمره، مسؤولية إنباته نباتًا حسنًا.