إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

الغزل المأجور: شخصيات افتراضية تتحمل عنك عبء «اللطافة»

الصورة: Getty/MartinPrescott

تتفحص حسابك على تطبيق المواعدة، تجد شخصًا تشعر أنه لطيف وأن بينكما كثيرًا من الأمور المشتركة. وبينما تكتب عن مشاعرك الملتهبة، وتشاركه قصصًا مؤثرة من حياتك، وتكشف له عن أعمق مخاوفك في رسائل عاطفية حارة، لا يتلقى الطرف الآخر رسائلك أصلًا، بل يرد عليها موظف جالس يقضي ساعات عمله في ملل.

تحكي الكاتبة الأمريكية «كلوي روز» عن وظيفتها السابقة في تقمص شخصيات الرجال على تطبيقات المواعدة في مقالها المنشور على موقع «Quartz».

كيف بدأت القصة؟

«كنت أستيقظ كل صباح لفعل نفس الروتين: أدخل حساب رجل عمره 45 عامًا من تكساس، وأغازل كل فتاة في قائمته لمدة 10 دقائق (...) ومقابل كل رقم هاتف أحصل عليه [من فتاة] أتلقى 1.75 دولار».

في نوفمبر 2017 رأت كلوي إعلان وظيفة يطلب أشخاصًا لديهم مهارات جيدة في التعامل مع تطبيق «Tinder»، لوظيفة «مساعد في المواعدة الافتراضية». في البدء ظنت أن الأمر مجرد مزحة، لكنها ملأت استمارة التقديم، وبعد ثلاثة أيام تلقت مكالمة هاتفية من شركة «ViDa».

يبدو أن الكتَّاب يشكلون خامة جيدة للعمل كمساعدين في المواعدة عبر الإنترنت، لأن معرفة كيفية إغراء الغرباء بالكلمات المكتوبة هو الأساس الذي تقوم عليها شركات كهذه.

لاحظت كلوي كذلك اهتمام الموظف الذي أجرى مقابلة العمل معها بمرونتها الأخلاقية في أمور مثل تقييم صور العملاء وأشياء كهذه. لكن رغم اهتمام الشركة بتعيين الكتَّاب لهذه الوظيفة، بدا واضحًا لكلوي أن العمل لا يتطلب أي إبداع من أي نوع، فالكُتَّاب المسؤولون عن حسابات العملاء يتبعون خطوطًا واضحة وإرشادات صارمة يُعاد استخدامها غالبًا عشرات المرات.

تعلَّمت كلوي أن هناك نوعين من الكتَّاب في الشركة: كُتاب مهمتهم جعل حسابات العملاء جذابة بناءً على حقائق يعرفونها منهم، وكُتاب «مقربون»، يدخلون حسابات العملاء الشخصية ويتواصلون مباشرةً مع من يطابقون المواصفات المنشودة لديهم.

لكن لا تظن أن العملية تسير بشكل عشوائي، فالكُتاب «المقربون»، بحسب ما ترويه كلوي، يخضعون لتدريبات تدوم عدة أسابيع قبل أن يُسمَح لهم بدخول حسابات العملاء، يقرؤون خلالها أدلة متعددة ويكتبون ردودًا تجريبية تُرسَل إلى أشخاص يلعبون دور الطرف الآخر.

في البدء كان المدرب يطلب منهم أن يكونوا مبدعين في ردودهم، لكن بحلول الأسبوع الثالث من التدريب كانت كلوي تتلقى تعديلات شاملة، تتضمن أسئلة أبسط وردودًا أقصر بدلًا من أسئلتها المعقدة.

بنى صاحب شركة «ViDa» فكرته على أساس تجربته في عالم المواعدة، إذ كان يقضي ساعات لمراسلة عشرات النساء علَّ واحدة منهن تجيبه.

كتب «سكوت فالديز»، مدير الشركة، كتيب الإرشادات الذي اتبعته كلوي، وهو كتيب مملوء بوجهات نظره الشخصية عن عقل النساء، ويتعامل معه موظفو الشركة باعتباره «كتابًا مقدسًا» للعلاقات.

في حواره مع موقع «Quartz» يقول سكوت إنه يرى نفسه خبيرًا في العلاقات، ومن وجهة نظره، فالمواعدة عبر الإنترنت تحتاج إلى المجهود، والمجهود يساوي الوقت، وبانتشار تطبيقات المواعدة صارت الخيارات متعددة ومفتوحة، لكن هذا أيضًا يعني أنك في منافسة مع كل مَن في منطقتك، لذا إذا أردت أن تحصل على موعد غرامي مع شخص يطابق مواصفات أحلامك، فيجب أن يكون حسابك هو الأفضل، وكذلك صورك ورسائلك. وبما أن كثيرين لا يستطيعون توفير هذا، فبالإمكان توظيف شخص ما يتولى إظهار أفضل صورة لك.

يؤكد فالديز أنه رجل مبيعات ولا وقت لديه للمواعدة، لذا بنى فكرته وشركته على أساس تجربته الشخصية في عالم المواعدة، إذ كان يقضي ساعات طويلة في إرسال عبارات مغازلة لعشرات النساء علَّ واحدة منهن تجيبه. المواعدة عبر الإنترنت بالنسبة إليه «مجرد لعبة أرقام».

فكرته عن الشركة بدأت في 2009 حين كان مثقلًا بالعمل ولا وقت لديه للبحث عمَّن يطابق مواصفاته. طوَّر فالديز طريقة ناجحة للمواعدة، لكنه فشل في استخدامها لأنه كان يرد على الرسائل بشكل متقطع، ففكر في تدريب شخص يحل محله ويبدو مثله. وفكر في عدد المشغولين أمثاله الذين قد تنقذ أفكاره حياتهم الاجتماعية.

توظف الشركة الآن 80 موظفًا، وتتباهى بإرضاء 2500 عميل، ولها موقعان: أحدهما مخصص للرجال، والآخر للنساء.

يقول كتيب الإرشادات إن الشركة اكتشفت أن جزءًا كبيرًا من عملية التواعد عبر الإنترنت يمكن أن ينظَّم، ويصبح عملًا روتينيًّا بشكل أساسي. وعليه، فإن الكتَّاب يدخلون إلى نظام أوتوماتيكي يحلل ردود الفعل على الكلام الذي يرسله الكتاب، وتقييم التفاعل معه. وهكذا يحتفظ النظام بالمعلومات التي تلقت رد فعل كبيرًا، ويجتمع المقربون شهريًّا ليناقشوا الكلام الذي ينجح، ويضيفوه، ويخلقوا أفكارًا جديدة.

تتراوح أعمار العملاء بين 28 و52 عامًا، ويصفهم فالديز بأن لديهم مالًا أكثر من الوقت، مثل الأطباء ورواد الأعمال والمحامين والمبرمجين. ترفض الشركة خدمة العملاء المتزوجين، أو الذين ينوون خيانة أزواجهم، ويؤكد فالديز أنه لن يبني ماله على حساب «تدمير العائلات».

اقرأ أيضًا: كيف يتحول الطيبون إلى ضباع على وسائل التواصل الاجتماعي؟

على الإنترنت: لا مكان للطيبين

قد يكون ما تفعله الشركة غير أخلاقي، لكنه قانوني بالكامل ما دامت قد حصلت على إذن العميل لانتحال شخصيته على الإنترنت.

لكن بتنحية القانون جانبًا ترسخ هذه المغازلة للصور النمطية السلبية الجندرية، وتعزز وجهة نظر مدمرة عن الرومانسية، إذ يتعلم الرجال والنساء في هذه المواقع كيف يحاكون الشخصيات التي تحصل على نتائج أكبر في المواعدة، وهذا بدوره يقلل من أهمية السمات الشخصية الفريدة ووجهات النظر غير التقليدية إلى حد أن شخصًا غريبًا كموظف في شركة ما يمكن أن يكسب الود عن طريق بعض البيانات الرقمية. ومحاولة كسب ود آلاف الأشخاص أو حتى العشرات في وقت واحد، تُفقدنا قدرتنا على المجازفة واستبدال مراهنات آلية محسوبة بالتجارب الاجتماعية.

أما الثمن الباهظ لهذا التخفي عبر الإنترنت، بحسب ما ترى كلوي، فهو خسارة التلقائية الطبيعية للمرء بعد تعرضه لهذا العدد من التجارب.

تضرب كلوي مثالًا فتقول إنها خلال التدريب أخبرتها إحدى النساء بأنها دفنت كلب العائلة مؤخرًا. احتارت كلوي في الرد، فكتبت على لسان العميل تعبِّر عن أسفه، وبعثت الرسالة إلى مدربها للحصول على موافقته. رفض المدرب رد كلوي، وأُرسِلَ بدلًا منهى قصة مبهجة عن كلب العميل، الأمر الذي كان من وجهة نظر كلوي ردًّا متهورًا غير مبالٍ بالطرف الآخر. توقعت بعدها أن تتوقف السيدة عن مراسلتها، لكن بعد ثلاث رسائل حصلت على رقم هاتفها، وكانت هذه أول عمولة تتلقاها في الشركة.

فكرت كلوي بعدها: هذه السيدة لم تتمنك من الحديث عن كلبها، الذي كان يمثل لها بالطبع قيمة عاطفية كبيرة. هل ألقت السيدة باللوم على سوء الفهم الذي يحدث عادةً عبر الإنترنت؟ وما كان يقلقها أن السيدة ستتعلم في كل مرة تستبعد فيها مشاعرها، سواء عبر الإنترنت أو في الواقع، ألا تتحدث عن احتياجاتها العاطفية، أو أي احتياجات لها على الإطلاق.

تحوَّل فضول كلوي بشأن ما تفعله الشركة إلى اشمئزاز عميق، من الشركة ومن فالديز ومن نفسها، وسبَّب لها راتبها الذي تسلمته حالة ذعر، وبدأت تشك في حساباتها على مواقع الإنترنت، ليس فقط تجاه الرجال الذين تحدثهم، بل أيضًا في قدرتها على تقديم نسخة تدعو للإعجاب من نفسها على الشبكة.